الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

هُزم الظلاميون في تونس

نجاة تونس من فوضى عربية مؤكدة يعود بالأساس إلى وجود ثقافة راسخة ومتجذرة مفادها أنه لا مكان للأجنبي بيننا.

العرب أحمد فايز القدوة [نُشر في 2017/03/21، العدد: 10578، ص(4)]

لماذا نجحت تونس وفشل الآخرون؟ الإجابة ستكون قاسية جدا مقارنة بدول وبلدان عربية عانت وما تزال من ويلات الفوضى ومآسي السلطة التي نبشت بكل أدوات إفشال مشاريع البناء طوال العقود الماضية.

بلد مثل تونس استطاع أن ينجو لأن لديه تاريخا وتراثا من المفاهيم المختلطة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. البلد الذي يندمج سريعا في منظومة التكامل مع محيطه ويتأقلم بصورة متناسقة مع المتغيّرات سينجو حتما من أيّ تعقيدات ستطرأ في طريقه.

طريقة التفكير مختلفة كليا عن ذاك السائد في دولنا الشرق أوسطية. العقلية تنسجم أكثر مع ثقافة متنورة وواضحة وتحب الحياة وتبحث عن استقرار سياسي واجتماعي بالدرجة الأولى.

نجاة تونس من فوضى عربية مؤكدة يعود بالأساس إلى وجود ثقافة راسخة ومتجذرة في البلد مفادها أنه لا مكان للأجنبي بيننا. بمعنى لا مكان للجواسيس والعملاء الذين يأتون على دبابة أجنبية من أجل انتزاع الحكم في بلدنا. هكذا هو رأي الناس البسطاء وهم يسيرون على هذا النهج منذ زمن.

لم تنجح كل محاولات فرض الأمر الواقع على البلد الذي احتفى الاثنين 20 مارس بمرور 61 عاما على استقلاله من المستعمر الفرنسي.

البلد يريد أن ينعم جيرانه بالأمن والاستقرار، لأنه سيكون المتضرر الأول من أيّ فوضى. تحرك سريعا إلى نجدة الليبيين في محنتهم بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، ويتحرك الآن من أجل ذاك الهدف لإعادة اللحمة بين فرقاء الأزمة المعقدة في ليبيا.

لم تكن تونس قادرة على تحدي الصعاب لحظة سقوط نظام زين العابدين بن علي لولا حكمة البسطاء فيها. هؤلاء الذين خرجوا إلى الشوارع بالعصي والحجارة يتصدون لـ”شبح” يريد نشر الفوضى في بلدهم.

في 14 يناير 2011 كان الناس متحدين جدا وهم عبارة عن شخص واحد، في جميع الطرقات. الجار يدافع عن جاره ويحمل سكين مطبخ وعصا مكنسة ويقف في نصف الشارع لمواجهة مطلقي النيران العشوائية. مشهد يختزل كل القضية، البلد مازال قويا بأولاده وشيوخه ونسائه.

لم يكن الإرهابيون الذين خرجوا من أوكارهم بعد سنوات من انتفاضة التونسيين في وجه النظام السابق قادرين على إيجاد بيئة حاضنة لهم في بلد مثل تونس. الأمر بكل بساطة يعود إلى وجود امرأة مثقفة ورجل مثقف وطفل متعلم. يستطيع هؤلاء أن يميّزوا بين الطيّب والخبيث وبين الديني وغير الديني.

لا ينتظر التونسيون شيخا يدّعي الطهارة والعفة بأن يأتيهم فاتحا ومنظّرا للإسلام. هم يأخذون الإسلام كدين سلام ومحبة وليس دينا للعنف وسفك الدماء. الناس متعلمون ومثقفون وقادرون على مناظرة كل شيوخ الإرهاب وهزمهم.

ما حصل في بلدة بنقردان قبل عام هو ملحمة بطولية بين الحق والباطل. هُزم الإرهاب ولم تهزم تونس، جسّد جنودها أروع الملاحم في التصدي لكل أنواع التخلف والهمجية والعنجهية.

وما حصل هو إصرار تونسيّ على رفض ولفظ كل قمامة تدعي الدين والإيمان. وستفشل في تونس كل الأحزاب التي تزعم حرصها على الدين وتستخدمه لأغراض وأهداف سياسية.

ما فعلته تونس عبر انتخابات تشريعية ورئاسية يجسّد بكل روح وطنية حرص الصغير قبل الكبير على أمن بلدهم. الانتخابات كانت الهدف الأساسي والأبرز لكل السياسيين للتعبير عن رؤاهم ووجهات نظرهم من قضاياهم المعيشية. الناس مازالوا يطمحون إلى تطوير بلدهم نحو الأفضل. النقاش في السياسة بات بكل أريحية وحرية أكثر. البلد تغير كثيرا.

ما يريده الناس الآن التنمية وتطوير اقتصادهم ومحو آثار الإرهاب الذي سعى إلى إيجاد موطئ قدم في بلدهم. لن ينجح الإرهابيون في مخططاتهم مادام هناك وعي مجتمعي بمدى خطورة الأفكار الظلامية والهدامة على بناء دولة مدنية وديمقراطية تضم الجميع.

سيفرح التونسيون بديمقراطيتهم وسينهزم الظلاميون بجهلهم وخبثهم وهمجيتهم.

صحافي فلسطيني

أحمد فايز القدوة

:: مقالات أخرى لـ أحمد فايز القدوة

أحمد فايز القدوة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر