الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

رؤية السيسي الاقتصادية.. عودة مصر إلى المستقبل

رؤية السيسي تتطلع لتحقيق تنمية غير مسبوقة وإحداث نقلة نوعية للاقتصاد المصري عبر خارطة إدارية واستثمارية (مقترحة) لتحقيق الحلم المصري بانتشار المصريين على 100 بالمئة من أراضي البلاد.

العرب ستيفن كالين [نُشر في 2014/05/24، العدد: 9568، ص(11)]

قبل أيام من الانتخابات الرئاسية التي يبدو فوزه فيها مؤكدا أعلن عبدالفتاح السيسي خارطة ملونة تفصيلية أطلق عليها اسم “خارطة المستقبل” سعى من خلالها لطمأنة المصريين إلى جديته في السعي لاجتذاب الاستثمارات للاقتصاد المنهك.

لكن الفكرة قديمة وتعود لما يقرب من 30 عاما لكنها لم تنفذ قط لتكلفتها العالية.

ومثل معظم برنامج السيسي، تستحضر الخارطة أفكارا من عهد الرئيس السابق حسني مبارك مما أثار اتهامات لقائد الجيش السابق بأنه نتاج النظام القديم.

السيسي الذي كان مديرا للمخابرات الحربية في عهد مبارك قبل أن يطيح بالرئيس الإسلامي محمد مرسي في يوليو الماضي، رسم رؤية اقتصادية تبرز فيها جليا هيمنة مؤسسات الدولة بما فيها الجيش كما تتطلب العمل الجاد من جانب المواطن العادي.

غير أن المستثمرين والناخبين بمن فيهم مؤيدو السيسي وجدوا أنفسهم أمام خطط غامضة إلى حد كبير لعلاج اقتصاد يئن تحت وطأة الفساد والبطالة وعجز متزايد في الموازنة، يفاقمه دعم الوقود الذي سيكلف الدولة 20 مليار دولار في السنة المالية المقبلة.

النقطة المحورية في خارطة السيسي للمستقبل تتضمن إقامة مدن في الصحراء لنشر أعداد السكان المتنامية على كامل الأراضي المصرية، التي يعيشون حاليا على 6 بالمئة منها فقط.

وتتطلع رؤية السيسي لتحقيق تنمية غير مسبوقة وإحداث نقلة نوعية للاقتصاد المصري عبر خارطة إدارية واستثمارية (مقترحة) لتحقيق الحلم المصري بانتشار المصريين على 100 بالمئة من أراضي البلاد.

ويقول فاروق الباز العالم الجيولوجي الذي عمل في وكالة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا) إنه رسم الخطة عام 1985 في السنة الرابعة لحكم مبارك الذي امتد 30 عاما حين كان عدد سكان مصر 50 مليونا. ويبلغ عددهم حاليا 86 مليونا.

ويتضمن مشروع “ممر التنمية” الذي وضعه الباز مد سكك حديد وطرق وخطوط ماء وكهرباء وإنشاء مدن متطورة على 10.5 مليون فدان من الأراضي غير المستغلة غرب نهر النيل.

بل إن رؤية السيسي تبدو أوسع إذ تتضمن إقامة 48 مدينة جديدة وثمانية مطارات إضافة لمزارع الأسماك ومشاريع للطاقة المتجددة لتوليد 10 آلاف ميغاوات من الكهرباء.

ويقول الباز إن مبارك لم يعر خطته اهتماما في البداية. وأضاف أنه ظل يسعى على مدى سنوات لإقناع الحكومة بتطبيقها لكن طلبه قوبل بالرفض عام 2005 بعد أن وجدت لجنة وزارية إن التكلفة التي قدرت بنحو 23.7 مليار دولار باهظة.

وأضاف الباز إن السيسي اتصل به بعد أن أعلن ترشحه للرئاسة وإنهما ناقشا في 4 اجتماعات مشروع “ممر التنمية” الذي يرتكز عليه برنامج السيسي.

وسيعتمد السيسي على مساهمات المصريين العاملين في الخارج والاستثمار الأجنبي والمساعدات الخليجية لتمويل المشروع الذي يقدر تكلفته عند 140 مليار دولار.

وقال ناثان براون خبير الشؤون المصرية بجامعة جورج واشنطن “يعطون انطباعا بأن جهود الدولة المنسقة ستقدم حلا سحريا لمشاكل مصر… هذا ليس برنامجا.”

وتشاور السيسي مع خبراء دوليين بينهم الخبير البيروفي هرناندو دي سوتو ورئيس المنتدى الاقتصادي العالمي فيليب رويسلر والملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال.

وتنم هذه الاتصالات عن إدراك لحجم التحدي ورغبة في إنقاذ اقتصاد تضرر بقوة من الاحتجاجات منذ ثورة يناير 2011.

ويقول السيسي إن رؤيته “تفتح أبواب التحديث والعمل والتنمية والاجتهاد أمام كافة المصريين… فالكل سواء وفرص التنمية متكافئة أمام الجميع.”

وقالت عبلة عبداللطيف التي ساهمت بإعداد برنامج السيسي “من الصعب أن تجد شخصا يحظى بتأييد من أقصى اليسار لأقصى اليمين وبتأييد الأغنياء والفقراء… لديه الإرادة والأدوات التي تتيح له المحاولة والتنفيذ.”

والتعارض بين تصريحات سابقة وتصريحات حالية يجعل من الصعب تعليق الآمال على نوايا السيسي.

في عام 2006 كتب السيسي يقول إن مشاكل الشرق الأوسط الاقتصادية تفاقمت بسبب محاولات إبقاء سيطرة الحكومة على الأسواق بدلا من اتباع سياسات السوق الحرة.

لكنه يتجنب اليوم استخدام تعبير السوق الحرة مشيرا في الغالب إلى القطاع الخاص في مناشداته للمساعدة في حماية الفقراء وتنفيذ مشروعات تنموية تقودها الدولة.

وتنفيذ مشروع قومي بمثل هذا الحجم الكبير يستدعي إلى الذهن مشروع بناء السد العالي الذي نجح في تنفيذه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي يشبه كثيرون السيسي به.

وفي عهد عبدالناصر في الخمسينات اضطلعت الدولة بدور الداعم والحامي وطبقت نظام رعاية اجتماعية بدعم من أكبر جيش في العالم العربي.

واكتسب عبدالناصر مكانة أسطورية بما وفره من دعم للغذاء والسكن والتعليم والرعاية الصحية إضافة إلى السد العالي الذي جسد أحلام العظمة في نفوس المصريين، لكن الإنفاق الحكومي الضخم عجز عن الصمود.

وتضخم القطاع العام منذ ذلك الحين وأنشأ الجيش، الذي لا تخضع ميزانيته لإشراف أو تدقيق، إمبراطورية أعمال يقدر البعض حجمها بما يصل إلى 40 بالمئة من الاقتصاد، لكن السيسي يقول إنها أقرب لنسبة 2 بالمئة.

وتلقى خارطته صدى لدى جمهور يتوق لقيادة ذات رؤية رغم أن الخطة لا تلقى نفس الحماسة بين المهتمين الأجانب بالشأن المصري.

ويرى أحمد بدرالدين وهو شريك بشركة أبراج كابيتال للاستثمار “ما يدعو للقلق هو أنه يعتقد أن الدولة يمكنها حل الكثير من المشاكل، رغم أن الدولة لديها مشاكلها الخاصة ومن ثم قد يزيد هذا من المشاكل.”

ومن المستبعد أن يعود المستثمرون دون أن يعرفوا ما سيحدث للعملة المتراجعة ولنظام الضرائب المتغير ولبرنامج الدعم الضخم المقترح إصلاحه.

ورغم أن الدبلوماسيين لا يساورهم شك في أن السيسي عازم على تحسين الاقتصاد وتوفير فرص عمل للمصريين يظل غياب خطة واقعية مثار قلق.

ويتفق المستثمرون على أن الفريق الاقتصادي الذي يعكف السيسي على تشكيله لن يقل أهمية عن أي سياسات محددة إن لم يكن يحمل أهمية أكبر.

ونظرا لتاريخه العسكري الطويل فقد يعتمد السيسي على مستشارين عسكريين.

ويسيطر الجيش على امبراطورية اقتصادية واسعة بدءا من السيارات وحتى الكمبيوتر اللوحي وينظر إليه على أنه أكفأ من الحكومات المصرية.

لكن البعض يشك في أن يكون ذلك كافيا.

ويرى دانييل بروبي المدير التنفيذي لشركة جيمفوندز للاستثمار أن “السيسي هو ابن المحسوبية والعسكرية. لذا سيجد صعوبة في الترويج لبرنامج إصلاحي مقنع.”

ستيفن كالين

:: مقالات أخرى لـ ستيفن كالين

:: اختيارات المحرر