السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

في الألفية الجديدة.. الآلات تنصهر مع الإنسان

العائلة المالكة العباسية في بغداد قامت بمجهود ممنهج لخلق انصهار معرفي من كل أصقاع الأرض، وكانت النتيجة حصول انفجار في العلوم والفلسفة أثمر بدوره توحيدا للأفكار.

العرب سنديب واسلكر [نُشر في 2013/09/21، العدد: 9327، ص(6)]

هل ينصهر الإنسان مع الآلة التي يبتكرها

لست أدري إن كان هذا الأمر من قبيل الصدفة إذ يبدو أن القرن الأول من كل ألفية يعزز مجهودا كبيرا في اتجاه الانصهار.

في القرن الأول بعد ميلاد المسيح قامت أوروبا والهند والصين بتدعيم فكرة الدولة والترويج لفكرة القانون المدني في زمن لم تكن فيه هذه الأصقاع من الأرض متصلة ببعضها البعض بأية وسيلة. وكان ذلك تتويجا لعملية انصهار العقول دون حصول تفاعل مباشر. وقبل خمسة أو ستة قرون شهدت المناطق الثلاث ميلاد المعرفة الحديثة بشكل متزامن تقريبا. فكان أفلاطون وأرسطو في اليونان، وكان كنفوشيوس في الصين، وكان كل من شنكايا وشاراك وفيشنو شارما في الهند. لقد ظهر كل هؤلاء في نفس العصر تقريبا وازدهروا في أماكن مختلفة.

كانت مناهجهم الفكرية قوية ومتينة حتى أنها وفرت حجر الزاوية الفكرية للملوكيات التي تشكلت في القرون الخمس الموالية. وأخيرا في حوالي القرن الأول أصبحت الدولة وقوانينها مقبولة كأساس للتنظيم العصري للمجتمع في روما التي عوضت اليونان في احتلال المكانة المركزية في أوروبا.

بعد ألف عام قامت العائلة المالكة العباسية في بغداد بمجهود ممنهج لخلق انصهار معرفي من كل أصقاع الأرض إذ انتدب البلاط خبراء مسلمين ومسيحيين ويهود لترجمة الحكمة الهندية الإغريقية القديمة في حين تولى التجار تفسير المناهج الصينية. وكانت النتيجة حصول انفجار في العلوم والفلسفة أثمر بدوره توحيدا للأفكار من أوروبا إلى الشرق الأوسط وصولا إلى آسيا.

والآن بعد مرور ألف عام فإن الانصهار يحدث على جميع المستويات، ففي العلوم تتجمع الخبرة والتمويلات من كل القارات لإنجاز مصادم هيدروجين ضخم ومفاعل نووي حراري تجريبي دولي وأبحاث فيروس السارس.

وفي الموسيقى تنتج مجموعة كورية قطعة بالاعتماد على الأسلوب الغربي فتلاقي نجاحا باهرا سواء في الغرب أو في الشرق. وفي الفلسفة والثقافة يصبح أستاذ في جامعة هارفارد أكثر شهرة من نجم من نجوم الروك في الصين وتنتشر مؤسسات كنفوشيوس و»الأليانس فرانسيز» في كافة أنحاء أفريقيا وأمريكا اللاتينية.

بيد أن الانصهار الحاصل في القرن الواحد والعشرين ليس منحصرا في تعاون الثقافات والحضارات، بل يتعلق أيضا بانصهار فروع المعرفة. إذ تم إدماج علم الجينوم بالحواسيب الكبرى، وتؤثر البيولوجيا على التكنولوجيا النانومترية، كما تم دمج تكنولوجيا المعرفة مع أنظمة توزيع المياه، وتزرع النباتات لتكون دواء.

إضافة إلى كل ذلك فإن الانصهار الحاصل في عصرنا الحالي يدمج أنواعا مختلفة من الكائنات، إذ تربى الأعضاء البشرية في أجسام حيوانات وتخلط جينات من مختلف الأنواع.

ويقوم الجينوم المنتج في مخبر بنقل خصائصه إلى الجسم المستقبل حتى أنه خلال سنوات من الآن قد لا يكون لدينا بشر كامل بأتم معنى الكلمة إذ ستنصهر كائنات بشرية بكائنات أخرى، وبالفعل ستنصهر الحياة مع الآلات.

السؤال المهم الذي يطرح في عصر الانصهار هو هل سيتم تجاوز سرعة الضوء أم الاتفاف عليها، أو هل سيتم تجاوز الحاجز الدماغي للدم، أو هل سينكشف أن ثوابت الطبيعة ليست ثابتة إلى ذلك الحد، أو هل ستكشف بنية المادة السوداء. هذه هي الأسئلة التي تشغل بال العلماء، لكن هناك سؤالا أكبر يثير اهتمام الفلاسفة: هل سيكون من الممكن تعديل الكفة بين القوة والمبادئ داخل المجتمع مثلما تعدل الكفة بشكل خلاق بين الطاقة والجاذبية في الطبيعة؟

إذا ما تم اكتشاف صيغة رياضية للإجابة عن هذا السؤال بدقة القوانين الفيزيائية سيتم انصهار القوانين الطبيعية مع القوانين الإنسانية.

إذا حدث ذلك من الممكن ترجيح الكفة بين متطلبات النمو الاقتصادي مع حاجيات حماية البيئة، وكذلك تقريب عالميْ الأغنياء والفقراء وخلق حضارة إنسانية وطبيعية. تلك هي الغاية القصوى من الانصهار على وجه الأرض.

لكن العقل البشري لن يتوقف عند ذلك الحد بل سيكثف جهوده لاكتشاف حضارات في أماكن أخرى من الكون وقد يحول طاقته لاكتشاف الغاية من الكون نفسه. وإلى أن يتحقق هذا الانصهار سنعيش في زمن غير مستقر. ووسط هذا الزمن غير المستقر سيبحث البعض عن الاستقرار في النمو والبعض الآخر في الحكم وغيرهم في الله وآخرون في الألعاب الجيوسياسية. لكن ليس بمقدور أي متغير من هذه المتغيرات توفير نظرة كافية، ولكي نفهم المستقبل غير المستقر علينا أن نفسر انصهار هذه الدوافع الأربعة للتغيير.

إن عالمنا المعقد يضعنا أمام تحد ثنائي، ففي حين يجب علينا أن نتعلم فهم الزمن غير المستقر وتوقعه والتأثير فيه علينا كذلك في نفس الوقت استكشاف دينامية المعرفة بشكل أعمق لكي نجد مفاتيح حول المدى الذي يمكن أن يصل إليه الانصهار. فهل يتوقف عند انصهار الكائنات والتكنولوجيات وفروع المعرفة أم هل سيصل إلى حد إنشاء تناظر بين عالم الفضاء والزمن والمادة مع العالم داخل العقل البشري؟ هل ستجد ثوابت الطبيعة نظراءها في ثوابت السلوك البشري؟ وهل ستكون في آخر الأمر قادرة على إيجاد توازن بين القوة والمبادئ؟

إن قدرتنا على ربح هذا التحدي ستحدد مسألة إن كانت البشرية ستتمتع بفرص ثورية أم ستفنى بسبب مخاطر الهجوم الكارثية. إن اكتساب هذه القدرة في زمن الانصهار هذا على أي مستوى هو مهمة «مجموعة الاستشراف الاستراتيجي» ، ليس أكثر ولا أقل.

* باحث بمجموعة Strategic Foresight الهندية

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر