السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

الفضاءات الثقافية والفرنكوفونية المزيفة

نجحت أغلب الفضاءات الثقافية الخاصة في خلق ثقافة بديلة، ثقافة فيها الكثير من الاستهلاكية من جانب، والسطحية من جانب آخر، فتجاوزت تكلس 'الثقافيين القدامى' إلى تسطيح 'الثقافيين الجدد'.

العرب محمد ناصر المولهي [نُشر في 2017/04/07، العدد: 10595، ص(14)]

لم تعد الثقافة حكرا على الدولة ومؤسساتها في تونس، فباتت مؤسسات ثقافية خاصة مختلفة التوجهات تقدم موادّ ثقافية وفنية لروادها، تتماشى مع روح العصر التي لا تقبل القولبة والتنميط، الطامحة إلى التحرر والتجدد الدائمين. انتشرت أخيرا مقاه ومراكز ثقافية خاصة كثيرة في العاصمة التونسية وأحوازها وحتى في مناطق مختلفة من البلاد ولو بكثافة أقل.

دخول القطاع الخاص إلى المجال الثقافي أمر يخلق حيوية في المنتج الثقافي، الذي يمكنه أن يوضع في دائرة التنافس، ويمكن للتنافسية أن تطور فيه، وتقرّبه من جمهوره، فقدمت العديد من المقاهي والجمعيات والفضاءات الثقافية الخاصة منتجات مختلفة بين شعر وسلام وموسيقى وتشكيل ومسرح واستعراض وإلقاء، وغيرها من أجناس الإبداع، بطرق عرض مختلفة ومجددة.

لا ننكر أن الفضاءات الخاصة تجاوزت طروحات المؤسسات الرسمية في تقديم منتج ثقافي متحرر من كل قيد وهامشي بعيد عين الأعين الرسمية ضعيفة النظر، منتج ثقافي استقطب خاصة الشباب من المبدعين أو المتابعين أو الجماهير. وكلنا نعلم أهمية إبداعات الشباب المشحونة بروح عصرها والمنطلقة إلى التحرر بكل قوة، قوة يافعة تحاول تمزيق الراكد والقديم المختنق بربطة عنق قديمة. كل هذا في ظل عجز المؤسسات الرسمية بشيوخها عن مجارات الواقع المسرع بأحداثه وتطوراته.

لكن هل تؤسس هذه الفضاءات الربحية بالأساس لثقافة حقيقية؟

إن تحويل الفعل الثقافي إلى فعل ربحي ليس بالخطيئة، بل بالعكس هو ظاهرة صحية؛ أن تكون الثقافة مادة ربحية، لكن في المقابل الخطأ كامن في حصر الثقافة في الربحي والتغافل عن أهم سماتها ووظائفها، التي تتجاوز الزمن، وتؤثر عميقا في بناء الهويات والنسيج الاجتماعي وحتى المشهد العام، فالثقافة أكثر القطاعات حيوية وتأثيرا.

نعود إلى ما تقدمه غالبية الفضاءات الثقافية الخاصة في تونس، فهو في أغلبه كما أسلفنا محصور في المنحى الربحي، منحى ما تطلبه الجماهير، ولو أنه يدعي عكس ذلك في ما يطرحه، على أنه متجاوز ومجدد ورؤيوي ولا يتأثر بالجمهور بقدر تأثيره في هذا الجمهور. لكن لا نرى ذلك حقيقة، إذ تغلب على الأنشطة المقدمة سطحية كبيرة، لا تقود إلى اكتشافات جديدة، كما لا تقود إلى التأسيس لمسار ثقافي متحرر ومتماسك.

لا يتجاوز المنتج الثقافي الذي تقدمه أكثرية هذه الفضاءات الخاصة لحظته الراهنة، في منطق الحفلة، ومن جهة أخرى تتميز جلّ أنشطتها بالارتجال والفوضوية، التي لا تمتلك رؤى محددة وعميقة ومتجددة للجانب التأسيسي للمنتج الثقافي.

نجحت أغلب الفضاءات الثقافية الخاصة في خلق ثقافة بديلة، ثقافة فيها الكثير من الاستهلاكية من جانب، والسطحية من جانب آخر، فتجاوزت تكلس “الثقافيين القدامى” إلى تسطيح “الثقافيين الجدد”. فمثلا رغم تجاوز الفرنكوفونية وانفتاح العالم على لغات وثقافات أخرى، مازالت الفرنكوفونية في تونس تمثل “شهادة ثقافية”، وما ينتشر منها هذه الأيام فرنكوفونية مزيفة لا تمتلك عمقا ثقافيا، فيكفي أن تتحدث جملتين فرنسيتين، تمسك كتابا فرنسيا مجهولا، وهكذا تصبح صاحب شهادة ثقافية تضعك في مصاف المثقفين، مثقفين مبدعين وجماهير يتفقون على كره الفكر ويكتفون من الفلسفة بحفظ اسم ميشال فوكو وجنسانيته، يكتفون بديكور كتاب تحت الإبط ونظرة تتقمص الشرود.

هذا المشهد المزيف الذي ساهمت فيه المؤسسات الثقافية الرسمية بشيوخها وميكانزماتها القديمة والتالفة، تعززه الفضاءات الثقافية الخاصة، ببهرجها التجاري، حيث مازالت تقدم لروادها منتجا مستهلكا، لم يخرج من دائرة الفرنكوفونية المزيفة، ومؤخرا باتت تقدم أنغلوفونيات مزيفة أيضا. هذا دون أن ننكر محاولة البعض من الفضاءات التجاوز والإتيان بموسيقى جديدة أصيلة وأدب ومسرح مختلفين. ومحاولة التأسيس لمسارات ثقافية تحقق التوازن بين لاربحية الثقافة وربحيتها، وتمتلك زادا فكريا منفتحا في زمن الجماهير الكسولة كارهة الفكر والتفكير.

شاعر من تونس

محمد ناصر المولهي

:: مقالات أخرى لـ محمد ناصر المولهي

محمد ناصر المولهي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر