الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الطبقة العاملة الجديدة نسخ بشرية من الروبوتات

  • بدأت زراعة رقائق إلكترونية داخل الأجساد تأخذ مسارات جديدة أكثر تطورا من ذي قبل، إذ يبحث من خلالها المتلهفون على مثل هذه العمليات على الحصول على أكبر قدر من الراحة، حيث توفر لهم العديد من الخدمات التي من شأنها تبسيط بعض العادات اليومية كفتح باب المنزل أو المكتب، وتجد هذه العمليات إقبالا متزايدا رغم المخاوف من استخدامها من قبل الهاكرز كمنافذ وثغرات أمنية لاختراق البيانات الشخصية.

العرب  [نُشر في 2017/08/20، العدد: 10728، ص(18)]

تحركات مدروسة

لندن - زرع العلماء والباحثين للرقائق الإلكترونية في جسد الإنسان صار أكثر تطورا من ذي قبل، حيث زرع طبيب يعمل في أحد مستشفيات الولادة بمدينة نوفوسبيرسك الروسية، مؤخرا، 6 رقائق إلكترونية تحت جلده، من شأنها فتح باب المنزل والمكتب وتخزين كلمات المرور ومعلومات بطاقة العمل.

ويأمل الطبيب الروسي، ألكسندر فولتشيك، بزرع رقاقة أخرى لقياس نسبة السكر وأخرى حاملة للشفرات.

وقال الطبيب “لقد قمت بزراعة أول رقاقة في 8 أغسطس من العام 2014. وقد مكنتني من الدخول إلى أحد المراكز الرياضية بسيبيريا وكانت تعمل كبطاقة تحكم، ثم سجلتها في نظام دخول المؤسسة الطبية التي أعمل بها”.

وأضاف فولتشيك أنه قرأ عن هذه الزراعة في مقال ألّفه أحد رجال الدين المناهضين لمثل هذه الأعمال، ثم اهتم بهذا الموضوع واستوضح أن الرقائق ذات الأبعاد الملائمة لجسم الإنسان تصنع في الولايات المتحدة، والرخيصة منها في الصين، ثم بدأ في إجراء تجارب على جسمه في هذا المجال.

ويتضمن جسم الطبيب الآن 6 رقائق بعضها شبيه تماما بمفتاح إلكتروني للدخول إلى المنزل والمكتب. وتعمل بقية الرقائق لأغراض أخرى، فهي قادرة على تخزين معلومات بحجم كيلوبايت واحد. وقد خزن في إحداها معلومات بطاقة العمل، وفي أُخرى كلمات المرور، بينما تعمل بعضها على فك شفرة جهاز الكمبيوتر.

وقال فولتشيك إن عرض الرقاقة أقل من مليمترين، وطولها لا يزيد عن 12 مليمترا. وتتألف من نواة فريت (مركب حديدي)، تلفّ داخل أنبوب مصنوع من الزجاج المحايد حيويا. ويتم إدخال الرقاقة تحت الجلد بواسطة حقنة خاصة. ويمكن إخراجها بسهولة إذا اقتضى الأمر ذلك.

وتابع فولتشيك “الأمر مريح جدا. لم أعد أشعر بوجودها تحت جلدي. اعتدت على أن أضع يدي أو إصبعي على الجهاز قارئ الشفرات لدخول المبنى”. وأضاف “لديّ عدد كبير من الأصدقاء على فيسبوك من الذين يهتمون بهذا الأمر ويريدون الاقتداء بي”. وأشار إلى مستقبل استخدام تلك التكنولوجيا في مجال الطب مثلا، حيث تمكن زراعة مقياس لنسبة السكر تحت جلد المصابين بمرض السكّري.

ألكسندر فولتشيك 'لدي عدد كبير من الأصدقاء على فيسبوك من الذين يهتمون بهذا الأمر ويريدون الاقتداء بي'

حقائق وأساطير

يعدّ ديف ويليامز المهندس للنظم في شركة موزيلا للبرمجيات واحدا من بين عدد متزايد ممن يمكن أن نُطلق عليهم اسم “المتلاعبون في صفاتهم البيولوجية باستخدام التكنولوجيا”، وهم من يختارون تعزيز قدراتهم الجسدية بوسائل تقنية متقدمة حيث زرع ويليامز تحت جلده رقاقة شديدة الصغر، وهي عبارة عن دائرة إلكترونية موضوعة داخل كبسولة زجاجية على شكل حبة دواء، وهي رقاقة تبدو أقرب في وظيفتها إلى بطاقة ائتمان تعمل باللمس ولا يحتاج صاحبها إلى أن يُدخل كلمة سرّ.

وبحسب موقع بي بي سي البريطاني، اختار ويليامز (33 عاما) أن يزرع في يده -وبدافع الفضول- رقاقة لتحديد الهوية باستخدام موجات الراديو تعرف علميا باسم “آر إف آي دي”. وبفضل هذه الخطوة تحول هذا الرجل فعليا إلى بطاقة ذكية متحركة تعمل باللمس. وبوسع ويليامز من خلال تسجيل هذه البطاقة على مجموعة متنوعة من الأجهزة الإلكترونية استخدامها لأداء وظائف بعينها مثل نقل التفاصيل الخاصة به وبرقم هاتفه وبريده الإلكتروني إلى الهاتف المحمول الخاص بأحد أصدقائه.

ووفقا لويليامز، الذي يعترف بأنه صاحب أسوأ ذاكرة في العالم، فإن لهذه البطاقة فوائد جمة بالنسبة إليه، فلديه الآن -على الدوام- أداة إلكترونية تمكنه من فتح الأبواب والدخول على حاسبه الآلي المشفّر دون وجود أدنى احتمال لأن يتركها في مكان ما أو ينساها في المنزل على سبيل المثال.

ويرى ويليامز أن الأمر يبدو مسلّيا ولطيفا حينما يتمكّن من نقل بياناته إلى صديق بمجرد لمس هاتف هذه الصديق بيده. ويشكل التمتع بمستوى من الراحة عامل جذب شديد بالنسبة إلى من يزرعون تلك الرقائق في أجسادهم ويدفعهم للإقبال عليها، وهو ما يجعل عدد من يجربون هذا الأمر في ازدياد. وقالت شركة دانغيرس ثينغس، وهي إحدى شركات تصنيع الرقائق من هذا النوع، في العام الماضي لشبكة سي إن بي سي إنها باعت أكثر من عشرة آلاف رقاقة، جنبا إلى جنب مع الأدوات والمعدات اللازمة لتثبيتها تحت الجلد.

وأعلنت شركة ثري سكوير ماركت، التي تعمل في مجال تصنيع آلات البيع وتتخذ من ولاية ويسكنسن الأميركية مقرا لها، أنها تعتزم زرع رقائق إلكترونية في أيدي العاملين فيها. وأوضحت الشركة أن الرقاقة ستسمح للعاملين بالولوج من الأبواب المحمية بإجراءات أمنية والدخول إلى أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم والمحمية بدورها بكلمات سرّ، بل وشراء الأطعمة من المقصف الموجود بالمكان. وحتى الآن، سجل 50 عاملا بالفعل أسماءهم للاستفادة من هذا العرض. ولا تعتبر هذه الشركة الوحيدة من نوعها في هذا المجال. ففي عام 2006 زرعت شركة سيتي واتشر، التي توفر خدمات المراقبة والاستطلاع بالفيديو ومقرها مدينة سينسيناتي بولاية أوهايو الأميركية، اثنتين من هذه الرقائق لاثنين من العاملين فيها.

مخاوف من مراقبة الموظف بتتبع الرقائق المزروعة

وقالت شركة إبي سنتر لرعاية المشروعات التكنولوجية الصغيرة، في وقت سابق من العام الجاري، إنها تعتزم زرع رقائق مماثلة للعاملين لديها بالعاصمة السويدية ستوكهولم. وأفادت شركة بيو هاكس إنترناشيونال التي تُمِدُّ ثري سكوير ماركت بالرقائق الإلكترونية اللازمة لها، أن عشرات الشركات الأخرى في مختلف أنحاء العالم، وبعضها متعددة الجنسيات، تبحث عن تبنّي خطط مماثلة لزرع أدوات على هذه الشاكلة للعاملين فيها.

مخاوف على الأمن والخصوصية

أدى الانتشار المتزايد لتلك الرقائق الإلكترونية إلى تفاقم المخاوف حيال ما يمكن أن يعنيه مثل هذا التوجه من مخاطر على الأمن والخصوصية. كما أثار ذلك مشاعر قلق إزاء إمكانية استخدام تلك الرقائق اللاسلكية المزروعة في أجساد الموظفين لإبقاء أعين مديريهم عليهم ومراقبة تحركاتهم.

وقد حذرت المنظمات المعنية بحماية الحريات المدنية من أنّ عمليات الزرع الحديثة تلك قد تُستغل لانتهاك الخصوصية بطرق أخرى، غير مراقبة لتحركات من يضعها تحت جلده.

وقلّل كيفين ووريك، أستاذ علم التوجيه الآلي بجامعة كوفنتري البريطانية، من شأن تلك المخاوف قائلا “إن من اليسير للغاية الحصول على هذا النوع من المعلومات عن أيّ شخص دون زرع شرائح إلكترونية في جسده”.

وأضاف ووريك، الذي يعد من بين أول من زرعت لهم هذه الرقاقة جراحيا في العالم منذ عام 1998، أن “الأمر الأساسي هنا يتمثل في أن يصبح زرع مثل هذه الرقائق مسألة اختيارية للجميع.. أما إذا قالت شركة ما إنها لن توظفك إلا إذا قبلت عملية زرع من هذا القبيل فعندئذ سيثير الأمر قضايا أخلاقية”.

ويرى بافيل روتر، المتخصص في الهندسة الطبية الحيوية في جامعة آيه جي إتش للعلوم والتكنولوجيا في مدينة كراكوف البولندية، أن الهواتف المحمولة تشكل “خطرا أكبر على خصوصيتنا، فبالإمكان تحويلها إلى جاسوس مثالي إذا جرى اختراقها والسيطرة عليها، وذلك نظرا لما تضمّه من ميكروفونات وكاميرات ونظام لتحديد المواقع بواسطة الأقمار الصناعية جي بي إس. وبالمقارنة بخطرها هذا يبدو الخطر الذي تشكله تقنية الرقائق على الخصوصية محدودا بحق”.

أما ويليامز فلا يشعر بالقلق إزاء مخاوف من قبيل خضوعه للمراقبة بواسطة تتبع الرقاقة المزروعة في ظهر يده، إذ يقول “إن هذه الرقاقة لا تُنشّط سوى عندما توضع على بعد سنتيمترات قليلة من أجهزة المسح الضوئي التي تقرأ إلكترونيا ما هو محفوظ عليها من بيانات”. ويعتبر ويليامز أن المخاوف من اقتفاء أثره بتقنية جي بي إس ليست سوى “خيال علمي” محض في هذه المرحلة. كما حرص الرجل على تأكيد أن الجراحة التي يجري من خلالها زرع مثل هذه الأدوات التكنولوجية ليست مروّعة بالقدر الذي قد يتصوره البعض.

وأثبت مارك غاسون وهو أحد الباحثين في كلية هندسة النظم بجامعة ريدينغ البريطانية أن تلك الرقائق عرضة لهجمات إلكترونية تستخدم برامج خبيثة. فقد زُرِعتْ رقاقة إلكترونية في اليد اليسرى لغاسون عام 2009، ثم أدخل عليها تعديلات في العام التالي لكي يتسنى لها نقل أحد فيروسات الكمبيوتر.

وتضمنت التجربة التي أجراها غاسون في هذا الصدد تحميل عنوان موقع إنترنت على جهاز الكمبيوتر المتصل بجهاز الماسح الضوئي الذي ترتبط به الرقاقة، وهو ما يجعلها تُحمِّل بعض البرمجيات الضارة إذا كانت متصلة بالإنترنت.

وقال غاسون إن هذه التجربة انطوت على “اختراق وانتهاك” على نحو مثير للدهشة بحق، موضحا “لقد أصبحت خطرا على الأنظمة الموجودة في المبنى”.

ومن أسوأ عيوب الرقائق الإلكترونية ملازمتها للمرء على الدوام فلا يمكن مثلا أن تُنسى أو تُترك في المنزل، وهو ما يجعلها أكثر خطرا -في حالة اختراقها إلكترونيا- من بطاقات الهوية العادية التي يمكن من خلالها الدخول إلى أماكن العمل، رغم أن بالإمكان قرصنة هذا النوع الأخير من البطاقات أيضا. وبحسب غاسون، ليس من السهل التخلص من تلك الرقائق المزروعة تحت الجلد “أو وقفها عن العمل في هذه الحالة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر