الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

العابثون بالعقل والمفسدون للنقل…

رفقاً بدين الإسلام وبعامة المسلمين يا من تتلاعبون بالعقول طلبا لشهرة أو صيت أو جاه، وكفاكم تلاعبا بالعقول وإفسادا لها، فوق ما هي مُفسدة بحكايات وروايات وخطابات ما أنزل الله بها من سلطان.

العرب تركي الحمد [نُشر في 2014/10/19، العدد: 9712، ص(6)]

لا نقول جديدا ولا نكشف تليدا حين نقول إن دين الإسلام في صورته النقية، وكما بُعث به نبي الهدى محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم، قائم على أعظم ما أودعه الله في الإنسان، أي العقل، وفرّق به بين الإنسان والبهيمة، وجعله مناط التكليف وبالتالي الثواب والعقاب، ولذلك رُفع التكليف عمن لا عقل له من الكائنات، أو من كان له عقل وغاب لهذا السبب أو ذاك، من جنون أو نوم أو عدم نضج، وذلك وفق قاعدة: ” إذا سلب ما أوهب، أسقط ما أوجب“، وفي ذلك يقول القرطبي في تفسيره: ”فأوجب الله التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبّرة بأحكامه، والعاقل أقرب إلى ربه من جميع المجتهدين بغير عقل “.

فالقرآن الكريم، كلمة الرب إلى العالمين، والحاوي الأول لجوهر الإسلام وتعاليمه، مليء بكل ما هو تمجيد للعقل واللب والحكمة القائمة عليهما، ولذلك تكثر فيه الآيات التي تحض على التفكير وإعمال العقل، حيث وصل مجموعها إلى ثمان وأربعين آية، وربط كل ذلك بالإيمان الحقيقي، فنجد مثلاً قوله: ”إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ”، (البقرة، 164)، ” إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألباب” (آل عمران، 190)، ” وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ”، (النحل، 12، 13)، وغير ذلك من آيات كثيرة تمجد العقل وتدعوا للأخذ به والعمل بمقتضاه. بل إن الفاطر قرن العقل بالإيمان، فلا إيمان حقيقيا دون أن يكون العقل هادياً ومفتاحاً له، ولا عقل نقيا وفعالا دون أن يكون الإيمان بحدود العقل جزءا منه، وفي ذلك يقول الحق: ” أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ “، (الأنبياء، 30)، والكفر ليس بالضرورة صفة للمخالف مهما كانت صفته أو حجته، فأحد معاني ” الكفر ” هو العناد وإنكار الحق والحقيقة عنادا واستكبارا، رغم وضوح الحجة والبيّنة، وهنا يكون دور العقل في الإيمان، حين ينتفي العناد، والسير في درب أخذ العزة بالإثم.

وفي سيرة المصطفى عليه السلام، وسنته من قول وعمل وتقرير، منذ أن بدأ دعوته في مكة، وحتى هجرته إلى المدينة وما بعدها، نجد أن محاججاته ومحاوراته لمن خالفه وأنكر دعوته قائمة على العقل والمنطق العقلي أولاً، ومن ثم يأتي دور الماورائيات التي تقوم على الإيمان المطلق، إذ لا إيمان صاف دون خزعبلات بلا عقل أولاً، ثم يأتي التسليم الكامل، وذلك كما يُلخص القضية أبو بكر الصديق حين لاموه، وهو الرجل ذو العقل الحصيف، على تصديق قصة الإسراء والمعراج التي تتجاوز الخيال، حين قالوا له: ” إن صاحبك يزعم أنه أُسري به إلى المسجد الأقصى ونحن نسافر إليه في شهر كامل فكان رده: ” إني لأصدقه في خبر السماء بكرة وعشية، أفلا أصدقه في بيت المقدس؟!”، منطق فيه من العقل الشيء الكثير، وإن كانت المسألة تدور عما يتجاوز العقل ولا يقبله ضمن حدوده، فإذا كان يُصدّق أن محمداً نبي يوحى إليه من رب الكون وخالقه، أفلا يُصدق أن هذا الرب قادر على أن يسري به إلى بيت المقدس، ويعرج به إلى السماء؟! فهذه مسألة جزئية في مقابل المسألة الكلية، ولكن هذه قضية يطول فيها الحديث.

لقد كان الرسول يحاور بالعقل أولاً، داعياً إلى “التأمل” و”التفكر” و”التدبر” و”التعقل”، ومحاولة الوصول إلى الصورة الكلية للوجود المحسوس، أي رؤية الغابة وعدم الاقتصار على رؤية الأشجار متباعدة، من أجل الولوج بعد ذلك إلى ما هو غير محسوس، كنتيجة “منطقية ” تعتمد على تلك الصورة الكلية.

رفقا بنا وبالإسلام

لا أريد أن أطيل حقيقة في هذه النقطة، التي أردتها مقدمة فإذا بها تطول، فحجم مقال كهذا لا يحتمل التطويل أو التقعر الفلسفي في هذا الشأن، ما جعل هذه الأفكار تطوف في الذهن حقيقة، هو اطلاعي على قصة يرويها “باحث إسلامي”، ممن أفرزهم تخلف المسلمين في هذا الزمان، وكنت أظن أن الزمن قد تجاوزهم، فإذا بهم كامنون كمون الفيروسات في الصقيع، عن أول ” معركة بين الإنس والجن“، وكشفه في النهاية عن سر مثلث برمودا الذي أعيى الباحثين. وما دفعني إلى الاهتمام بهذا “الباحث” ليس جديد ما يقول، فالكتب الصفراء مليئة بمثل هذه الشعوذات، ولكن هذا الانتشار العجيب لقصته على وسائل الاتصال وغيرها، وخاصة بين أجيال جديدة يُفترض فيها أن تكون أكثر وعياً وتشرباً للثقافة العلمية المعاصرة، وكأنه اكتشف سر الكون والوجود ومادته الأولى. يقول هذا “الباحث” ضمن ما يقول في كتابه “الحقيقة الغائبة: أسرار برمودا والتنين من الكتاب والسنة “، وشتان ما بينه وبين كتاب “الحقيقة الغائبة”، للراحل فرج فوده، أن الله خلق أبا الجن واسمه “سوميا”، قبل آدم بألفي عام، وأن الله طلب منه أن يتمنى، فتمنى أن يكون مخفياً وتحت الأرض هو وذريته. تكاثر الجن بعد ذلك وعاثوا في الأرض فساداً، فأرسل الله لهم جيشاً من الملائكة فهزموهم، وأسروا إبليس، الذي هو من بني سوميا، طفلاً، حيث ترعرع بين الملائكة في الملكوت الأعلى على الطاعة وصارت له منزلة كبيرة في السماء، حتى خُلق آدم، فعصى ومن ثم أغوى آدم فأخرجه من الجنة بمساعدة الحية.

ويحدد “مؤرخنا” المدقق أماكن النزول إلى الأرض، حيث يقول أن آدم وحواء أُنزلا في الهند، وإبليس في “دستميسان” قرب البصرة، أما الحية فقد أُنزلت في أصفهان. ويستمر “الباحث” في سرد هذه “الوقائع التاريخية” فيقول إن الحرب بدأت بين ذرية إبليس وذرية آدم، ولكن جيش الإنس تغلب على جيش الجن في النهاية، على يد قائد عظيم اسمه “مهلاييل”، ويحدد “علاّمتنا” سلسلة نسبه فيقول إنه مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم، وتفرق جيش إبليس المهزوم في الأرض، حتى اهتدوا إلى منطقتي “مثلث برمودا” و”مثلث التنين”، وهناك أسس إبليس مملكته، وأقام عرشه فوق الماء وأحاطه بالحيات، نسل صديقته الحية القديمة بالطبع، وعندما بدأ تطور الإنسان، وبدأت الطائرات والسفن في الاقتراب من مثلث برمودا، كان إبليس وجيشه لها بالمرصاد، فيغرقونها أو يخفونها. ولمملكة إبليس حكومة يرأسها إبليس نفسه، ويحتل الوزارات السيادية فيها أبناؤه وهم: ثبر والأعور وسوط وداسم وزلنبور.

وكي يبين “عالمنا” الجليل دقته “وأمانته” العلمية، فإنه يذكر بعض مصادره “العلمية” في هذا الشأن، مثل “البداية والنهاية” لابن كثير، وتفسير ابن مسعود، ولا أدري لماذا لم يورد كتاب “بدائع الزهور في وقائع الدهور”، لابن إياس ضمن مراجعه “العلمية” الموثوقة، فهذا الكتاب فيه من الحكايات الطريفة الشيء الكثير. حقيقة لا أدري حين أورد هذا “المحقق” مثل هذه القصة، وغيرها كثير على نفس النمط، هل كان جاداً في طرحه “التاريخي”، أم أن المسألة مقصود بها أمر آخر لا علاقة له بالقصة، بل هي إسقاط وترميز؟ لا ندري، فالله وحده أعلم بالنيّات، ولكن إذا أخذنا هذه القصة ومثيلاتها على وجه الظاهر، فلا نقول إلا: رفقاً بنا أيها “العالم” النّحرير، بل رفقاً بدين الإسلام وبعامة المسلمين يا من تتلاعبون بالعقول طلباً لشهرة أو صيت أو جاه أو ثمن بخس دراهم معدودة، أو حتى مجرد الإثارة، وكفاكم تلاعباً بالعقول وإفساداً لها، فوق ما هي مُفسدة بحكايات وروايات وخطابات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا أصل لها في كتاب الحق جلت قدرته، ولا في السنة الثابتة للمختار عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

العقل في مواجهة شراك باعة الوهم

فهل كان مغيب العقل هذا حاضراً حين خُلق “سوميا”، على افتراض أنه خُلق أصلاً، أو كان مستمعاً لحديثه مع البارئ، وكيف حدد الزمن بين خلقه وخلق آدم بألفي سنة، إذ لم يوضح لنا هذا الجهبذ هل أن تلك السنين مقاسة بسنتنا المعروفة والمحددة بمدة دوران الأرض حول الشمس، أم هي السنة الضوئية، أم أن هنالك مقياسا آخر أخفاه عنا؟ ومن أين جاء بخبر إبليس في “طفولته”، وأسر الملائكة له وهو صبي، وترعرعه بينهم، ثم حديث أولاده وأسمائهم، ومناصبهم الوزارية في مملكته الأرضية بعد الطرد من السماء؟ ومن أين له العلم بأماكن نزول آدم وزوجه على الأرض، وإبليس والأفعى، إلا إن كان لديه من المصادر الخفية، والعلم اللدنّي ما لا نعلم، ولا يعلمه المؤرخون وفلاسفة التاريخ على هذه الأرض، فهذا أمر آخر.

مثل هذه القصص والحكايات تجد بعضاً منها في الروايات الإسرائيلية وأقاصيص التوراة وأسفار العهد القديم من الكتاب المقدس، ولكنك لن تجد لها أثراً في كتاب الله الكريم. فالقرآن العظيم يحدثنا عن الجن والملائكة والرسل، وخلق آدم وإسكانه هو وزوجه في الجنة، وعصيان إبليس ولعنه، وطردهما من الجنة في النهاية بكل بلاغة وإيجاز واختصار، دون الدخول في تفاصيل “توراتية”، أو “بدائع زهورية”، حول حروب الجن والإنس والملائكة، وصولاً إلى حل لغز مثلث برمودا حلاً نهائياً بمثل هذه الخزعبلات.

بل إن العليم في كتابه الكريم، لم يذكر حتى اسم زوج آدم (حواء)، ولا ذكر لحيّة أو ثعبان، فما بالك “بطفولة” إبليس وبلوغه سن الحلم في السماء، وربما فات باحثنا، سهواً لا جهلاً، أن يحدثنا عن والد إبليس ووالدته، فطالما أنه كان طفلاً، فلا بد أنه كان رضيعاً، ومن قبل ذلك جنيناً، ومن بعد ذلك شاباً فتياً! سيأتي من يقول صحيح إن مثل هذه القصص لم ترد تفاصيلها في المصحف الشريف، ولكنّ بعضاً منها أو ما يشابهها، ورد في أحاديث الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم، ولكن الحقيقة الدامغة هي أن أكثر ما ورد من أحاديث منسوبة إلى نبي الهدى غير صحيحة، ومعظم مثل هذه الأحاديث مسندة إلى رواة الكثير منهم كانوا أحبار يهود وأسلموا، كما أن القرآن هو المصدر الأول للدين، وهو قطعي الصحة، فقد وصلنا بطريق التواتر، فيما أكثر الأحاديث ليست كذلك.

ففي حديث مرفوع إلى الرسول الخاتم، صلى الله عليه وسلم، يقول: ” ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله”، على اختلاف روّاته وصيغه، وهو حديث يصح معنى وعقلاً ومتناً ومنطقاً، وإن شُكك فيه تخريجاً وإسناداً وجرحاً وتعديلاً، فهو جامع للعقل والنقل معاً في هذا الشأن، إذ من المنطقي أنه إذا تعارض نص نبوي مع نص قرآني، أو بدا الأمر كذلك، أن يؤخذ بالنص القرآني المتواتر قطعي الصحة، حيث أنه المصدر الأول والرئيس للعقيدة والشريعة في الإسلام.

وفي النهاية فإنه من غير “المنطقي” أن يتعارض النصان لأنهما يصدران عن مشكاة واحدة، فإذا تعارضا، فلا ريب أن الحديث غير صحيح، وإلا فإن بناء الدين ينهار ما لم يؤخذ بمثل هذا المنطق، وبذلك يمكن أن نرى كيف أن العقل أحد أعمدة الاستدلال في الإسلام، ودعامة تقيه الوقوع في شرك باعة الوهم ومروجي الخرافة ومرتزقة الشعوذة، وكفانا الله شر المدلسين والنافين للعقل، فوق ما هو منفي بين المسلمين.

العقل مناط التكليف

وبغض النظر عن كل ذلك، رغم أنه لا يمكن غض النظر عن مثل هذا التدليس والتضليل وتغييب العقل باسم الدين وهو إلى الشعوذة أقرب، بل هو شعوذة بكل معانيها، وافترضنا أن مثل هذه “الحواديت”، كما يقول أهل مصر، صحيحة، فما الذي يهمنا منها أو ينفعنا فيها؟ الكل يعلم كم هو مزر وضع المسلمين من كل النواحي، رغم عظمة دينهم، فهل سيرتقي حالهم حين نعلم أن السيد “سوميا” قد خُلق قبل آدم بألفي سنة، أو معرفة أسماء أبناء إبليس، رغم أن “حبرنا” الفاضل لم يُخبرنا من هي زوجته، ولا كيف تزوج، وربما لو رجع إلى كتاب “بدائع الزهور” لوجد الإجابة بين أوراقه الصفراء، إذ يقول الكتاب إن إبليس تزوج الحية بعد طرده من السماء، ووضعت أربع بيضات فقست فكان منها ذريته، وفي رواية إنه نكح نفسه ووضع البيضات الأربع. والأدهى والأمرّ في كل ذلك، أن هذا العاجز عقلاً وأمثاله يحاولون تقديم حلول لمشكلات واقعية عن طريق خرافات ما أنزل الله بها من سلطان، ويقدمون ذلك على أنه “منهج علمي”، والعلم أبعد عن ذلك من بعد السماء عن الأرض، فيشوّهون العلم ويدنّسون الإيمان معاً، وتكون الضحية هي العقل المسلم الذي يدخل في حالة خدر، فوق ما هو مخدّر، أين منها خدر العقل الصيني أيام تعاطي الأفيون، رغم أن العقل في الإسلام هو مناط كل تكليف، بل ومناط كل عمل، فالله هو “العليم، الحكيم، الحق، النور”، ولكني لا أرى علماً ولا حكمة ولا حقاً أو نوراً في كل هذه الخزعبلات، فهل ترون؟

الحقيقة أنني لم أورد قصة هذا “العلامة” هنا إلا على سبيل المثل، وإلا فإن دعاة تغييب العقل، مثلهم في الكثرة مثل دعاة “الجهاد” المزيف وهم قاعدون، وأصحاب التكفير المبرمج المتعصبون، ودعاة الزهد الجميل المرفهون، ومثيري الغريزة الفجة لدى الشباب، حين الحديث المفصل عن الجنس وممارسة الجنس في الجنة، وكأن أحدهم قد جاء لتوه من عند واحدة أو أكثر من الحور العين، رغم أن الحديث القدسي يقول في وصف الجنة وما أعدّه الله للمتقين: “قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر”. وفي روايات أخرى: “ولا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل”، ولكن يبدو أن هؤلاء يعلمون ونحن بعلمهم جاهلون.

لا تميتوا علينا ديننا

رحم الله ابن الخطاب، فقد رأى ذات يوم رجلاً في السوق يحمل تمرة وهو ينادي بأعلى صوته: ” لقد وجدت تمرة فمن صاحبها؟ “، فعلاه ابن الخطاب بدرّته الشهيرة ضارباً وهو يقول له ما معناه: دعك من هذا الورع الكاذب. ورأى ذات مرة رجلاً متماوتاً من باب الزهد والورع والتقى وازدراء الدنيا، فعلاه ابن الخطاب بدرّته وهو يقول: ” لا تمت علينا ديننا أماتك الله”، وفي رواية أخرى: “ارفع رأسك فإن الإسلام ليس بمريض”. وهو ذات ابن الخطاب الذي خفق أحدهم بالدرة لأنه سأل عن مسألة غيبية متفذلكاً، لا منعاً للعقل والسؤال، ولكن لأن المجتمع حينئذ كان بحاجة إلى عقل عملي وليس إلى عقل تأملي فيما لا طائل من ورائه، وهو حال لا نجده قد تغير كثيراً اليوم.

ويُقال إن رجلاً من العراق جاء إلى عبدالله بن عمر، رضي الله عنهم جميعاً وعنا، في موسم الحج، وفي رواية أخرى للحسن البصري، يستفتيه في بعوضة قتلها، فهل عليه دم أم لا؟ فكان رد ابن عمر: ”سبحان الله يا أهل العراق، تقتلون ابن رسول الله، وتسألون عن دم البعوض”، وابن رسول الله هو الحسين بن علي، الذي نُحر في كربلاء هو وكثير من أهله والخارجين معه، بعد أن تخلى عنه مبايعوه في العراق، الذين دعوه للخروج والقدوم إليهم ونصرته، فلما فعل تركوه يواجه مصيره وحده. مثل هذا الورع الزائف، أو المبالغ فيه، ومثل هذا التنطّع والغلو في الاحتراز لدرجة إماتة الدين، كما عبّر عنه ابن الخطاب رضي الله عنه، أو الانشغال بالتوافه على حساب كل ما هو مهم، أقل خطراً على الدين من تغييب العقل وتحويل الدين إلى مجموعة من حكايات خرافية لا سند لها من عقل أو نقل، أو غيبيات مُتخيلة لا علاقة لها بالغيبيات القليلة المعروفة بالضرورة من الدين، والتي يمكن إيجازها في أركان الإيمان الستة وحسب، والمحبذ عدم الخوض فيها لأنها تتجاوز حدود العقل من ناحية، وبالتالي فإن المنهج العقلي لا يمكن أن يصل فيها إلى نتيجة، فكل حقيقة لها منهجها، وخلط المناهج أو ضبابيتها يُفقدنا كل حقيقة، أو أنه لا نفع عمليا لها في حياة أُريد لها أن تكون عمارة للأرض، وبالتالي فإن الخوض فيها إما أن يكون مضيعة للوقت، أو ترفا فكريا بيزنطيا يمكن الاستغناء عنه، أو سفسطة ليس المراد منها إلا ذات السفسطة.. هذا، ولنا عودة إلى ذات الموضوع مستقبلاً بمشيئة واحد أحد.

ملاحظة:

تعذر على الكاتب تركي الحمد تجديد موعده الأسبوعي مع قرّاء "العرب"، هذا المقال نُشر في "العرب" بتاريخ 15-06-2014، العدد: 9590، ص(6)

تركي الحمد

:: مقالات أخرى لـ تركي الحمد

تركي الحمد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر