الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

المجتمع المغلق

النقد العربي في مرحلة ما بعد النهضة، كان يراهن على الانتقال بالقضايا المعرفية والجمالية، إلى الأسئلة الثقافية الكبرى، فطالما قرنت النزعة الأكاديمية بمجافاة الحرية، والخضوع للتقاليد المؤسسية.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/12/07، العدد: 10478، ص(15)]

حضرت قبل أسبوع حفل تكريم أستاذ مرموق بالجامعة المغربية، كان الحضور في مجمله مكونا من طلبة كلية الآداب وأساتذتها، ممن تربطهم وشائج مختلفة بالمكرّم، في لقاء أشبه ما يكون باحتفال داخلي خاص. بدا لافتا الغياب الكبير لشرائح الكتاب والفنانين والسياسيين والقراء المهتمين بقضايا الثقافة المغربية، والحال أن الأمر يتعلق بباحث كبير وناقد صاحب إنجاز كبير في الثقافة المغربية.

صورة شكلت مرة أخرى تنويعا على قناعة راسخة بداخلي ترى أن الناقد العربي، على الأقل ابتداء من ستينات القرن الماضي، بالرغم مما راكمه من إنجازات وحققه من مآرب معرفية وثقافية، لم ينجح في تخليد أثر واضح في المجتمع الثقافي الواسع، وفي مد جسور بين رهاناته المعرفية وبين النقاش العام حول قضايا العدالة والتقدم والديمقراطية ودولة المواطنة الحديثة.

ومن ثم فإن ما سعى هذا الناقد العربي إلى تحقيقه من رهانات تحديثية، بقيت حبيسة الحرم الجامعي، وفي ارتباط بالمجتمع الأكاديمي المغلق، دون أن تتخطاه إلى المحيط الحاضن، أي إلى الممارسة الثقافية والفكر الديني والسياسي، بما يضاهي، على الأقل، ذلك الذي رسم ملامحه طه حسين حين نجح في خلخلة العقيدة والمجتمع التقليديين، وربط بين دراسة الخطاب الأدبي والنصوص الدينية وتفسيراتها المتوارثة واستعمالاتها الفكرية والعقدية والسياسية.

والشيء الأكيد أن النقد العربي في مرحلة ما بعد النهضة، كان يراهن على الانتقال بالقضايا المعرفية والجمالية، إلى الأسئلة الثقافية الكبرى، فطالما قرنت النزعة الأكاديمية بمجافاة الحرية، والخضوع للتقاليد المؤسسية التي غالبا ما تصادر روح الإبداع النقدي، وتبقى رهينة الرتابة الأداتية والاقتباس والمصطلحية، والتخصص الضيق. غير أن هذا الطموح لم ينته إلى إنتاج “وعي نهضوي” واضح المعالم، وإنما أفرز ما يمكن وسمه بـ“الوعي النهضوي الزائف”، الذي بقدر ما امتلك طموحا تحديثيا ظاهرا، فإنه لم يبارح “الخطاب” إلى التحقق، وتواءم في العمق مع واقع الاختلال المتأصل في المجتمع، وما صاحبه من عدم تكافئ في فرص العيش.

طبعا سيلقى هذا الارتداد رعاية مالية ومعنوية من قبل الدولة المحافظة، المناهضة للإصلاح، حيث لم يعد الناقد جزءا من قاعدة معارضة لها، وإنما “علما” مجتهدا في حقله الخاص، الذي يتجلى في الغالب ضمن قضايا جمالية صرفة، لا تنشغل من قريب أو بعيد بالأثر الهارب للخطاب النقدي من صميم المجتمع. لهذا لم يعد غريبا هذا الخصام الظاهر اليوم بين الخطاب النقدي وقاعدته القرائية، الذي تحول في الكثير من الأحيان إلى اتهام من قبل مجموعة من القراء للنقاد والباحثين في اللغة والآداب بالنخبوية والانغلاق، وستعكسها صور القاعات الفارغة، والاحتفاليات التي يحضرها الباحثون لبعضهم بعضا أداء لواجب الزمالة.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر