الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

أديلتا ستيفان تفتح بالأسود والأبيض أشرعة نجاة من العتمة

  • نهاب مرور الوقت، ونخاف من أن تغشانا ملامحه الغامضة فنصبح أقل إدراكا لما نحن عليه من آمال وجراح وتصورات مستقبلية. غير أن الفنانة اللبنانية أدليتا ستيفان وجدت لنفسها سبيلا للإبحار وركوب أمواج المخاطر المتشكلة على الدوام في بحر الزمن.

العرب  [نُشر في 2015/07/23، العدد: 9985، ص(16)]

التكرار عند أديلتا ستيفان أسلوب ومعنى

بيروت - تمكنت أديلتا ستيفان من تأمين، مراحل عديدة من رحلتها التشكيلية عبر صناعة أشرعة ورقية ومتينة لقوارب عبورها واختراقها للأزمات الوجودية التي تعترض كل إنسان مفطور على أن يعيد باستمرار تقييم أفعاله وتصويب أموره.

تقدم الفنانة في صالة “ربيز″ البيروتية لوحات فنية بأحجام تقليدية، ولكنها أعمال تتأرجح في مضمونها ما بين الصوفية والبدائية وفن الكتابة والرسم على جدران السجون المظلمة.

أما الأسلوب الفني الذي تعتمده فيذكر بفن “الزنتانغل” الشهير الذي يتعمد رسم أنماط من الخطوط أو الأشكال المتكررة التي تنطلق، لا بل تتوالد من بعضها البعض على شكل عفوي، لتكون أشبه بترجمة بصرية وتلقائية لما يحدث في لاوعي الفنانة، ولتكون أيضا أشبه بمطهر يخلص النفس من كوابيسها.

توحي معظم أعمال الفنانة المشغولة أغلبها بالأسود والأبيض بأشرعة من كتان أبيض وخشن ومحتفظ برقّة سحرية. يستمد هذا الكتان المنصوب “سحريته” ممّا هو مكتوب أو مرسوم عليه من أحجية وتمائم مشكلة ضد الضياع أو الغرق.

تنطلق الفنانة في أعمالها الفنية تلك من نقطة أو خط واحد، فتروح تكرره وتعيد بناءه بشكل أدق أو أكبر حتى ينفلت من سلطتها، أو تستنفد عبره ذاتها وتنهك فضاء الورق المرصود لهذا الفعل. ورق مشحون بتمتمات بصرية أبرز سيماتها الإصرار على تمكين حضور شبحيّ ما، تهاب الفنانة من أن ينسل من بين أصابعها كالدخان.

من الصعب تصنيف فن أديلتا ستيفان الذي يكتنز تأثيرات فنية عدة تخالطت مع شخصيتها وخصوصيتها كفنانة. غير أن أهم ما في تلك الأعمال هو أنها، مهما أوغلت في التجريد أو في متاهات اللانهائية للحبر الأسود، قادرة على إثارة معنى ما وإيصاله بصيغ مختلفة إلى ذهن المشاهد.

كما أن الفنانة لا تقع في فخ التكرار، فهي تستحضر أشكال منمنمة متعددة تسيطر عليها، تحيط بها إلماما وتطوعها لتُكسبها معنى إضافيا يختلف ما بين عمل وآخر.

من تلك الأشكال نذكر النقاط الموضوعة كمسامير من فضة أو معدن صدئ يُبقي الأشياء ثابتة في خضم الأعاصير الوجودية التي تعتري نفس الفنانة، والتي يجد فيها المشاهد الكثير من الأصداء الشخصية.

لا تكتفي ستيفان بتوظيف الإشارات المتنوعة في لوحاتها، بل تدخل الأحرف لتشيد جملا بالغة القصر ومكثفة تظهر عبرها ما يعتمل في ذاتها من أفكار ومشاعر

هناك أيضا الخطوط الدقيقة المتشابكة كشعر حالك السواد، وعقد الأسلاك الشائكة، والأرقام المتكررة والمتراصة والتي تذكر بجدران السجون، حيث يحفر المسجون ليحصي عدد لحظاته، وأيامه.

لا تكتفي الفنانة باستعمال تلك الإشارات الإيحائية، بل تقولبها وتشكلها من ضمن منظومات بصرية متعددة تساهم هي أيضا في تظهير المعنى. شبابيك مغلقة وأخرى مفتوحة، دوائر أو أشكال إسطوانية تحيل المشاهد إلى تباريك مشاهد الطواف، أو صور “المنترا” المنقوشة بالدم، بالتراب، وبشتى أنواع طحين النباتات الملونة.

تتمادى الفنانة في هذا الاتجاه الصوفي- التأملي حتى تصل أحيانا إلى تصوير مشاهد طبيعية بأسلوبها الخاص. نذكر من أكثر تلك الأعمال تعبيرا عن هذا التجسيد لمشهد طبيعي وروحاني في الآن ذاته، العمل الذي ربما يصوّر قمرا فوق بحر ليلي مفتوح على كل التأويلات.

كما تنهل الفنانة من أشياء العالم العادية ما يكثّف المعاني ويحرّك ملكة التأمل، حينما تصور ما يشبه ساعة رملية تنزلق فيها الدقائق ممثلة بنقاط سوداء توشم الوجود وتعطي للوقت حيثية ما بعيدا عن جريانه السريع.

ولا تكتفي الفنانة بتوظيف الإشارات المتنوعة في لوحاتها، بل تدخل الأحرف لتشيد جملا بالغة القصر ومكثفة تظهر عبرها ما يعتمل في ذاتها من أفكار ومشاعر. نذكر من تلك الجمل القصيرة التي تكررها بالآلاف الفنانة على صفحات لوحاتها “لا مفر من الموت”.

خارج المعنى المباشر لـ”لا مفر من الموت” تدرك الفنانة الأبعاد العدمية لهذه الكلمات التي تطال كل شيء في هذا الوجود، ولكنها في الآن ذاته استطاعت أن تصنع لذاتها “خلطة سحرية” تبعد عنها أصابع القلق القاتلة حتى أجل غير مسمى.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر