الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

كي لا نجتر البدايات فنغص في النهايات

الخطاب الديني الذي أنتج هذا الكم الهائل من التراث الحضاري والثقافي غير عاجز عن استيعاب متغيرات العصر وتحولاته متى ما توفرت إرادة التغيير.

العرب تركي الحمد [نُشر في 2014/11/02، العدد: 9726، ص(4)]

في رسالتها للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة لندن، والتي تُرجمت في معظمها إلى العربية وطُبعت كتابا، تخرج إلينا الباحثة السعودية هيفاء العنقري باستنتاج نهائي لبحثها مفاده أن “ثلاثة متغيرات تُعتبر حاسمة للمحافظة على سلطة قائد ما في شبه الجزيرة العربية، وهي: القبول من المجتمع، امتلاك قوة إلزامية، وسلطة دينية تقليدية”.

وللمحافظة على هذه السلطة السياسية كان على الحاكم أن يُدير بعناية تفاعل هذه المتغيرات في ما بينها، لا سيما عند وقوعها تحت تأثير الديناميكيات السياسية الإقليمية والدولية التي كان يحتمل أن تُشجع تدخلا خارجيا “(هيفاء العنقري. السلطة في الجزيرة العربية: ابن سعود، حسين، بريطانيا 1914-1926. بيروت: دار الساقي، 213، ص.297).

وفي المقارنة بين كيفية توظيف هذه المتغيرات الثلاثة من قبل كل من الملك عبدالعزيز آل سعود (1876-1953)، مؤسس الدولة السعودية المعاصرة، والشريف الحسين بن علي (1854-1931)، زعيم الثورة العربية الكبرى على العثمانيين، خلصت الباحثة إلى أن عبدالعزيز نجح في استثمار هذه المتغيرات الثلاثة، وخاصة في الفترة الأخيرة قبيل ضم الحجاز إلى مملكته، فيما فشل الحسين في الحفاظ على مملكته، فكان السقوط وزوال المملكة الهاشمية من الحجاز.

أما بريطانيا، المتحالفة مع الهاشميين في الحجاز في البداية، فقد حولت دعمها إلى ابن سعود وتحالفت معه، فهو الأقدر على تكوين سلطة قوية ومتماسكة يمكن الركون إليها والتعامل معها في شبه الجزيرة العربية، بعيدا عن تطلعات الشريف حسين وأبنائه وأحلامهم في مملكة عربية واسعة تشمل جزيرة العرب والهلال الخصيب، فبريطانيا في البداية والنهاية دولة استعمارية آنذاك، بل دولة بالمعنى الخالص، لا يهمها إلا مصلحتها ونفوذها، وعلى هذا الأساس تُقيم تحالفاتها ورعايتها لهذا أو ذاك من الزعماء أو الدول.

الحكومات السعودية المتعاقبة حاولت أن تتواءم مع متغيرات الزمان والمكان وفق معادلة سياسية سعودية أصبحت معروفة للجميع: عدم استعجال التغيير مع عدم تحبيذ الجمود

تحالفات ناجحة

عند مناقشة هذه المتغيرات الثلاثة نجد أن الأوليين منهما، أي القبول المجتمعي والقوة الإلزامية، ضروريان لكل سلطة سياسية تسعى إلى الفاعلية والاستقرار، وليسا خاصين بجزيرة العرب فقط، فلا دولة دون شرعية، ولا سلطة دون إلزام. أما المتغير الثالث، أي السلطة الدينية التقليدية، فربما يكون هو المتغير القابل للنقاش فيما يختص بشؤون جزيرة العرب، فعبدالعزيز ركّز أكثر على العامل الديني في حركته كلما تقدم أكثر، وخاصة بعد عام 1912، حين بدأ في تأسيس كتائب “الإخوان”، بينما قلل الحسين من التركيز على العامل الديني في سياسته، خاصة بعد إعلان الثورة القومية العربية على الباب العالي عام 1916. مثل هذا الأمر مهمّ طرحه، خاصة في مثل ظروف اليوم المضطربة، كما كان الحال في بدايات القرن العشرين.

فأن يكون عبدالعزيز آل سعود قد استطاع أن يوظف هذه العوامل أو المتغيرات لصالحه، مع معرفة اتجاه الرياح السياسية الإقليمية والدولية، وبالتالي استغلال ذلك لتكوين تحالفات ناجحة مكنته في النهاية من تأسيس دولة تسيطر على معظم شبه جزيرة العرب، فهذا أمر لا خلاف عليه بين السياسيين والمؤرخين والمهتمين بشؤون الجزيرة. ولكن ما فعله عبدالعزيز تاريخ مضى، في ظل ظروف مضت.

والسؤال هنا والآن هو: كيف يُمكن لخلفاء عبدالعزيز أن يمارسوا ذات النهج، مع أخذ الظروف والمتغيرات الإقليمية والدولية الحالية في الاعتبار، وخاصة فيما يتعلق بمسألة القبول المجتمعي والسلطة الدينية التقليدية. فإذا كان القبول المجتمعي، وما يترتب عليه من إشباع لحاجات المجتمع المادية والمعنوية، رافد رئيس من روافد الشرعية السياسية لأيّ سلطة، فإنّ ذات المجتمع كيان متغير العناصر، ومكونات المجتمع السعودي أيام الملك عبدالعزيز ليست هي ذاتها أيام الملك عبدالله مثلا، وبالتالي فإن منهجية عبدالعزيز وغيره من مؤسسي الدول في التعامل مع القبول المجتمعي وكيفية تحقيقه، منهجية ناجحة وسليمة.

لكن ذلك لا يعني الافتراض أن المكونات هي ذات المكونات، رغم أن المجتمع واحد، بمثل ما أن أحدهم هو ذاته عندما كان طفلا رضيعا وعندما أصبح كهلا شديدا، ولكنه ليس هو في ذات الوقت، عندما يؤخذ الزمان والمتغيرات التي مرت على مثل هذا الفرد في الاعتبار.

الخطاب الديني

إذا كان البعد الديني، كما خلصت الباحثة في دراستها، رافدا آخر مهما من روافد الشرعية لأيّ سلطة سياسية تريد البقاء والاستقرار في جزيرة العرب، فإن ذلك لا يعني أن تكون مكونات الخطاب الديني، الذي يشكل رافدا من روافد الشرعية للسلطة السياسية وليس كل الروافد، هي ذات المكونات التي شكلت خطاب البدايات. فالولايات المتحدة مثلا أو بريطانيا تشكلت السلطة السياسية فيهما على أسس دينية في أبعاد كثيرة منها، ولكن الخطاب الديني الذي تشكلت على أساسه أميركا أو بريطانيا في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر، ليس هو ذاته الذي يشكل رافدا من روافد الثقافة البريطانية أو الأميركية، وبالتالي شرعية النظام السياسي فيهما بشكل غير مباشر، رغم أن العلمانية هي جوهر النظام.

ولماذا نذهب بعيدا، فالدولة السعودية قامت على أسس دينية بشكل كبير، وشكّل ذلك جزءا من القبول المجتمعي للسلطة السعودية، ولكن ذلك لا يعني العض بالنواجذ على مكونات الخطاب الديني المؤسس، أي الوهابية التقليدية أو وهابية القرن الثامن عشر، وإن بقي الخطاب الديني قائما ومشكّلا لرافد، وأكرر لرافد وليس كل الروافد، من روافد شرعية السلطة السياسية في السعودية.

من هنا كان من الضروري لأيّ سلطة سياسية تريد الحفاظ على استمراريتها واستقرارها، أن تعيد النظر دائما في القاعدة الاجتماعية التي ترتكز إليها وعليها، فالقبول المجتمعي للسلطة، والذي هو ركن الأساس في الشرعية السياسية، يعتمد على مكونات المجتمع المتغيرة، والتي تستلزم تغيّر الخطاب، أو مكونات الخطاب المعبّر عن شرعية السلطة، إذا كان الاستقرار السياسي والاجتماعي والديمومة والاستمرارية هي المطلب، ولا ريب في أنها هي المطلب، فالوهابية التقليدية في جانبها السياسي، هي في النهاية تعبير أيديولوجي عن مجتمع بسيط التكوين، محدود التطلعات والمطامح، ولذلك كانت هي الأيديولوجيا المناسبة لسنوات التكوين الأولى للدولة السعودية، وخاصة في منطقة نجد، ولكنها بشكلها هذا لم تعد مناسبة أو قادرة على التعبير عن مجتمع مختلف الحركة والتكوين، ولذلك فإنه من الملاحظ أن الملك عبدالعزيز حكم الحجاز بأسلوب مختلف عن الأسلوب الذي حكم به نجد في البداية، إذ كان المجتمع الحجازي أكثر تمدنا وتعقيدا من المجتمع النجدي آنذاك، ولذلك كان لا بد من اختلاف أسلوب الحكم ونهجه، فكانت الوهابية شديدة الوطأة في المجتمع النجدي، وأكثر انفراجا في المجتمع الحجازي، مع بقاء الأيديولوجيا السياسية للدولة واحدة. بل ورغم تشدد الوهابية وعلمائها، فإن ذلك لم يؤدّ إلى السماح بتدمير المجتمع الشيعي في الأحساء والقطيف، رغم امتعاض هؤلاء العلماء من التهاون مع “الرافضة”.

عموما، ليس الحديث هنا عن المحتوى العقدي للوهابية، فهذا أمر مختلف حقيقة، وهو متروك للمجادلين في تفاصيل المذاهب والعقائد، وهو أمر لا يعنينا في هذه العجالة بقدر ما أن المهم هو البعد السياسي للوهابية، من حيث التعبير السياسي عن حركة المجتمع، وخاصة في انتقاله من حالة البساطة إلى حالة التعقيد، كما هو الحال في السعودية المعاصرة.

تحقيق الحداثة بقيم تقليدية

في وصف البدايات، يقول “البانديت” جواهر لال نهرو (1889-1964)، في واحدة من رسائله إلى ابنته أنديرا غاندي عندما كان في السجن، في الثالث من يونيو (حزيران) 1933، وهو يكتب لها عن أحوال الجزيرة العربية وتاريخها: “كتبت لك عن بعض الأقطار العربية، ولكني لم أتحدث إليك حتى الآن عن الجزيرة العربية، منبع اللغة العربية والثقافة العربية وموطن نشوء الإسلام. ومع أن الجزيرة العربية كانت منبع المدنية العربية، إلا أنها بقيت متأخرة تعيش بعقلية القرون الوسطى، وسبقتها إلى التمدن جاراتها العربيات مثل مصر وسوريا وفلسطين والعراق… ولا يوجد فيها سكك حديدية ولا تلفونات أو تلغرافات. وكان سكانها يتألفون من بدو رحل… كانوا يعيشون حياة قبلية لم تتغير كثيرا خلال الألف سنة الماضية. ولكن الحرب العالمية غيرت هذه البلاد كما غيرت أشياء أخرى كثيرة…(لمحات من تاريخ العالم: الجزيرة العربية: قفزة من الماضي).

وإذا كانت فترة الحرب العالمية الأولى قد غيرت الكثير في الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية للجزيرة العربية، وبالأخص المملكة العربية السعودية، من حيث توحيدها واستقرارها السياسي وبداية تغير بناها الاجتماعية، من خلال تغير أنشطة السكان الاقتصادية فيها، فإن الحرب العالمية الثانية قد غيرت أكثر، مع دخول السعودية عصر النفط وتصديره.

وجاءت فترة الطفرة في أواخر السبعينات، وما رافقها من مشاريع كبرى وإعادة توزيع للدخل وتغير في أنماط الاستهلاك ونزعاته، وهي الطفرة التي أعقبتها طفرات وانتكاسات وطفرات، فغيرت أكثر وأكثر، فكان ذلك انقلابا اجتماعيا كاملا.

من الضروري لأي سلطة سياسية تريد الحفاظ على استمراريتها واستقرارها أن تعيد النظر دائما في القاعدة الاجتماعية التي ترتكز إليها وعليها

والنتيجة هي أنه لم تعد المملكة العربية السعودية اليوم ذاك المجتمع المتناهي في بساطته، والذي تحكمه العلاقات البسيطة، أو مجرد العلاقات الشخصية المباشرة بين أفراده، وهو المجتمع الذي تعامل معه الملك عبدالعزيز في سبيل الوصول إلى القبول المجتمعي من خلال التعرف على المكونات الفعلية لذلك المجتمع، بل تحول إلى مجتمع مديني فيه من التعقد والتعقيد الشيء الكثير، كأي مجتمع مديني آخر.

صحيح أن القيم التي تحكم هذا المجتمع قد تشوهت كثيرا، لا بسبب التغيرات الاقتصادية، ولكن بسبب محاولة تحقيق الحداثة في إطار من قيم تقليدية، يرسم معالمها خطاب ديني غير قادر على استيعاب المستجدات الطارئة، وكل ذلك في بيئة شجعت على نمو نزعة استهلاكية متزايدة، لا يقابلها جانب إنتاجي، نتيجة الارتهان لمحددات اقتصاد ريعي في مجمله، ولكن هذا حديث آخر. المهم في الموضوع هنا هو أن المملكة لم تعد تتكون من الهجرة أو القرية أو الواحة أو البلدة وشبه المدينة، وإن بقيت قيمها التي تشوهت في الأذهان، ولم تعد هذه الكيانات هي التي تحدد شكل الجماعات ونوع علاقاتها، حتى لو كان هناك حنين رومانسي لمثل تلك البساطة وأيام “الزمن الجميل”، بقدر ما أضحت المدينة بكل علاقاتها المتشابكة هي المحددة لشكل التفاعل والتداخل الاجتماعي بشكل كبير. فثلاث مدن سعودية على الأقل (الرياض، جدة، الدمام) مثلا، يتجاوز سكان كل واحدة منها الثلاثة ملايين نسمة، بل إن مدينة الرياض وحدها تقترب من السبعة ملايين إنسان في سكانها، في بلد كان الكل يعرف فيه الكل في كل هجرة أو قرية أو بلدة، قبل أعوام ليست بعيدة. وأكثر من ثلث المواطنين هم من الطلاب والطالبات. والجزء الأكبر من هؤلاء المواطنين، ما يقارب السبعين بالمئة (70 ٪) يتكون ممن لم يتجاوزوا الثلاثين من العمر، أي أنهم ممن ولد ونشأ خلال فترة الطفرات السعودية، والتغيرات العميقة التي حدثت خلالها، بعيدا عن الحكم القيمي على تلك التغيرات، وهو الأمر الذي يخرج عن موضوعنا في هذه المقالة على الأقل.

من حالة الجماعة إلى حالة المجتمع

ببساطة وإيجاز، لم يعد التماسك والتفاعل الاجتماعي قائما على “التماسك الآلي Mechanical Solidarity” بشكل كامل، بقدر ما أخذ يتحول إلى نموذج “التماسك العضويOrganic Solidarity”، وفق مصطلحات ومفاهيم “أميل دوركايم”. وببساطة أكثر، كي لا نغرق في مفاهيم جافة، انتقل البلد من حالة “الجماعة “Cmmunity، إلى حالة “المجتمع”، Society، ولم يعد الناس هم ذات الناس، ولا المكان هو ذات المكان، وذاك من سنن الله على الأرض، وهي التي تقوم على التغيّر والتحول الدائم. وسواء كان هذا التغير إلى الأفضل أو إلى الأسوأ، وفق معايير التقييم المختلفة والنسبية بالضرورة، فإن المهم هو استيعاب هذا التغيّر، ومحاولة التعامل معه وفق آلياته الجديدة، وليس وفق آليات واقع انتهى، وعلاقات انقضت، ولم يعد له ولها من وجود إلا بعض الحنين، وشيء من الأنين لذكرى الأولين. فخلال عقود قليلة مضت، انقلب المجتمع في المملكة انقلابا جذريا، وتحولت مدنها وقراها إلى مساحات مترامية الأطراف، بسكان من مختلف الأجناس والفئات والاتجاهات والتطلعات. فسكان المدن في المملكة، يكادون يتجاوزون ما نسبته 80 بالمئة من إجمالي عدد السكان، وهم الذين كانوا في غالبيتهم العظمى من البادية أو المراكز الحضرية الصغيرة والقليلة قبل عقود قليلة خلت. وبرزت إلى الوجود طبقة اجتماعية وسطى جديدة واسعة وممتدة، نتيجة تعاظم معدلات التعليم ونتائجه الاجتماعية. طبقة يقوم أساسها الاجتماعي على الجدارة الشخصية للفرد تحديدا، أي المزايا المُكتسبة، وليس وفقا للمزايا الموروثة ابنا عن أب عن جد، أو كابر عن كابر. طبقة جديدة تتكون من أعضاء ينحدرون من طبقات قديمة متعددة، فتجد بينهم من هو ابن أو حفيد عامل أو حرفي أو فلاح أو بدوي. ورغم أن ابن البدوي أو ابن الفلاح لا يتنصل من جذوره الطبقية القديمة، إلا أن الجميع يشتركون في شيء واحد، أو رئيس بالأصح، وهو الذي يجعلهم يكونون طبقة جديدة: ذلك هو مفهوم المشاركة في العقل والذهنية، وما ينبثق عنه من قيم ومفاهيم مشتركة، ومختلفة عن القيم التقليدية والموروثة بهذه النسبة أو تلك. فلم تعد المعايير الاقتصادية وحدها هي المُحدد لوجود الطبقة من عدمه، بالرغم من أهمية تلك المعايير. أهمية المعيار الاقتصادي بالنسبة إلى الطبقة الوسطى الجديدة يكمن في تحديد دورها السياسي في الخاتمة. فكلما كانت هذه الطبقة أكثر رضا اقتصاديا، كانت عامل استقرار اجتماعي وسياسي، والعكس صحيح. أما كونها طبقة اجتماعية من عدمه، فذاك يتحدد بالعامل الذهني أكثر من العامل الاقتصادي.

كثير من القضايا وما يعتبر من المسلمات يجب إعادة التفكير فيها ومحاولة إيجاد حلول وبدائل لها بما يتفق مع التغيرات المجتمعية

وفي الحقيقة، فإن الفروق الطبقية والفئوية القديمة ما زالت قائمة وفاعلة، ولكن المشاركة الذهنية بين مكونات الطبقة الوسطى الجديدة تجعل مثلا من التفاهم بين مهندس من خلفية بدوية وطبيب من خلفية حضرية تقليدية، أكثر يسرا من التفاهم بين بدوي وحضري وفق الحدود الاجتماعية التقليدية. بل وربما كان التفاهم بين أمير من التكنوقراط وغيره من التكنوقراط، وعلى اختلاف جذورهم الاجتماعية التقليدية، أكثر يسرا من التفاهم بين أمير تقليدي وأمير من الجيل الجديد.

المراد قوله هنا هو أن هناك لغة مشتركة، وعادات مشتركة، وقيما مشتركة، وحتى أذواقا مشتركة، نابعة من ذهنية مشتركة، بدأت تشكل الإطار العام الذي يعين حدود هذه الطبقة الجديدة، ويشكل مركز التماسك فيها إلى حد بعيد، أو قل هويتها الخاصة في مقابل هويات اجتماعية متعددة، منها التقليدي ومنها الحديث. ولكن المشكلة أنه وفي السنوات الأخيرة، بدأت هذه الطبقة الوسطى في التأكل نتيجة عامل استشرى كثيرا في العقدين الأخيرين من تاريخ البلاد، حتى كاد يُصبح ظاهرة، بل وتحول إلى ظاهرة، ألا وهو الفساد، بما يتضمنه من محسوبية وتعديات مختلفة الاتجاهات على المال العام، بما يُهدد الاستقرار الاجتماعي ومن ثمة الاستقرار السياسي، فكلا النوعين من الاستقرار مترابطان ترابط الليل بالنهار، والنهار بالليل، ولكن هذه قصة أخرى.

دولة في دائرة الضوء

من الناحية السياسية والاقتصادية، أضحت المملكة خلال العقود الماضية دولة في دائرة الضوء، سواء على الصعيد الإقليمي، أو على الصعيد العالمي. تغيرات اجتماعية كثيرة خلال سنوات معدودة، رافقها تغيّر في القيم الاجتماعية، وتطلعات وآمال الفئات الجديدة. ومع الثورة المعاصرة في وسائل الاتصالات والمعلومات، فإن التغيّر الاجتماعي يأخذ أبعادا أكثر جذرية، وأكثر سرعة، في عالم يكاد يتحول إلى مجتمع واحد في الحقيقة.

والسعودية لا يمكن أن تكون بمعزل عن التغيرات التي تعصف بعالم اليوم ومجتمعاته، فهي جزء من هذا العالم لا غنى لها عنه، ولا غنى له عنها، طالما كنا جميعا شركاء في كوكب واحد لا خيار لنا غيره، في هذه المرحلة على الأقل من تاريخ البشرية. وبالتالي، فإنه لم يعد من الممكن تطبيق معايير المجتمع البسيط وضوابطه، على مثل هذا المجتمع المعقد والمتعولم، بمثل ما أنه لا يمكن التعامل مع الآلة، بصفتها أداة هذا الزمان، والمعلومة، بصفتها روح هذا الزمان، بذات القوانين التي كان يُتعامل بها مع بهيمة الأنعام، بصفتها أداة ذاك الزمان، والخرافة، بصفتها معلومة ذاك الزمان. ولذلك أظن، وليس كل الظن إثم، أن ما نعانيه اليوم من تخبط فكري، وتشدد ديني، وإرهاب هو عرض لمرض وليس ذات المرض، هو نتيجة لاصطدام مفاهيم وقيم الحداثة، بالمفاهيم والقيم الدينية المفسرة على أساس تقليدي، في إطار خطاب ديني معبر عن مجتمع تقليدي بسيط لا يعبر عن الحركة الطارئة، وفق سياسة الحداثة في إطار تقليدي، قد أدت في النهاية إلى حالة “سمك، لبن، تمر هندي”، التي نعيشها إلى حد كبير.

وعلى ذلك فإن كثيرا من القضايا، وما يُعتبر من المسلمات، تجب إعادة التفكير فيها، ومحاولة إيجاد حلول وبدائل لها بما يتفق مع التغيرات المجتمعية الحادثة، سواء على الصعيد المحلي، أو على الصعيد العالمي. لا شك في أن الدين يشكل أساس الشرعية للكيان السعودي، دولة ومجتمعا، بشكل عام، ولكن مما لا ريب فيه أيضا أن الإسلام دين شامل وعام وقادر على استيعاب مختلف التطورات والتغيرات، وإعطاء مضامين جديدة لمفاهيم قديمة، وليس مذهبا بعينه، أو تفسيرا بذاته، أو رأيا واحدا لا رأي خلافه.

كما أن الخطاب الديني الذي استوعب تغيرات العصور الإسلامية المختلفة وتحولاتها، وأنتج لنا هذا الكم الهائل من التراث الحضاري والثقافي، غير عاجز عن استيعاب متغيرات العصر وتحولاته، متى ما توفر شرط واحد ورئيس، ألا وهو إرادة التغيير، وقبل ذلك الاقتناع بضرورة التغيير، والإيمان بمفهوم التغيير، والذي دونه لا معنى لأي شيء. ففي عصر مثل عصرنا، أصبح التغير هو الطريق الأوحد نحو الاستقرار، الاجتماعي والسياسي معا. فرغم أن التغيير والاستقرار قد يشكلان نوعا من الإشكالية أو حتى المفارقة، إلا أنهما عمليا ينصهران في بوتقة الجدل الاجتماعي، وينتفي بالتالي تناقضهما النظري.

معادلة سياسية سعودية

ما من شك أن الحكومات السعودية المتعاقبة، قد حاولت أن تتواءم مع متغيرات الزمان والمكان، وفق معادلة سياسية سعودية أصبحت معروفة للجميع: عدم استعجال التغيير، مع عدم تحبيذ الجمود. ونجحت هذه المعادلة في مواضع وحالات كثيرة. والدليل البسيط على ذلك هو استمرارية الاستقرار السياسي والاجتماعي في السعودية، مقارنة بوضع بلدان مجاورة وغير مجاورة. وعندما نقول “نجحت”، فإن الأمور لا تؤخذ على إطلاقها، فكل شيء نسبي في ما يتعلق بشؤون السياسة والاجتماع. فنجاح الأمس لا يعني ديمومة النجاح، إذ قد يتحول نجاح الأمس ذاته إلى عائق في طريق نجاح اليوم والغد. ومن هنا تبرز أهمية ما هو مُتحدّث عنه من ضرورة جعل مفهوم “التغيير” “ثابتا” من ثوابت التخطيط السياسي والاجتماعي بشكل عام.

فمتغيرات اليوم ليست كمتغيرات الأمس، حيث الإيقاع السريع، والحركة التي لا تهدأ حتى لمجرد التقاط الأنفاس، ومن لا يستوعبها فإنها في النهاية تبتلعه بالرغم منه وبالضرورة. وبذلك يمكن القول إن العنوان الأوسع لعصرنا، وإلى حد كبير، هو ذلك المثل العربي القديم: “إن لم تكن ذئبا، أكلتك الذئاب”، بالرغم من كل الحضارة التقنية لهذا العصر، وربما بسببها. وكي تكون ذئبا يجب أن تفكر كالذئاب، وتتحرك كالذئاب، وتتصرف كالذئاب، كي تكتسب احترام بقية الذئاب، وتتحاشى أذى الضباع الشاردة وكلاب الطريق. ومن هذا العنوان الرئيس، ينبثق سؤال العصر وما يتضمنه من إجابات وخيارات: هل نريد أن ننتمي إلى فصيلة الذئاب، أم أنه حُكم علينا أن نكون مما تأكله الذئاب وغير الذئاب؟ سؤال مفتوح لكل الخيارات والإجابات، ونحن في النهاية من يختار.. إن كنا عاقدين العزم على الاختيار، وعلى افتراض أن القدرة على الاختيار ما زالت قائمة.. هذا، ويبقى الأمر لله من قبل ومن بعد.

تركي الحمد

:: مقالات أخرى لـ تركي الحمد

تركي الحمد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر