الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

مجرد أحجار هائمة في الفضاء: تساؤلات عما يجري وما قد يجري (2)

جميع من يتعاملون مع الشأن السعودي يدركون أن اليمن هو نقطة ضعف الدولة السعودية وقوتها، ففي استقراره استقرار لجارته الشمالية، وفي اضطرابه مقدمة ضرورية لاضطراب تلك الجارة.

العرب تركي الحمد [نُشر في 2014/10/26، العدد: 9719، ص(4)]

قال لي صاحبي فاغرا فاه: هل تعني أن تبتعد السعودية عن الشأن اليمني حين ترى أن تبتعد عن الغرق في المستنقع اليمني، الذي ابتلع الجيش المصري في الستينات، واليوم سوف يبتلع جيوشا أخرى فيما لو فكرت في الدخول المباشر إلى الساحة اليمنية؟ أتفق معك فيما يقوله اليمنيون عن بلادهم، بل وبما ثبت تاريخيا من أن اليمن في النهاية مقبرة للغزاة فعلا، ولكن عندما يتحكم الحوثيون، ومن ثم الإيرانيون باليمن، فإن ذلك يعني التحكم بمضيق باب المندب، ومن ثم حركة المرور القادمة من قناة السويس، بل وحتى بقوافل النفط العابرة لمضيق هرمز، وبالتالي التحكم جزئيا في اقتصاد العالم، ومن ثم حصول إيران على ورقة تفاوض قوية لمواصلة إنتاج سلاحها النووي؟

وبعيدا عن بقية العالم، فإن جرى مثل هذا السيناريو فإن ذلك يعني خنقا للسعودية بشكل أستطيع أن أقول شبه كامل، وخاصة إذا حصل نوع من تبادل الأدوار والمهمات بين الحوثيين في الشمال، والقاعدة في الجنوب، في إطار صفقة أميركية إيرانية مثلا، وهو أمر غير مستبعد يا صاحبي، فإن عدم تدخل السعودية في الشأن اليمني يعني انتحارا! اليمن هو خاصرة السعودية من الجنوب، وتحكّم إيران في اليمن يعني أن الفرصة قد سنحت لإيران لتحقيق مأربها في التحكم بالمقدرات السعودية، المادية والمعنوية معا، فيما لو استطاع الحوثي والقاعدي والإخواني والإيراني، وكل الذين يرون في السعودية جائزة كبرى، بل الجائزة الكبرى، أن يتحكموا بمصير اليمن ولو إلى حين.

السعودية يا صديقي هي الثالوث السياسي المقدس هذه الأيام، فهي النفط والدين والموقع الاستراتيجي المميز، من يسيطر عليها سوف يملك الثروة المادية عن طريق امتلاك النفط، والثروة المعنوية عن طريق الهيمنة على مكة والمدينة، والثروة الجغرافية، إن صح التعبير، بالسيطرة على منافذ ثلاثة بحار: البحر الأحمر، وبحر العرب، والخليج العربي، إذا أدخلنا اليمن في المعادلة، وكلها منافذ يمكن من خلالها خنق العالم والتحكم بمقدراته. أَوَ بعد كل هذه الحقائق تقول لي بأن تبقى السعودية بمنأى عن المستنقع اليمني، وأن تبقى في موقع المتفرج على الأحداث هناك حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا؟

الحرب الأهلية اليمنية

بعد أن ألقى صديقي بحجارته الثقيلة تلك، تنفس بعض الصعداء، وأمر لنا بمزيد من القهوة السوداء، فيما كنت منتظرا أن يُلقي كل ما في جعبته، فلما أدركت أنه قد آن له أن يلتقط بعض أنفاسه، ويرتشف بعضا من قهوته المنسية، قلت له: كل ما ذكرت صحيح يا صاحبي، فلا شك في أن اليمن نقطة قوة ونقطة ضعف للسعودية منذ أيام العرب الأولى وحتى أيام العرب الأخيرة، ولا أظن تلك الأيام تختلف عن هذه الأيام كثيرا في جوهرها، ولكن.. وآه من لكن هذه، أنا لم أقل أن تقف السعودية موقف المتفرجين أو المنتظرين أو المستسلمين لما ستؤول إليه وتيرة الأحداث هناك، بل قلت أن تنأى بنفسها عن الغرق في المستنقع اليمني القادم الذي يكاد يُطل برأسه بين الفينة والأخرى، فاليمن مقبل على حرب أهلية لن تكون أقل بشاعة من الحرب الأهلية اليمنية في ستينات القرن العشرين، وأرجو أن أكون مخطئا في تصوري هذا، ولكن كل المعطيات تقول بذلك، ما لم يتدارك حكماء اليمن وجيرانها أن المسألة لا تحتمل التصعيد، وهنا يأتي الدور السعودي بصفة خاصة، ولكن يثور التساؤل كيف يكون ذلك؟

يؤثر عن الملك عبدالعزيز، مؤسس الدولة السعودية المعاصرة في ظروف سياسية إقليمية ودولية ليست بعيدة في نمطها عن ظروف هذه الأيام، قوله لأبنائه: “إن خيركم وشرّكم من اليمن”. الكثيرون فسروا هذه العبارة، إن صحت عن الملك عبدالعزيز، بأنها تحريض على اليمن، بل إن بعض المغالين ممن يرون أن السعودية شر كلها مهما فعلت، فسروها بالقول إن الملك يقصد أن عز السعودية هو في ذلّ اليمن، والعكس صحيح، وهو أمر لا تنطق به العبارة لا ظاهرا ولا باطنا، فمعناها واضح بأن القول: إن ما يجري في اليمن من سلب أو إيجاب لا بد أن ينعكس على بقية الجزيرة، وليس السعودية فقط، وهو أمر مفهوم ومدرك سواء قاله الملك عبدالعزيز أو لم يقله، ولكن لا بد أنه كان مدركا له في تعامله مع اليمن وأحداثه، وهو السياسي المحنك الذي أسس دولة موحدة في ظروف كان التفتيت والتقسيم عنوانها، وهي ليست بعيدة كثيرا عن الظروف المعيشة هذه الأيام، وما أشبه بدايات القرن الحادي والعشرين ببدايات القرن العشرين، ولكن التاريخ لا يعيد نفسه ولكن الأحداث تتشابه، وهو إن أعاد نفسه، كما يقول كارل ماركس، فهو يكون بمثابة المأساة في المرة الأولى، والمهزلة في المرة الثانية.

بل إن جميع من يتعاملون مع الشأن السعودي يدركون أن اليمن هو نقطة ضعف الدولة السعودية وقوتها، ففي استقراره استقرار لجارته الشمالية، وفي اضطرابه مقدمة ضرورية لاضطراب تلك الجارة، ولذلك نجد تركيز القاعدة والحوثيين والإيرانيين على زعزعة استقرار اليمن لا رغبة في ذات اليمن، ولكن انطلاقا إلى السعودية ومن ثم إلى بقية الشرق العربي والإسلامي السعيد، فالسعودية في النهاية، بثروتها ومقدساتها وجغرافيتها، هي المحور الذي بدونه يستحيل تحقيق الهيمنة المرجوة.

ما قصدته بنأي النفس عن المستنقع اليمني هو عدم تكرار الخطأ الأفغاني، حين قامت السعودية، وبضغط أميركي قوي، بمساندة فصيل أفغاني ضد آخرين، والوقوف ضد الحكومة الأفغانية في ذلك الوقت، والدخول في حرب باردة لا ناقة لها فيها ولا جمل.

عدم تكرار التجربة الأفغانية

لقد كانت السعودية آنذاك، وغيرها من دول أخرى، مجرد حجر شطرنج يحركه أحد لاعبي الشطرنج، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، لتحقيق غايات أحد اللاعبين، أي الولايات المتحدة، وليس بالضرورة أن تكون تلك الغايات متوافقة مع المصلحة الوطنية السعودية، فما هي الفائدة المرجوّة مثلا من العمل على إسقاط دولة كبرى مثل الاتحاد السوفيتي، وتأجيج المشاعر الدينية ضدها، ناهيك عن الثروات المهدرة في سبيل قتالها نيابة عن أميركا، فيما كان بالإمكان إقامة علاقات طبيعية معها، واعتبارها كأي دولة أخرى، حين تكون المصلحة الوطنية واضحة ومحددة، ووفق استراتيجية واضحة المعالم. وسقط الاتحاد السوفيتي في النهاية، وتحقق الهدف الأميركي في سقوط “إمبراطورية الشر”، فماذا جنت السعودية من كل ذلك؟

المسألة لا تحتاج إلى كثير تأمل، فما التطرف وتمدد القاعدة، وانتقال الزخم الديني في الجهاد إلى الداخل السعودي، إلا بعض من نتائج تلك السياسة المشوشة في أفغانستان. اليمن اليوم مرشح لأن يكون أفغانستان تلك الأيام، بكل التناقضات القبلية والدينية والسياسية، ولكن أفغانستان هذه المرة جارة على الحدود. وعندما أقول أن تنأى السعودية بنفسها عن الغرق في المستنقع اليمني، فالمقصود عدم تكرار التجربة الأفغانية، من حيث الوقوف مع فصيل دون آخر بكل الثقل المادي والمعنوي، وأن يكون هناك استراتيجية واضحة لتحقيق المصلحة الوطنية، والتي يشكل الاستقرار وعدم التقسيم جوهرها اليوم، بعيدا عن الحسابات الأميركية الصرفة، والتي تُراعي المصلحة الوطنية الأميركية في الأول والآخر، دون اكتراث بالنتائج الجانبية Side Effects التي قد تضر ببقية الشركاء، على افتراض أنهم شركاء وليسوا مجرد بيادق على رقعة الشطرنج.

اليمن اليوم في حالة استنفار قصوى قد تؤدي إلى حرب أهلية لا تُبقي ولا تذر، فهناك القبائل المنقسمة على نفسها والمتذبذبة الولاءات، وهناك التيارات والتنظيمات السياسية التي يتسابق المشاركون في اللعبة السياسية على تجييرها لصالحهم، وهناك التوتر الطائفي المسيس، وكل ذلك متداخل في بعضه البعض حيث أنك لا تستطيع أن تعرف أين تبدأ وأين تنتهي الحدود القبلية والطائفية والسياسية، بل واللعبة المخابراتية في كل ذلك، والدخول المباشر في هذه الفسيفساء الغريبة سوف يؤدي إلى الضياع في شباكها، وبالتالي ينتفي وضوح الصورة والرؤية، ومن ثم تكون المصلحة الوطنية هي الضحية في النهاية، رغم أنها كانت هي الغاية من المشاركة في كل ذلك.

توقفت عن الكلام المباح عند هذه النقطة، ريثما أرتشف جرعة كبيرة من قهوة باردة، فيما كانت أنظار صاحبي شاخصة إليّ وفيها توثب وتحفز وحيرة وهو يقول: ولنفرض أننا آمنّا وأيقنا بحديثك يا أبا العريف. قال صاحبي ذلك وقد علت شفتيه الغليظتين شبه ابتسامة وهو يواصل حديثه: أنت تكرر كثيرا ترديد مقولة المصلحة الوطنية السعودية، فهل أنت تتحدث عن مصلحة الوطن أم عن مصلحة النظام يا صاحبي؟ ثم هل بإمكانك يا فطحل زمانك أن تحدد لي ما هي المصلحة الوطنية السعودية بدقة؟ قال صاحبي جملته الأخيرة بنبرة يشوبها شيء من السخرية المرّة. ابتلعت غيظي مع رشفة قهوة سريعة، ثم قلت: سامحك الله أيها الصديق، فلست أبا العريف حيث أهرف بما لا أعرف، كوعّاظنا ودعاة جهنم في هذا الزمان، ولست فطحل زماني ولا مكاني، فنحن نفكر بصوت مرتفع كما اتفقنا ليس إلا.

أما الفرق بين مصلحة الوطن ومصلحة النظام فلا شك في أن هنالك فرقا في أحيان كثيرة، ولكن المشكلة أن هنالك خيطا رفيعا جدا، أدق من الشعرة وأحد من السيف يفرّق بين المصلحة الوطنية ومصلحة النظام السياسي، ولكني لا أظن أنهما متناقضان هذه الأيام على الأقل، أما في غير هذه الظروف فأظن أنه يمكن الدخول في نقاش فلسفي سياسي حول هذه المسألة، ولكن الوقت غير الوقت، والظروف غير الظروف، فمصلحة النظام مهما كانت هي ذاتها مصلحة الوطن اليوم، ولذلك فإن أي خلافات في إطار البوتقة الوطنية يجب أن تؤجل لأن مصلحة الوطن كله على المحك اليوم. وحدة الكيان السعودي

المصلحة الوطنية السعودية كما تبدو لي، وخاصة هذه الأيام، تتلخص في الحفاظ على استقرار الكيان ووحدته، وعدم استنزاف ثروة محدودة مهما كانت كبيرة، طالما أننا لم نوجد البديل المولد لثروة جديدة، وما زلنا أسرى ريع النفط والاقتصاد الريعي، وبالتالي استنزاف مستقبل غير مضمون بوجودها فكيف بضياعها.

وحدة الكيان السعودي وثروة النفط هي الهدف في النهاية، سواء كنا نتحدث عن اللاعبين الكبار أو الصغار في الساحة، والتي يشكل اليمن اليوم بؤرتها. الانجراف إلى المستنقع اليمني هو ما يريده أكثر اللاعبين في الساحة اليوم، فالكبار يريدون كيانات كجمهوريات الموز يُمكن التحكم فيها، والصغار يريدون الموز كوقود لما هو أكبر ربما، أو للذة الموز وحده. والغرق في المستنقع اليمني فيه كل ذلك: استنزاف للثروة، وتهديد لاستقرار الداخل، ومن ثم الشروع في تقطيع الكعكة السعودية. كيف يتم ذلك؟ هذا أمر لا أدريه، ولكن هكذا تبدو لي الصورة، وهي الصورة التي أرجو أن تكون واضحة لدى متخذ القرار السعودي، أو على الأقل صورة ضمن صور تشكّل احتمالات أو سيناريوهات لما يمكن أن يحدث، حتى ولو كان ذلك احتمالا بعيدا، قد لا أرى الكثير منها، وأنا بالفعل لا أرى الكثير منها.

المشاركة في المشهد اليمني ضرورة سعودية بلا شك، ولكن دون الغرق في المستنقع، ولكن كيف، أم أن المسألة مجرد مفارقة لا يمكن تحقيقها؟ ليس هناك مفارقة، فالكل يعلم مثلا أن أحداث اليمن محركة بأيدي غير يمنية في مجملها، وهذا لا يعني نفي التناقضات الداخلية اليمنية، من قبلية وطائفية ومن ثم سياسية، ولكن هذه التناقضات هي كعب أخيل الذي من خلاله تنفذ الأيدي الخارجية إلى الشأن اليمني، وصولا إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي الأكبر، وهو الجائزة السعودية وما وراءها.

سر المشاركة دون الغرق يكمن في ظني في البحث عن محرك الخيوط واللعب معه مباشرة، في محاولة لإضعافه وجعله هو من يغرق في المستنقع، سواء بجره إليه، أو باستنزافه حتى لا يعود قادرا على الحركة ولا حتى الانسحاب فيما لو أراد. فنحن نعلم مثلا أن التطلعات الإمبراطورية الإيرانية تقف وراء كثير من الأحداث سواء في اليمن أو العراق والشام، ومن هنا يبرز السؤال: ولماذا لا يركز على إيران ذاتها في اللعبة السياسية الجارية، ففي قطع رأس الأفعى قطع لدابر سمّها من الأساس.

ليصفق الإعلام الإيراني لانتصار الحوثيين الظاهر، ومقدمات الهيمنة والسلطنة على خليج العرب وبحورهم الثلاثة، كما يقول الإعلامي الإيراني الأستاذ محمد صادق الحسيني، وهو بالمناسبة لبناني الأصل، وسبق أن تحاورت معه في برنامج “الاتجاه المعاكس” قبل أكثر من عشرين عاما، عندما كان لبناني الجنسية، وحينها كان يُبشر بسلمية إيران الإسلامية في علاقاتها مع جيرانها، وينفي أيّ تطلعات إمبراطورية لإيران الثورية عن طريق تصدير الثورة.

العبث الإيراني

المهم يا صاحبي، لتغرق إيران في المستنقع اليمني، كما هي غارقة اليوم في المستنقع السوري، وليكن ذلك استنزافا لها، وهي التي تُشكل عوائد النفط أكثر من 60 بالمئة من دخلها القومي، بالإضافة إلى الأعباء المادية للهيمنة في العراق وسوريا ولبنان، ناهيك عن الداخل الإيراني المتململ والمحبط وسط ضائقة اقتصادية هي جزء من ثمن تطلعاتها الإمبراطورية، وأظن أن توماس فريدمان كان محقّا وهو يرى أن انخفاظ سعر النفط هذه الأيام هو تكتيك سياسي أميركي سعودي لإحكام الضائقة الاقتصادية على إيران، فإن صدقت توقعات السيد فريدمان، فكل الظن أن القيادة السعودية تسير في الاتجاه الصحيح في هذه المسألة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إيران دولة فسيفسائية القوميات والإثنيات، وبالتالي فإذا كانت التركيبة الفسيفسائية اليمنية هي المدخل للعبث بالشأن اليمني، فلماذا لا تُستغل التركيبة الفسيفسائية للمجتمع الإيراني بتحويلها إلى كعب أخيل إيراني يُنفّذ من خلاله إلى الداخل الإيراني؟ ورقة القوميات والإثنيات الإيرانية ورقة قوية لا أدري لماذا لا تُستغل لشغل إيران بنفسها قبل أن تنشغل بالآخرين، وهي التي تعبث بكل ورقة قومية أو إثنية أو طائفية في المجتمعات العربية، وتحت مختلف المظلات الأيديولوجية خلال تاريخها الطويل، لتحقيق غايات الدولة الإيرانية التي لم تتغير، كما ذكر سابقا. وبالحديث عن قضية الإستنزاف هذه، فإنه يبدو أن هذه هي سياسة الولايات المتحدة في المنطقة اليوم، وصولا إلى أهداف استراتيجية بعيدة المدى.

وهنا انتبه صاحبي من تأمله البعيد، ونظر إليّ وقد اتسعت عيناه وهو يقول: ماذا تعني يا صاحبي؟ قلت له بابتسامة عريضة: ولو!.. كيف تسأل وأنت أبو العريف؟ ضحك باقتضاب وهو يقول: دعك من سخريتك ورد الصاع صاعين، وقل بماذا تفكر؟.. أشركني معك.. ألسنا نفكر بصوت مرتفع سويا؟ قلت له: هل اطلعت على ما قاله عجوز السياسة الأميركية لعقود مؤخرا؟ قال: تقصد هنري كيسنجر؟ قلت: نعم. قال: يعني.. فكرة خاطفة.. أليست هي تلك المقابلة في صحيفة “دايلي سكيب” اليومية النيويوركية، التي يقول فيها سيطر على النفط تسيطر على الدول، وسيطر على الطعام تسيطر على الشعوب؟.. وإن من لا يسمع طبول الحرب فهو أصم؟.. ويقول إن الحرب بين الولايات المتحدة من جانب، وروسيا والصين من جانب آخر وشيكة، وإن الولايات المتحدة تعد العدة لذلك، وهي المنتصر في النهاية؟ قلت: وهل تصدق ما يقوله وزير خارجية نيكسون ومستشاره للأمن القومي؟ قال: أكيد، فهو لا يتكلم من فراغ. قلت: هذه المرة يتكلم من فراغ يا صاحبي، فكسينجر البالغ من العمر 89 عاما، ما زال أسير حقبة الحرب الباردة، ولا زال ينظر من خلال عيونها، فحرب شاملة بين هذه القوى النووية الثلاث أمر بعيد الاحتمال، وإن حدثت فلن يكون فيها منتصر، كما يتمنى بل يتوقع كيسنجر للولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يقول بمرح وحماس في المقابلة: “آه.. كم حلمت بهذه اللحظة المشرقة”. ولكن بعيدا عن هذه النقطة، فإن في بقية كلامه الكثير من الصحة. الولايات المتحدة تسعى لإحكام سيطرتها على المنطقة وذلك عن طريق السيطرة على مقدراتها، وفي مقدمتها النفط، وهل لدى المنطقة من ثروة معتمد عليها اليوم غير النفط، وذلك عن طريق الاستنزاف وليس العسكر كما يقول كيسنجر، إذ أن السيطرة عن طريق العسكر وازدياد الإنفاق العسكري هو استنزاف للقدرات الأميركية وإضعاف لها في النهاية، وهي التي تُعاني اقتصاديا نتيجة مغامرات الرئيس بوش الابن العسكرية، وهذا أمر أثبته المفكر الأميركي بول كينيدي، في كتابه ذائع الصيت “صعود وسقوط القوى العظمى: التغير الاقتصادي والنزاع العسكري من 1500 إلى 2000”، وهو أمر أظن أن الإدارة الأميركية الحالية على دراية به، على عكس إدارة بوش الابن وأوهامها التوراتية، ولذلك نرى إدارة باراك أوباما تتحاشى التدخل العسكري المباشر، أي عن طريق إرسال الجيوش، وتجعل دول المنطقة، أي السعودية ودول الخليج، هي من يدفع فاتورة مكافحة الإرهاب، كما دفعت فاتورة حرب الخليج الأولى (العراق وإيران)، والثانية (تحرير الكويت)، والثالثة (إسقاط صدام حسين)، واليوم تدفع فاتورة القضاء على داعش وغيرها من تنظيمات قد تكون الولايات المتحدة هي من بذر بذرتها، كما فعلت من قبل مع “مقاتلي الحرية”، أو “المجاهدين” الأفغان، والذين انبثقت عنهم القاعدة وأولادها اللاحقون.

عن طريق الاستنزاف، تستطيع الولايات المتحدة أن تُحجّم دول المنطقة مهما كانت طموحاتها. وعن طريق الاستنزاف، تستطيع خلق مشاكل وصراعات داخلية تحت بيارق الطائفية أو القبلية أو الإقليمية أو الأيديولوجية. وعن طريق الاستنزاف، يُمكن في النهاية أن يتم تفتيت الدول وتقسيمها، وهنا يكمن بيت القصيد ومربط الفرس كما يقولون.

أما العلاقة مع روسيا والصين، وعلى عكس ما يقول هنري كيسنجر، فسوف تتحدد باتفاق الفرقاء على تقسيم مناطق النفوذ، كما حدث في أعقاب الحرب العالمية الأولى والثانية، ويا دار ما دخلك شر.

زفر صاحبي وقد امتقع لون وجهه ولم يعد ذلك الواثق من نفسه وهو يقول: سيناريو مرعب يا صديقي بأي شكل قلّبته. ابتسمت بمرارة وقلت: بالطبع، فأنت في غابة اسمها علاقات الدول، وفي محيط لا بد في النهاية أن يأكل فيه السمك الكبير السمك الصغير، ما لم يعرف السمك الصغير كيف يكبر.

وهنا انتفض صاحبي وكأن عقربا بريا قد لدغته، وقال: ولكن.. معنى ذلك أن السعودية تستنزف إيران مثلا، والإخوان يستنزفون مصر وليبيا، والحوثيون يستنزفون اليمن، وداعش تستنزف السعودية والخليج، وأميركا تستنزف الجميع، وتبقى إسرائيل هي من يضحك أخيرا؟ “هو ذاك يا صاحبي، هو ذاك”، قلت باسما بأسى، ثم أضفت: وأزيدك من الشعر بيتا كما يُقال.. فقال: وهل بقي شيء؟ قلت: الكثير.. التقسيم القادم إن تم وفق الاستراتيجية الأميركية الحالية كما أتصورها، وأرجو أن أكون مخطئا في كل ذلك، سيكون على أسس طائفية وإثنية في المقام الأول، فقد تبين أن تقسيم سايكس-بيكو، الذي حدد معالم المنطقة في بدايات القرن العشرين، لم يكن ناجحا في تحقيق استقرار طويل المدى في المنطقة، ولذلك فإن التصور اليوم هو أن الاستقرار المُحقق للمصالح الدولية في المنطقة، وخاصة المصلحة الأميركية والإسرائيلية، هو التقسيم على أسس طائفية وإثنية، فذاك يضرب عدة عصافير بحجر واحد.

فأولا، تبقى جذوة الصراع قائمة بين دول المنطقة طوال الوقت، ومن الممكن إذكاؤها في أي وقت، وفق المصلحة والغرض. وثانيا، فإن إسرائيل، الدولة القائمة على أسس دينية، لن تصبح غريبة في مثل هذه البيئة، حيث هناك مثلا دولة سنية وأخرى شيعية وثالثة علوية وأخرى مسيحية أو درزية أو غير ذلك ربما. وثالثا، فإن مثل هذه الدول سوف تتحول إلى شيء أشبه بقطيع من غنم لا حول له ولا قوة، وجمهوريات موز ليس لديها إلا موز تبحث عمّن يشتريه، وفي ذلك ضمانة كافية لأمن إسرائيل، ولتبقى جذوة الإرهاب موجودة على الدوام في مثل هذه البيئة، فلولا الإرهاب لما تم الإستنزاف ولا تم التقسيم.

وبعد الانتهاء من الكوب الرابع من القهوة، قلت لصاحبي: ألم أقل لك إننا أصبحنا كحجر الفيلسوف سبينوزا، نعتقد أننا أسياد قرارنا ومصيرنا، فيما يختفي قاذفنا وراء الغمام؟ وباندهاش واضح، قال صاحبي: وما دخل الحجر في كل ما يجري؟ قلت: الكل يستنزف الكل، والكل يسعى لإضعاف الكل، فهذه لعبة سياسة علينا ممارستها حتى لو كنا لها من الكارهين، والمستفيد الأوحد من كل ذلك في النهاية هو الولايات المتحدة وإسرائيل، والبقية متروكة لضباع الغابة الدولية وذئابها.

والحل، قال صاحبي، ما هو الحل في رأيك؟ قلت: الحل يكمن في العقل يا صاحبي، فكلنا في النهاية من الخاسرين، نحن وإيران وبقية دول المنطقة، كديوك تتصارع والمراهنون عليها يتفرجون، ولا حل إلا بإدراك أن مصلحتنا الحقيقية ومصيرنا في النهاية واحد.. الحل يكمن في الوعي القائم على العقل يا صاحبي، ولكن أين هو العقل؟.. أين هو العقل؟.. رحم الله أبا محمد، عبدالله القصيمي الذي أعلن العجز أمام مفارقات العرب والفرس والترك، حين صرخ من أعماقه يائسا: أيها العقل من رآك.. أيها العقل من رآك.. نعم.. أيها العقل من رآك..

تركي الحمد

:: مقالات أخرى لـ تركي الحمد

تركي الحمد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر