الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

علاج تجريبي غير مسبوق يصحح عيوب الحمض النووي

  • تركزت جل التجارب السابقة للتعديل الجيني على استخراج عينات للخلايا المشوهة أو غير السليمة وتعديلها في المخابر خارج جسم المريض، ثم إعادتها مجددا إليه. لكن هذه التقنية غير آمنة لعدد من الأمراض التي تصيب الكبد والقلب والمخ. ولضمان سلامة المرضى تقدمت الهندسة الوراثية خطوة إلى الأمام وتمكن العلماء من تجربة علاج جديد يتم حقنه مباشرة داخل الجسم.

العرب  [نُشر في 2017/11/20، العدد: 10818، ص(17)]

العلاج الجديد حقن مباشرة في مجرى دم المريض

لندن – أجرى أطباء في ولاية كاليفورنيا الأميركية أول تجربة على مستوى العالم تهدف إلى إجراء تعديل جيني لخلايا داخل جسم المريض مباشرة.

ونشرت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي تقريرا عرضت فيه مراحل التجربة العلمية غير المسبوقة. جاء في التقرير أن بريان ماديو، البالغ من العمر 44 عاما من ولاية أريزونا، قد خضع لعلاج تجريبي في مسعى لتصحيح تشوه في الحمض النووي تسبب في إصابته بمتلازمة هنتر، التي تحدث نتيجة اضطراب جيني ناتج عن خلل في إنزيمات الجسم.

وقال ماديو إنه يشارك في التجربة نظرا لما يعانيه “من ألم كل ثانية كل اليوم”. ومن المبكر للغاية معرفة فعالية تعديل الجينات في حالة ماديو. وتعد الإصابة بمتلازمة هنتر نادرة جدا، إذ يولد المريض دون أوامر جينية للإنزيم على نحو يؤدي إلى تكسير جزئيات السكر الطويلة التي تعرف باسم “عديدات السكاريد المخاطية”.

وبدلا من ذلك تتراكم في الجسم وتتلف المخ وأعضاء أخرى، وقد تفضي حالات الإصابة الشديدة إلى الوفاة. وقال ماديو “كنت أعتقد أنني لن أعيش حتى أبلغ أوائل العشرينات من عمري”.

وخضع ماديو لعلاج تجريبي لإعادة صياغة الحمض النووي وتحميله بالأوامر لتكوين إنزيم. وحقن الأطباء العلاج في مجرى دم المريض في مستشفى أطفال بينيوف في ولاية أوكلاند.

ويحتوي العلاج على مقصين جزيئيين يطلق عليهما “نيوكلييز إصبع الزنك”، وهي إنزيمات تقييد صناعية، تقطع الحمض النووي إلى جزئين بمنتهى الدقة. ويمهد ذلك سبيلا يفضي إلى تكوين قطعة حمض نووي جديدة، تحتوي على أوامر مرغوب فيها، توضع في الشفرة الجينية للمريض.

وقال تشيستر وايتلي، أحد الأطباء المشاركين في التجربة، لبي بي سي “إذا سارت الأمور كما سارت خلال التجارب التي خضعت لها الفئران، فسوف تكون النتيجة عظيمة”. وأضاف “أنا متفائل للغاية، لدينا طريقة آمنة وفعالة لتوفير علاج جيني”.

العلاج يحتوي على مقصين جزيئيين، وهما مجموعتا إنزيمات تقييد صناعية، تقطع الحمض النووي إلى جزئين بمنتهى الدقة

وقال إنه يأمل في الأجل الطويل أن يجري تعديلات جينية بعد وقت قصير من ولادة المريض، لأن “الطفل الذي لا يخضع للعلاج يفقد 20 نقطة من معدل ذكائه سنويا”.

وكانت تجارب سابقة لتعديل الجينات قد أجريت على مرضى، غير أن الخلايا كانت تستخرج من الجسم وتخضع للتعديل والفحص لرصد الأخطاء ثم إعادتها مرة أخرى.

بيد أن هذا المنهج يعد مستحيلا بالنسبة إلى أعضاء كالكبد أو القلب أو المخ. وهو ما دفع الأطباء إلى إجراء تعديل للجينات داخل جسم المريض. وترصد التجربة سلامة إجراء التعديل الجيني، وسوف يتطلب الأمر إجراء المزيد من البحوث للوقوف على فعالية العلاج.

ولم يرصد الأطباء حتى الآن أعراضا جانبية في حالة ماديو، وإذا استمر كل شيء على ما يرام، حينئذ سيخضع تسعة مرضى لعلاج تجريبي كجزء من الدراسة.

وقالت ساندي مكراي، من مؤسسة “سانغامو” لصناعة العقاقير الطبية، “للمرة الأولى يتلقى المريض علاجا يهدف إلى تعديل الحمض النووي للخلايا مباشرة داخل جسم المريض”. وأضافت “نحن في بداية حدود جديدة لطب الجينوم”.

وقال ماديو إنه مستعد لتعديل الحمض النووي الخاص به “إذا كان ذلك يمد العمر ويساعد العلماء في التوصل إلى علاجات للبشرية”. يقول العلماء إن استخدام التكنولوجيا المسماة “كريسبر- كاس9”، التي تسمح للعلماء بتغيير أي جين يستهدفونه فعليا، فتح آفاقا جديدة في الطب الوراثي بسبب قدرتها على تعديل الجينات بسرعة وفاعلية. وتتيح هذه التقنية للعلماء تعديل الجينات من خلال “مقص” جيني يضاهي في عمله برنامجا لمعالجة النصوص يمكنه رصد التشوهات الجينية واستبدالها بعناصر أخرى في الحمض النووي (دي.إن.إيه).

ويتم التخطيط بالفعل لاستخدام التعديل الجيني في تجارب سريرية على أشخاص لتصحيح أمراض يسببها تشوه في جين واحد مثل مرض فقر الدم المنجلي، لكن تلك العلاجات لا تؤثر إلا على المريض.

المخاوف المتعلقة باستخدام تلك التكنولوجيا في خلايا التكاثر البشرية أو الأجنة في مراحلها المبكرة تتمثل في أن التغييرات ستنتقل إلى الأجيال التالية

غير أن المخاوف المتعلقة باستخدام تلك التكنولوجيا في خلايا التكاثر البشرية أو الأجنة في مراحلها المبكرة تتمثل في أن التغييرات ستنتقل إلى الأجيال التالية. وعلى الرغم من أن استخدام هذه التكنولوجيا لا يزال قيد التطوير، إلا أن التقرير الأخير، الصادر عن الأكاديمية الوطنية للعلوم في واشنطن، يقول إن التجارب السريرية لتعديل الجينات في خلايا التكاثر البشرية قد يُسمح بها “لكن بسلسلة من الشروط وتحت رقابة صارمة”.

ووصفت سارة نوركروس من “بروجرس إديوكيشينال ترست”، وهي مؤسسة تدافع عن حقوق المرضى بأمراض وراثية، التوصية الأخيرة بأنها “حكيمة ومتزنة”.

لكن مارسي دارنوفسكي من مركز “سنتر فور جينيتكس آند سوسيتي”، قالت إن التوصية “مقلقة ومخيبة للآمال”، مضيفة أنها “تعني إعطاء ضوء أخضر للمضي قدما في جهود تعديل الخلايا البشرية”، وهي تغييرات يمكن أن تنتقل إلى الأجيال القادمة.

واستخدم باحثون أميركيون، مؤخرا، تكنولوجيا النانو وأداة تعديل الجينات (كريسبر-كاس9) لتعطيل جين رئيسي مرتبط بالكوليسترول في خلايا كبد الفئران، وهو تقدم قد يؤدي إلى وسائل جديدة لتصحيح الجينات التي تسبب ارتفاع الكوليسترول وغيره من أمراض الكبد. وتعني تكنولوجيا النانو تصميم ومعالجة مواد أصغر من عرض شعرة الإنسان بآلاف المرات.

وقال دانيال أندرسون البروفيسور المساعد في الهندسة الكيميائية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومؤلف الدراسة “أظهرنا أننا نستطيع صنع جسيمات متناهية الصغر يمكن استخدامها لتعديل الحامض النووي الوراثي ‘دي.إن.إيه’ في كبد الحيوان البالغ بشكل دائم ومحدد”.

وتبشر الدراسة التي نشرتها دورية “نيشتر بايوتكنولوجي” بإمكانية تعديل الجينات بشكل دائم ومنها جين “بي.سي.إس.كيه9” المنظم للكوليسترول، وهو ما يمثل أيضا هدف علاجين تنتجهما شركتا ريجنرون وأمجن للأدوية المتخصصتان في التكنولوجيا الحيوية.

وحاول العلماء في الدراسة تطوير وسيلة آمنة وفعالة لتوفير المكونات المطلوبة للأداة الجينية “كريسبر-كاس9” وهي أشبه بالمقص الجزيئي الذي يستطيع انتقاء وإبعاد الجينات المعيبة وإحلالها بغيرها من الحامض النووي الوراثي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر