الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10515

الثلاثاء 17 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10515

عبدة الماضي.. تراثا وأفرادا

مصر الرسمية تتيح لطائفيين اعتلاء منابر المساجد، وتسمح بحزب ديني مخالفة للدستور 2014، ومن يستمع إلى عبدالفتاح السيسي... دون أن يعرفه، يظنه واليا على إمارة إسلامية لا رئيسا.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/12/20، العدد: 10491، ص(9)]

من ثمار ثورة 25 يناير 2011 نزع القداسة عن أي شخص ومنصب ومؤسسة، الرئيس ورجال الدين والجيش. لا عودة إلى تهمة “العيب في الذات الملكية” التي تحولت إلى إهانة رئيس الجمهورية. إن لم ينجز الوعي الثوري غير التحرر من ذلك الميراث لكفاه، وقد أسقط قاموس الجيل الشاب هتاف “بالروح بالدم نفديك”، وهو التطور الطبيعي لألقاب تكفي لإفساد الأنقياء فما بالنا بملك مصر فاروق “محبوب الرعية”، “الملك الصالح”.

في يوم الخميس 20 يناير 1938 عقد قران الملك قبل بلوغه الثامنة عشرة، وطلبت مجلة “المصور” كتابة كلمة تهنئة من شخصيات عامة؛ ليتضمنها سجل أصدرته في الشهر التالي، فكتب صاحب القبضة الحديدية محمد محمود رئيس الوزراء الذي عطل الدستور عام 1928 أن “صوت الشعب من صوت الله”، وأن فرح المصريين بالملك منذ اعتلى العرش “آية الرضا من الله عز وجل والحجة البالغة على أن العهد الذي أراد الله أن يجعل ملك جلالته فاتحته، عهد الاستقلال”. أما محمود بسيوني رئيس مجلس الشيوخ فكتب “أرى لزاما علي أن أتوجه بأسمى عبارات التحية والإجلال، إلى مليكي المحبوب فاروق الأول، وأن أعلن لجلالته صادق الطاعة وخالص الولاء بصفتي فردا من أفراد رعيته الأمناء. أما الطاعة فمرجعها أوامر الدين القويم”، ووصف فاروق بأنه “عزيز مصر”.

وبدأ حايم ناحوم أفندي حاخام اليهود الأكبر تهنئته بأن الله تعالى “أبت إرادته إلا أن يكون الفاروق المحبوب شفيعا للمصريين قاطبة”. في حين خلا “شكر المليك” الرسمي من كلمة مصر أو الشعب المصري، مقابل تكرار كلمة “شعبي”، واغتباطه بحب شعبه “لشخصي ووفائكم لعرش آبائي”، وكأن الملك وعائلته، بداية من جده تاجر الدخان محمد علي، هما اللذان اخترعا الشعب؛ فينسبانه إلى العائلة. نسفت ثورة 25 يناير فكرة الملك المفدى والزعيم الملهم، ووارت مفاهيم منها الثنائية المربكة “الأصالة والمعاصرة” التي لم أتوصل لأول من أطلقها، ربما كان حسن النية، ولكنه أورث الأجيال زهوا زائفا وهم يعتصمون بكل ماض ولو قاتلا؛ تفاديا لشرور الحداثة وأسئلتها وقلقها الذي لا ينتهي، كما أورث الفريق الآخر نفورا من كل منجز سابق، بوهم تناقض أي تراث مع روح العصر.

لا أعفي صاحب هذه الثنائية من الغرض؛ إذ يذهب القصد إلى أن “الأصالة” تعني التراث الديني وحده، ليس النص الإلهي وإنما تأويلاته وشروحه وشروح الشروح، والهوامش على شروح الشروح. وأمام هذا الانتقاء يستبعد التراث العلمي والأثري والمعماري والأدبي والموسيقي والغنائي والصوفي والفلسفي، وقد تعرض بعض أعلامه للتهميش، وقدموا إلى محاكمات صورية تلاها قتل وحشي لا تفسير له إلا سادية الانتقام من الأفكار. ويعلم أحمد الطيب شيخ الأزهر الإرث الدامي بحكم تخصصه العلمي، ولكنه وضع الأزهر في تحد مع البرنامج التلفزيوني “مع إسلام”، ورفع دعوى قضائية لوقفه، لأنه “اعتاد على التطاول والهجوم على الشريعة الإسلامية والتراث الإسلامي… مستغلا حرية التعبير والاتصال المكفولة دستوريا في هدم تراث الأمة”، أما الفتاوى الطائفية التي يضخها رموز السلفيين المصريين فلا تثير البعض من غضب شيخ الأزهر.

كان شيخ الأزهر عضوا في الحزب الحاكم، وموقفه يتسق مع أحوال مصر بعد انتكاسة ثورة 25 يناير، والانطفاء المؤقت للآمال المعلقة عليها. مصر الرسمية تتيح لطائفيين اعتلاء منابر المساجد، وتسمح بحزب ديني مخالفة للدستور 2014، ومن يستمع إلى عبدالفتاح السيسي في البعض من خطاباته الرسمية، دون أن يعرفه، يظنه واليا على إمارة إسلامية لا رئيسا لأقدم دولة في التاريخ، لاستبعاده التفكير العلمي وعقلانية التخطيط الاستراتيجي وميله إلى كلام فضفاض عن حماية الله للبلاد وعدم الحسم في ثنائية الدعوة والدولة. في 12 مايو 2015 كتبت في “العرب” مقالا عنوانه «ابتذال المعنى في قضية تجديد الخطاب الديني»، عن شكوكي في جدوى شعار أطلق بأمر رئاسي أول أيام 2015، لأن الذين يطلب إليهم التجديد هم الحريصون على حماية “تراث الأمة”، فماذا جرى بعد عامين؟

في الاحتفال بذكرى المولد النبوي (8 ديسمبر 2016)، قال السيسي إن أحدا لا يستطيع مس الثوابت والمعتقدات الدينية لدى الشعب المصري. هذا لا يحتاج إلى تأكيد، فلم يشر مصلح منذ ما قبل الشيخ محمد عبده في نهاية القرن التاسع عشر إلى المساس بعقيدة أو ركن من أركان الدين، فالأمر يتعلق بمناقشة الفهم البشري. بعد عامين من إعلان السيسي عن تجديد الخطاب قال إنه دعا إلى تشكيل لجنة من علماء الأزهر والاجتماع والنفس لوضع خطة مدتها خمس سنوات لتجديد الخطاب الديني. فماذا كانت مفاجأة شيخ الأزهر في الاحتفال نفسه؟

استند الطيب إلى أبيات لأحمد شوقي، وفسرها بأن أمير الشعراء كان “يحذرنا مما يسميه ‘عصابة مفتونة’ تتنكر لكل ما هو قديم، حتى كادوا ينكرون آباءهم وأجدادهم لأنهم قدماء.. وأنهم مغرمون بهدم القديم، وليس في أياديهم جديد يقدمونه، وإذا أتوا بجديد فإنما هو الرثاثة والضحالة والثرثرة.. ظن الكثير من الصغار أن لهم قامات يساوقون بها مناكب العظماء والمصلحين، والعلية ممن لا يجود الزمن بأمثالهم إلا واحدا بعد واحد، وعلى سبيل الندرة، والاستثناء… ولا مفر مع هذه الآفة التي يبعثها الغرور ويثيرها النـزق، من أن تضطرب القيم، وتهتز المعايير، وتنبهم معالم الحق، وتهبط قيمة الضمير الإنساني إلى الحضيض”. وبعد هذا البيان لا مجال لاجتهاد يعيد النظر في “اجتهاد” شيخ صار مقدسا مثل متولي الشعراوي.

ستقضي المحاكم المصرية قريبا في دعوى رفعها مريدون وورثة الشعراوي على الإعلامي مفيد فوزي لقوله إن بعض تصريحات الشعراوي مهدت للطائفية. وقد ظننت السجال ذا الطرف الواحد لن يبلغ المحاكم، ويقتصر على برامج التلفزيون والصحف، ويكفي ما كتبه عبدالمنعم فؤاد أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر في “الأخبار”، مؤكدا أنه “لا يختلف اثنان في الاعتراف بكونه نموذجا فريدا لا مثيل له في القرن العشرين لعالم رباني ومفكر وفيلسوف ومفسر وفقيه وطبيب نفسي وأستاذ علم اجتماع، ومرجع لشباب الأمة في الوطنية والقيم والأخلاقيات وهو مولانا فضيلة الشيخ الشعراوي… الهرم المصري العظيم.. إمام الدعاة.. ابن المنهج الوسطي.. إمام المعتدلين”.

منذ زمن لم أقرأ الكليشيه المضحك “لا يختلف اثنان”، ولم يشطح بي الخيال لكي أقرأه لمن له علاقة عرضية بالفلسفة التي يقتلها كمدا هذا اليقين، ويسهل القول إنني “أختلف” في الكثير مما منحه الكاتب للشعراوي أشهر من خلط النسبي بالمطلق، فسجد لله شكرا على هزيمة بلاده في يونيو 1967، ورفض وهو وزير للأوقاف وشؤون الأزهر انتقاد رئيسه “لو أن الأمر بيدي لجعلت الرئيس المؤمن محمد أنور السادات في مقام الذي لا يسأل عما يفعل”، ولكن محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية، وهو صديق قديم للسادات اتهم معه في قضية اغتيال أمين عثمان وزير المالية عام 1946، لم ير فيه وليا للأمر، بل رئيس دولة، واعترض على تنازلات السادات في كامب ديفيد واستقال.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر