الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الهولوكوست السوري: عار العالم

سنغض الطرف عنك إلى أن تخرج سالما أيها القاتل البارع، سنعدّ لك المسرح، فيصفق لك فريق منا، ويغضب منك فريق منا.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2013/09/23، العدد: 9329، ص(9)]

كشفت المسألة السورية عن حقيقة أننا نعيش في عالم مفزع، عالم يلهج بكلمات الإنسان ويسلك سلوك الوحش، عالم لا يكتفي فقط بأن يرى الجريمة المروعة ولا تتحرك إنسانيته لوقفها ومحاسبة المجرم، إنقاذاً للقيم قبل الضحية، وللعدالة قبل الحق، فالمصالح، التي قلبت موازين العدالة، تقتضي أن يصمت الأقوياء عن الجريمة ويختلقون للمجرم الأعذار، تاركين الضحية تتخبط في دمها ويأسها.

«العالم الحرّ» وضع الخطوط الحمراء تلو الخطوط الحمراء، ثم قنن للقتلة أدوات الجريمة المسموح بها. نعم لذبح الحرية بالسكاكين والسواطير، نعم لثقبها بالرصاص، نعم لدكها بقذائف المدفعية، نعم لتدميرها بالصواريخ، نعم لحرقها بالقنابل الحارقة، نعم لإبادتها بصوارخ السكود العابرة للمدن، نعم لترويعها بالبراميل المحشوة بكل صلب فاتك.. نعم نعم نعم لقتل عشرات الآلاف بهذه الآلات.. فهي آلات قتل مشروعة، سنغض الطرف عنك إلى أن تخرج سالما أيها القاتل البارع، سنعدّ لك المسرح، فيصفق لك فريق منا، ويغضب منك فريق منا، لقد أتممت في شعبك عمل الأعداء. اقتل الحرية بكل آلة مشروعة ولا تقتل الحرية بآلات غير مشروعة.

لا جُناح عليك إن أنت أطلقت على شعبك كل ما زودتك به روسيا من آلات الموت. لا جناح عليك إن أنت شردت الملايين من شعبك في كل فج من فجاج الأرض.. أما القتل بالكيماوي فهو خط أحمر.

ليست المشكلة، إذن، في القتل الفردي، أو القتل الجماعي، فالقتل، من حيث المبدأ، مباح في الموازين الدولية، لكن المشكلة في أدوات القتل. هذا ما يقوله الهولوكوست السوري.

ثلاث سنوات وآلات الموت تفتك بالبشر والحجر والأرزاق، ثلاث سنوات والتوابيت تطوف الجغرافية السورية، ثلاث سنوات وطوفان الهاربين من الموت يغمر أرض الجوار، والعالم القوي يبتكر للجريمة أسماء، يستنكر ويستهول ويهدد. وفي النهاية لا يفعل شيئا. ثلاث سنوات والسوريون العطشى إلى الحرية يهتفون لها بحناجر مشطورة، يهللون لها بالأرواح، ويبذلون لأجلها الغالي والنفيس، حتى جرت دماؤهم أنهاراً. ثلاث سنوات والعالم بكل ما يملك من أدوات الرصد يوثق الهولوكست السوري دقيقة دقيقة، ولكن لأي غرض؟

ثلاث سنوات والتحالف الروسي الإيراني يعيد خلط أوراق العالم، مطالباً من على الجسد الجماعي للسوريين، بتغيير قواعد اللعبة الدولية.

وعندما تُشرع إيران وتركيا وعراق المالكي ومعهم نظام الموت حدود سوريا لكل من هب ودب من جماعات الثأر الديني والمذهبي، وقد اجتلبهم دم الضحية، وتضيء لهم الكشافات الدولية الضوء إلى أرض المقتلة، عندما يبتلي الشعب السوري الغريق في دمه بمنقذين يستعدون لإغراقه في دم فكرته الأولى ويجعلونه عصفا مأكولا، حطاما هامدا عند أنقاض حلمه بالحرية، إذّاك ترتفع في الغرب أصوات أعداء الحرية اللابسين لبوسها والمتكلمين بكلماتها، محذرين من الطاعون السوري.

الحرية في أرض العرب جنازة كبيرة.

سوء طالع الشعب السوري الثائر لأجل حريته وكرامته على نظام وظيفي لا وطني، يستمد أسباب قوته من خدماته الخارجية، إنما يكمن في الجغرافية السورية المفتوحة على أمم ومصالح وصراعات، في إقليم يمكنها-الجغرافية- إما أن تفككه أو أن تصمّغه، في ظل منظومة دولية مهترئة، ونظم وشرائع مغلولة بمصالح الأمم القوية، فإما أن يسكن الإقليم ويهدأ على جراحات الماضي وعقده وصراعاته، واعتمالات الحاضر وتوتراته، وإما أن تفجره على نحو لا يحتمله الإقليم، ولا العالم.

مأساة السوريين، إذن، هي في قدرهم الجغرافي، في هذه القطعة الفريدة من بلاد الشام الممزقة، والتي وظفها نظام عائلي مافيوي في شبكة المصالح والصراعات الإقليمية، بين قطبين أنهكا العرب هما إسرائيل وإيران، في ظل صراع دولي بين امبراطورية أفلت شمس قوتها ولم تخمد رغباتها في العودة إلى مسرح القوة (الاتحاد السوفياتي السابق) وقد مسخته البروسترويكا على هيئة (روسيا فيدرالية) وحش هجين مطبوع بأسوأ ما أنتجته سوق حرّة خديج مولّدة من صلب سفاح فريد من نوع بين فكرتين: (الرأسمالية المُستجلبة) و(الدولة البوليسية)، وقد حدث ذلك في سياق دراماتيكي على أنقاض أيديولوجيا شمولية منهارة. زواج كل ما فعله أنه أنجب المافيا الروسية والمرض القومي الروسي. ومن أشهر جرائم هذا المسخ حتى الآن: صور غروزني المسحوقة في بلاد الشيشان المسلمة، والنسخ المطورة عنها في سوريا، من ريف دمشق وحتى إدلب، وأكثرها شبها بأطلال عاصمة الشيشان هي حمص الممسوحة من الخارطة السورية.

أما الإيرانيون، فرسا وأذريين وغيرهم، ولا أستثني منهم إلا عرب إيران وأهل عربستان أصحاب القضية المغدورة، فللإيرانيين مع العرب قصة يعرفها الجميع، منذ أن حطم الأخيرون جيش كسرى ملك فارس، وقضوا على امبراطوريته، حتى ظهور الخميني وثورته المزيفة بوجه إسلامي وضمير فارسي، وحلم إمبراطوري بأزياء جديدة.

ومنذ أن نزل الخميني على سلم الطائرة في صيف طهران عام 1979، ولم ير العالم العربي خيراً، والأدق أن الإقليم كله لم ير سوى الشر. منذ أن صار للعرب في المنطقة بدلاً من عدو واحد، هو إسرائيل، عدوان ثانيهما إيران وقع العرب كلهم في الفخ، وصاروا فريسة بين فكي قرش جائع، وقد تبادل الفكان، كل على طريقته، الأدوار في نهش الفريسة.

ولا نجانب الصواب لو أضفنا أن إيران نفسها، المتطلعة إلى الحرية، لم تر هي أيضا، من نظام ما بعد الشاه، سوى آلام العيش في الظلام.

سوء طالع الشعب السوري، إذن، ليس في المبكر أو المتأخر من ثورة الشعب لأجل الحرية، كما تكهن المتكهنون، ولا في أخطاء الأمثلة الثائرة التي سبقت في ليبيا واليمن، وقد اضطربت أحوالها، وإنما في القدر الجغرافي السوري.

لا يلام الشعب السوري الذبيح بكل آلات الموت، في أربع جهات الجغرافية السورية المحترقة، لا تلام الضحية، إن هي طلبت النجدة، فالغريق في خضم بحر كبحر الدم السوري لا يسأل عن هوية اليد التي تمتد إليه لتنتشله من ذلك العباب، وذلك الحريق. إنما يجدر أن يلام العالم القادر على وقف المذبحة ولا يفعل، يُسأل ويلام العالم القوي المتفرج على التراجيديا السورية من أفضل مقعد في المسرح، فهو عالم يسيطر على حركة الكوكب من أكبر مدينة في الأرض إلى أصغر قرية في أبعد نقطة من العالم، وأكثرها عزلة، وهو من يسيطر على خطوط السفر وحركة البشر، والنشاطات المالية والتجارية والعسكرية والسياحية والثقافية بين القارات وله القدرة على متابعة كل ما دب وكان له خفة النمل، فالعالم ما بعد الإمبريالي، هو حقا عالم لا تخفى عليه شاردة ولا واردة، ناهيك عن أن له اليد الطولى في رسم الأدوار وتحريك خيوط اللعبة بين الأمم، لكنه الآن يتفرج. فجأة، بإزاء المأساة السورية العزلاء تغير كل شيء.

الديمقراطيات الإمبراطورية، وعلى رأسها الديمقراطية الأميركية، لطالما كانت لها في العالم أنياب وأضراس أكولة وآذان صماء لا تسمع ولا تستجيب للاعتراضات التي تتعالى ضد حروبها المنتقاة دفاعا عن «الديمقراطية»، حروب طحنت فيها شعوب وبلدان. لكنها الآن، مع سفاح دمشق المدلل، تتساقط أنيابها، وتعتدل لهجتها، وترجع إلى برلماناتها ودساتيرها تنقب فيها عن عقبة تعفيها من المهمة السورية. ولكن أين السر في هذا الأمر العجب؟ سؤال برسم الجميع.

ثلاث سنوات، وثلاث فيتوات روسية صينية تصوت ضد وقف قتل البشر، تصوت بسادية وتشف لصالح مواصلة القتل، ورسالتها إلى السفاح: واصل القتل، واصل القتل ولا تأبه بالعالم، فأنت فرصتنا في انتزاع حصتنا من جسد الفريسة.

ما يجري في سوريا، اليوم، من فظاعات بلغت، مرارا، درجة الإبادة الجماعية والأهوال ولا يتحرك في ضمير الأمم ساكن، إنما هو العار وقد لحق بالجميع. وهو اختبار للعقل البشري، واختبار للمنطق الإنساني، واختبار للأفكار وللمنظومة الاخلاقية للبشر، قبل أن يكون اختبارا لما آلت إليه العلاقات الدولية. اختبار سقط فيه الجميع. ها قد أظلمت الأرض وتلاشت الرحمة ومات الضمير، ها قد وصل بنا المطاف، أخيرا، إلى كوكب انهارت فيه القيم ومات فيه قلب الإنسان.

لقد دمر آل الأسد سوريا، ولن يحكموها ثانية. لن يكون لهم ولا للقتلة الإيرانيين وتوابعهم من لبنانيين وعراقيين وحوثيين وقوقازيين وباكستانيين وغيرهم من شيعة العالم الذين استجلبتهم مافيات بوتين وخامنئي، بحجة مقاتلة تكفيريي العالم، ولن يكون للمسخ الروسي، بالتأكيد، موطئ قدم في سوريا الجديدة. فالسوريون الذين تخلى العالم عنهم اليوم، وتركهم فريسة لهؤلاء وأولئك، سيبقون في النهاية أبناء الأرض.. وهم إذ يقاتلون الظلم والظلام، لن يسمحوا، أيضا، لمن ركب مركب القادمين لنجدتهم وقد تكاثر عليهم البلاء، أن يبتلوا به مكفرا أو مقررا عنهم كيف يعيدون بناء ما تهدم من وطنهم وكيانهم.

من جاء ليقاتل نصرة للشعب السوري المظلوم انطلاقا من مبادئ سامية، من واجبه، بعد سقوط النظام، أن يغادر سوريا عائدا إلى وطنه، ولن يكون من شأنه أن يقرر عن السوريين، بل ليس من حقه، حتى، أن يبقى على الأرض المروية بالدماء والدموع، إلا ضيفا يقبل ما يقدمه المضيف ولا يجادله في الضيافة، مادام الأصل في مجيئه نجدة السوريين. هكذا يفكر السوريون اليوم.

_______

* كاتب سوري

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

العالم الآن

:: اختيارات المحرر