الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

السرايا الصفراء

كان مدير مدرسة “السرايا الصفراء” غاضبا على الدوام، وكان يسمي العثمانيين “محتلين”، لكنه بقي يمارس السلطة العصملية تجاه تلاميذه. فلم نخرج ولم يخرج أبدا من ذلك الحمّام.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/02/03، العدد: 10532، ص(24)]

قبل مئة سنة، خرج الأتراك من بلاد الشام والعراق. تركوا خلفهم الكثير من الأشياء. بعضها ثمين للغاية، وبعضها غاية في المفارقة والغرابة والتوريط. ففي الوقت الذي كانت فيه الشايخانات تنتشر مثل النار في الهشيم في المدن الكبيرة والصغيرة في الشرق، كانت خانات كثيرة أخرى من أنواع أخرى تنتشر أيضا. ومن أكثرها شهرة “الخستخانات” وخاصة خستخانات المجانين. بقي منها اليوم مستشفى العباسية المصري الشهير بـ”السرايا الصفراء” التي كانت مملوكة لأحد الأمراء المصريين وكانت تعرف بـ”السرايا الحمراء”، قبل أن تلتهمها النيران، فلم تترك منها سوى مبنى من طابقين دهنوه بالأصفر لإخفاء آثار الحريق. فاتخذت الخستخانة اسمها الحالي إلى هذه اللحظة.

وقبل سنوات طويلة كانت طريق دراجتي الهوائية تمر من جانب سرايا صفراء أخرى. عرف أهل المدينة أنها كانت خانا أيضا، لكن للغانيات والراقصات وليس للمجانين. غير أن الحكم الذي جاء بعد العثمانيين رفض هذا الكلام الفارغ، وقرّر على الفور قلب المبغى إلى “مدرسة” لتعليم الأجيال. وتمّ تحويل إحدى الغرف الكبيرة فيها إلى مكتب للمدير ملأوه بالأثاث الفاخر. لكن الناس لم ينسوا أن هذا المكتب لم يكن سوى حمام للغانيات، فبقوا يحدّثون المدير بنفس طريقتهم السابقة، ويلوّحون له بألواح الصابون من الشبابيك.

لكن العثمانيين كانوا قد نظموا أمر هذه المستشفيات (الخاصة بالمجانين) ولم يتركوها فوضوية، كما نظموا سيطرتهم على المجتمعات العربية، فجعلوا للمجانين قوانين. يقول قانون مستشفيات المجانين العثماني في المادة (1): ممنوع على أيّ كان، ومن أيّ جنسية كان أن يؤسس ملجأ للمجانين دون أخذ رخصة رسمية بذلك. وهكذا احتكر السلطان القرار بأن فلانا مجنون أو لا. قبل أن يضيف الفرمان في الفقرة “ط” من المادة (4) التي تتخذ شكلا أكثر بروتوكولية: إذا كان المجنون من الرعايا الأجانب يجب حين دخوله إبراز “البسابورط” أو الوثائق المعتبرة الموجودة لديه.

ثم يبدأ القلق من القوى الدولية بالعمل، وتبدأ يد من كتب القانون بالارتعاش. كما في الفقرة “ك” من المادة (4) أيضا: في ظرف ثلاثة أيام من إدخال المجنون يجب على مدير الملجأ أن ينظم تقريرا بحالته والظروف التي أوجبت دخول المجنون. وما إذا كان الحجر في الأستانة وإذا كان المجنون “مسلما”. وإذا لم يكن الشخص المريض مسلما يجب أن تبلغ هذه الأوراق إلى “الرئيس الروحي” الذي يكون المجنون تابعا له.

وإذا كان المجنون من تابعية أجنبية فتقرير مدير الملجأ والشهادة الطبية المرفوقة به يجب إبلاغها أيضا إلى “القنصل” الذي يكون هذا الشخص تابعا له. والتوقيع في نهاية الفرمان “الإرادة السنية 29 صفر سنة 1293”. كان مدير مدرسة “السرايا الصفراء” غاضبا على الدوام، وكان يسمي العثمانيين “محتلين”، لكنه بقي يمارس السلطة العصملية تجاه تلاميذه. فلم نخرج ولم يخرج أبدا من ذلك الحمّام. وما زلنا نعيش في سرايا صفراء على مدّ النظر.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر