الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

هل يتحقق مشروع عربي لإنقاذ عرب العراق

عودة العراق إلى حاضنته العربية ليست تلبية لمشاريع سياسية من السعودية ودول الخليج مثلما يروج في همس الدوائر المغلقة. مشروع العودة هو مطلب شعبي عراقي لمداواة الجروح العميقة، وردم الحفر التي ارتسمت على نسيج عرب العراق.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2017/03/07، العدد: 10564، ص(8)]

لا تحسب زيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لبغداد بمقاييس الدبلوماسية التقليدية كونها تأتي بعد ربع قرن من القطيعة مع بغداد، أو لاعتبارات التراضي الذي اعتاد عليه العرب “بتبويس” اللحى والمصافحات، بل هي اختراق كبير لم تعتد عليه الدبلوماسية السعودية، ذلك لما تشكله التغيرات التي ستحدث في المنطقة من أهمية استثنائية رغم ما يتم تناقله من تسريبات قد تكون مدفوعة من جهات محلية عراقية وإقليمية لا تريد للنتائج المتوقعة أن تحصل، مثل الحديث عن سرّية الزيارة لكي تفاجأ إيران وكأنها لا تعلم كل شاردة وواردة داخل أروقة حكومة حيدر العبادي، مع اعتقادي بأن قرار العبادي استقبال وزير الخارجية السعودي هو قرار حكومي صرف لم يخضع للمشاورات المحلية أو الإيرانية، لأن العبادي يعلم جسامة التحديات التي تواجهها حكومته في الأيام المقبلة. وإذا افترضنا أن قرار الاستقبال قد تم بتنسيق إيراني، فلعل طهران تبحث عن فجوة تسمح لها بتخفيف الضغوط الأميركية، وهناك أحاديث تشير إلى أن الخطوة السعودية تمت بنصائح أميركية بعد أن تبلورت معالم خطتها في الشرق الأوسط والتي بدأت بالمناكفات الإعلامية بين العاصمتين الأميركية والإيرانية.

الوضع العراقي المتأزم، أمنيا وسياسيا واقتصاديا، لا يحله الانتصار على داعش رغم قيمة هذا الانتصار بالنسبة إلى العراقيين ليتخلصوا من أداة إرهابية لم تكن أيادي المخابرات الإقليمية والعالمية بعيدة عنها. ولكن المرحلة الأخطر هي ما سيكون عليه الوضع العراقي بعد داعش، وما هي المشاريع المطروحة على مستوى الشرق الأوسط وكل من العراق وسوريا؟

يبدو أن التحولات ومشاريع الحلول ستنطلق من العراق وسوريا التي يشاء التاريخ أن يضعها معه في خارطة جديدة بدأت ملامحها تتضح بعد أسابيع قليلة من تولي دونالد ترامب رئاسة أميركا في أعقاب إدارة باراك أوباما الذي عزز سياسة القبول والاستسلام لأهم ناتج من نتائج الاحتلال العسكري للعراق وهو هيمنة إيران على العراق سياسيا ولوجستيا، وهو أمر لم يعد شتيمة لإيران التي تتفاخر به عبر تصريحات مسؤوليها، بل إن هذا الواقع الجديد، هو الذي أدى إلى هذا التداعي في الأمن القومي العربي، وهو السلاح الذي تمتلكه طهران أكثر مما يتم الحديث به حول مشروعها النووي.

كانت استراتيجية إيران هي عزل العراق عن عمقه العربي عبر تعميم الشعارات الطائفية وتطبيقها واستهداف شيعة عرب العراق الذين يمتلكون خصائص العروبة تاريخيا، وكان رضوخهم وإكراههم على التخلي عن الانتماء العربي قد شكلا أحد المنعطفات المؤلمة في انتمائهم العربي العريق. لقد ساهم الكثير ممّن ظهروا على الساحة السياسية العراقية بعد عام 2003 في هذا الوضع الانعزالي الاستثنائي، وليست أحزاب الإسلام السياسي الشيعي وحدها من يتحمل هذا الإثم، وإنما قطاعات واسعة من الإسلاميين السنة، وبعض الشخصيات من أبناء الطائفة العربية السنية قد تاجروا لسنوات طويلة باسم اضطهاد طائفتهم، فكانوا يدقون أبواب الرياض وأبوظبي والدوحة لأغراضهم الشخصية البعيدة عن مصالح طائفتهم، وقدموا للمسؤولين في تلك العواصم صورة مشوهة عن عرب العراق سنة وشيعة، مما ساهم في عزلة الشيعة العراقيين ولجوئهم إلى وكلاء إيران في العراق.

تقاسم السياسيون الشيعة والسنة ما حصل من كوارث سياسية أخطرها تكريس عزلة العراق. ولعل أبرز ما أحدثته زيارة المسؤول السعودي هو كشف ضآلة لعبة الصغار في العراق، ذلك أن الوقت حان لاستحضار شغل الكبار الذين حين تبدأ ماكناتهم بالدوران في البحار العميقة تتعطل أدوات الصغار في السواقي والمستنقعات.

ردود الفعل السريعة لزيارة الوزير السعودي كانت إعلامية، رغم الهجوم المنفعل من وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ضد سياسة كل من السعودية وتركيا. لكن طهران تراقب الوضع بحساسية عالية، ذلك أنها لا تريد فقدان ما وصلت إليه من مكاسب تاريخية في العراق. فقد استطاعت خلق موالين كثر لها داخل البلد لمشروعها الذي لم يقتصر على شخصيات وقادة الأحزاب الإسلامية الشيعية، وإنما أصبحت هناك شبكة منظمات شعبوية واسعة مسلحة بإمكانيات عسكرية مغطاة مرحليا بالحرب على داعش، وقدرات تعبوية وإعلامية لا يستهان بها. وهناك استحضارات سياسية لتثبيت مواقعها عبر الانتخابات المقبلة، كما لم يقتصر الجهد الإيراني على جغرافية الشيعة، بل انتقل إلى المحافظات السنية مثل صلاح الدين وديالى والأنبار.

ولهذا فإن أي تحريك في العصب العراقي الحساس عبر العمل على عودته إلى عمقه العربي سيدق ناقوس الخطر في طهران. لأن ذلك سيهدد المشروع التوسعي الإيراني في لحظات زهو طهران بامتلاكها للعراق.

أهمية هذه العودة، إن تحققت، فإنها ستشكل الخطوط الأولى لتراجع المشروع الطائفي في العراق، وستعطي بارقة أمل للعراقيين، شيعة وسنة، بأنه بالإمكان حلحلة أزماتهم السياسية، خصوصا بعد شيوع الإحباط وتكريسه في النفوس بأن الحل العراقي سيكون عبر توافق أميركي روسي إيراني تركي فقط لخارطة المنطقة والعراق جزء منها. وهو سيقود في أحسن الأحوال إلى احتمالات التقسيم الطائفي رغم ما نسمعه من تطمينات عن وحدة العراق وغيرها.

إذن الحديث المتداول، إن صدقت نيات الكبار، سيكون حول عرب العراق. وهذه الهوية القومية هي التي ستمسك الجزء المتبقي من العراق موحدا متماسكا حول نظامه ودولته، والهوية الطائفية التي تشتغل عليها إيران ستقود حتميا إلى انفصال الجزء العربي من العراق إلى كيانين، سني وشيعي، فما هي القوة التي تجبر عرب العراق السنة على أن يظلوا تحت حكم جائر أهان كراماتهم ووضعهم في المراتب الدنيا من مراتب الحقوق الإنسانية، وعمل داعش المجرم خلال سنتين ونصف السنة ما لم يعمله أعتى عتاة الإرهاب في العالم عبر التاريخ.

عودة العراق إلى حاضنته العربية ليست تلبية لمشاريع سياسية من السعودية ودول الخليج مثلما يروج في همس الدوائر المغلقة. مشروع العودة مطلب شعبي عراقي لمداواة الجروح العميقة، وردم الحفر التي ارتسمت على نسيج عرب العراق. هذا المشروع لا يتحقق عبر منتديات بعض المفكرين الوطنيين العراقيين الذين لا يمتلكون سوى الكلام الجميل في المنابر الإعلامية المستقلة، وهو نشاط مهمّ للرأي العام، بل إن العودة العربية للعراق تتم عبر مشروع واقعي تقف خلفه إمكانيات كبيرة لدول مقتدرة، لدرء وتعطيل تحول هذا البد إلى مستجد للمال، والحال أنه كنز للثروة التي نهبها السرّاق.

ولا ينتظر العراقيون ما يسمّى بالدول المانحة، وهو عنوان فضفاض للترويج أكثر منه مشروع لمداواة الكارثة الكبيرة في كل من العراق وسوريا. فالعراقيون لا ينتظرون من أميركا أن تقدم لهم المال في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب المطالب بما صرفته بلاده على الاحتلال، وكأن شعب العراق هو الذي طلب منهم القيام بهذا الجرم التاريخي الذي سيبقى وصمة عار على كل السياسيين العراقيين الذين رحبوا به وساندوه. وإذا كانت إيران صاحبة “الولاية” على أبناء العراق، فماذا قدمت لهم من دعم مادي حقيقي يتجاوز حدود حوارييهم ومواليهم، غير دعوات التفتيت والاحتراب الأهلي.

المشروع العربي الحقيقي الخالي من الدوافع النفعية هو الذي يخدم عرب العراق، هو مشروع إنقاذ جدي يخترق السياسيين الجهلة، ويعيد البلد إلى سكته الصحيحة، ويخلصه من أزماته.

وهنا يأتي الموقف السعودي عبر الدخول بمشروع إعادة الإعمار، وإذا ما انتبه المسؤولون الخيّرون إلى الحالة الراهنة، فعليهم أن يستثمروا الدعوة السعودية من دون عقد لتلمس طريق الخلاص.

لا يتوقع أن يكون طريق هذا المشروع سهلا، بل ستدق الأجراس وترتفع أصوات المشككين والخاضعين لهذا التراكم السلبي الهائل الذي حدث في العراق عبر أربعة عشر عاما من برامج الكراهية والحقد، لمنع أي مبادرة حقيقية وجادة لصالح شعب العراق. المال العربي مهم حين يقدم بلا مقابل ولا أجندات وهذا ما يتراءى للعيان. وقد سبق للسعودية أن أعلنت بتاريخ 1 يوليو 2014 عن تقديم مبلغ نصف مليار دولار تبرّعا لشعب العراق يتم صرفها بواسطة الأمم المتحدة، وهناك تعهد معلن لرصد المليارات لصالح إعمار ما خربه داعش. المطلوب تجاوز مرحلة التشكيكات المدفوعة لأغراض سياسية تضر بشعب العراق، وأن تبذل الجهود في هذا المجال.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر