الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الصراع على المناصب: بروتوكول يليق بالأباطرة

'الثورة سرعان ما ستتبخر مخلفة وحلا من البيروقراطية الجديدة'. أنماط مستحدثة من البيروقراطية بأسلوب الثوار، الذين كانوا بالأمس مضطهدين ومشردين، وصار لهم اليوم مضطهدوهم.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2014/09/12، العدد: 9677، ص(9)]

ملفت للنظر ذلك التحول الذي يطرأ على رجل السياسة ما قبل وما بعد الوصول إلى السلطة. فالمعارضات للأنظمة السياسية، بكل أشكالها، ليست أمرا معجزا ولا جديدا ولا اكتشافا، لكن الأمر المتكرر فيما يتعلق بالثورات التي شهدتها أغلب البلدان النامية، أو المتخلفة، أو كليهما هو الانتقال من المعارضة إلى السلطة، ولكن بتأسيس سلطة دكتاتورية وذلك بدعوى زائفة مفادها ضرورة الحفاظ على السلطة والثورة من أعدائها، وكأن ذلك قاسم مشترك لأغلب من وصلوا إلى السلطة.

عن هؤلاء يقول الكاتب جورج أورويل:”إنهم يصنعون الثورة لكي يؤسسوا للدكتاتورية”. فمنْ من الثورات في هذا العالم كانت في منأى عن هذا الوباء؟ ولماذا تصاب به الثورات ساعة أن تستتب الأمور وتدخل المناصب والأموال والامتيازات والمنافع والرفاهية والملذات، لتختلط بالمبادئ الثورية الافتراضية فتلوثها، وتأتي بأنساق حكم مشوهة تتنكر أول ما تتنكر للمبادئ والمثل والشعارات التي رفعها المعارضون والثوار وألهبوا بها حماسة الفقراء والمظلومين والمعدمين .

وسنصل مع الكاتب الكبير فرانز كافكا إلى ذروة اليأس من المعارضة والثورة في قوله الشهير: “الثورة سرعان ما ستتبخر مخلفة وراءها وحلا من البيروقراطية الجديدة”. نعم إنها حقا أنماط مستحدثة من البيروقراطية بلون وأسلوب وطريقة المعارضة والثوار، الذين كانوا بالأمس مضطهدين ومشردين، وصار لهم اليوم مضطهدوهم ومظلوموهم وضحاياهم.

وعلى هذا يتوقف علماء الثورات ودارسيها عند مشتركات أساسية تتعلق بأولئك الذين كانوا بالأمس معارضين يجمعون النقاط على أنظمة الحكم، فيدينونها ويحملونها مسؤولية الأخطاء الجسام من قبيل الظلم الاجتماعي ومصادرة الحريات وانتشار المحسوبية وعلاقات المصالح الفئوية واستشراء الفساد وانعدام تكافؤ الفرص، هذه العوارض وغيرها لطالما نخرت في أنظمة الحكم وتسببت، بمرور الوقت، في تحولها إلى أمراض مستعصية تعصف، عاجلا أم آجلا، بأنظمة الحكم تلك أيا كانت، خاصة عندما يسود الظلم بكل أشكاله وتستهدف أرواح الناس دون رادع أخلاقي أو قانوني.

هذا الواقع الذي ترفضه الثورات سرعان ما يتسرب إليها، لا سيما أن إغراءات السلطة التي من الصعب مقاومتها ستجد لها تنظيرا جديدا يبرر جميع تلك السلوكيات المقيتة، كما تجد لدى الفئات المستفيدة من الواقع الخرب المزيد، والمزيد، من الأسباب التي تبرر الفساد بكل أشكاله وتجد شتى الذرائع لديمومته.

إن مراقبة أنظمة الحكم وتتبع سير العدالة وإنفاق الأموال ومنح السلطات، هي من المشكلات المستعصية إبّان صعود المعارضين إلى سدة الحكم، فمراقبة مسار الثورة سيعد خيانة لها، وإنفاق الأموال بأي اتجاه لا يجب أن يخضع لا لرقابة ولا لأي شكل من أشكال المساءلة، ولهذا سيصبح الكلام عن أولئك الثوار، الذين كانوا بالأمس يقاومون بقوة تلك الأمراض الاجتماعية، فصاروا اليوم من عتاة الفاسدين والمفسدين، كلاما غير ذي جدوى لأن أساس نظام الحكم يكون قد ابتلي بنفس تلك الابتلاءات التي عصفت بأنظمة الحكم التي عصفت بها عواصف التغيير .

وإذا اتجهنا إلى مقاربة لأشكال مستحدثة من نظم الحكم في العالم العربي، فيما عرف فيما بعد بالربيع العربي وإسقاط الانظمة الدكتاتورية والشمولية والقمعية، وما إلى ذلك من توصيفات، فإننا سنكون أمام نماذج من معارضين شتى تحمّلوا ما تحملوه من أوزار التشريد والسجن والأذى والاعتقال، حتى إذا وصلوا إلى الحكم فيما عرف بالإسلام السياسي، فإن أول المستفيدين وفي زمن قياسي هم حاشيات أولئك المقربين، عائلاتهم وأقرباؤهم وموالوهم ومتملقوهم.

وبدأ شنّ حملات الاتهام للمعارضين بالعلمانية والليبرالية وما إليها على أنها ضروب من الخيانة العظمى والفساد القيمي والانحطاط وانعدام الضمير وانعدام الوطنية وما إلى ذلك، وبذلك صنع المعارضون بروتوكولا خاصا بهم يليق بالأبـاطرة الجـدد لا بالحكام الثوار، فنزعة الانتقام التي اكتوَوْا بنيرانها سينتجونها وسيمنحونها بركات الشرعية.

وسيتولى النافخون في بخور السلطة إيجاد شتى الذرائع لتسويغ كل أفعال الحكم والحاكم مما هو أقرب إلى السماء، وستباركه الملائكة فيما هو شكل رديء من أشكال الحكم لا يرضي أهل الأرض ولا يمكن أن يمتّ بصلة لعدالة السماء التي تنادي بالمسـاواة والعدالة الاجتماعية والانتصار للفقراء والتصرف العادل بالأمـوال والثروات وما إلى ذلك، مما لا يتناسب، إطلاقا، مع حياة الأباطرة الجدد والبروتوكول والحياة المخمليـة التي يتمتعون بها، ناسين، ومتناسين، كيـف كانوا وكيف أصبحوا، وأي مبادئ نادوا بها قبل الوصول إلى السلطة، وكيف تنكروا لها.

كاتب وناقد سينمائي عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر