الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

التيارات التكفيرية وخيانة السياقات القرآنية: تسويغ الإرهاب

  • قادة عصابات التقتيل ومنظرو الإسلام السياسي، يأخذون مفهوم الجهاد في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية نحو أهدافهم ونزعاتهم الإجرامية، فلا يفهمونه إلا قتلا وتدميرا وغدرا بالنفوس الآمنة والبريئة، في حين أن التمعّن في الكتاب والسيرة، يجعلنا نقف عند حقيقة مدعمة بالوقائع والأرقام، وهي أن القتال هو جزء بسيط يتعلق بمقتضيات عسكرية تخص الدولة وليس الفرد، وهو لا يعني الجهاد الذي يأخذ منحى روحيا وأخلاقيا وتربويا.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/12/28، العدد: 10497، ص(13)]

العنف هو المرحلة التالية لتوظيف النص

يزعم التيار الجهادي أن ما يقوم به من أعمال إرهابية وتقتيل وتخريب يدخل تحت مسمّى “الجهاد” المشروع في الإسلام، وهي مغالطة تعكس تأويلا مريضا للنصوص الدينية والتجربة التاريخية الإسلامية، حيث يعتمد أصحابه على أحاديث ضعّفها جمع من العلماء قديما وحديثا، مثل الحديث الذي جاء فيه “بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبّه بقوم فهو منهم”، أو الحديث الذي ينسب فيه الوضّاعون إلى النبي عليه السلام قوله “أنا الضحوك القتّال”.

والمتأمل في السياقات القرآنية التي وردت فيها الإشارة إلى الجهاد سوف يقف على أنه لم يشرع من أجل العنف والقتل، وأن معنى القتال فيه ضئيل مقارنة بالمعاني الأخرى، التي هي التزكية النفسية والروحية ومجاهدة النفس والشيطان والتغلب على الشهوات.

وقد فرّق القرآن بين الجهاد والقتال، وإن كانا يأتيان ملتصقين أحيانا في بعض الآيات، في المواضع التي يكون فيها معنى الجهاد يعني القتال، وذلك لأن الجهاد أعم من القتال وهذا الأخير جزء منه فقط.

ويرجع هذا التمييز إلى أن الجهاد يتعلق بالفرد بينما القتال يتعلق بالجماعة أو الأمة. فقد تكررت مشتقات القتال في القرآن الكريم حوالي 170 مرة، بينما ورد الجهاد 38 مرة فقط، ونعتقد أن هذا التباين في العدد يدل على أن القتال يهم الأمة بشكل عام للدفاع عن القضايا الكبرى فيها، بينما الجهاد متعلق بالأفراد ويركز على التربية والمجاهدة الروحية في الشق الأكبر منه.

ويتصور البعض، ومنه التيار الجهادي التكفيري، أن القتال هو الأصل في الإسلام وفي الدعوة إليه. وقد غلّب هؤلاء الجانب المتعلق بالحروب في حياة النبي على حساب الجوانب الأخرى، وضخموا من حجم المغازي والسير التي خاضها في حياته عليه السلام، واستدلوا بأحاديث ضعيفة لتأكيد وجهة نظرهم.

غير أننا إذا راجعنا المصادر التي تتحدث عن عدد الغزوات والسرايا التي حصلت في زمن النبي عليه السلام وقسمنا ذلك العدد على أعداد القتلى من الجانبين لظهرت لنا المفاجأة. يذكر ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري شرح صحيح البخاري” أن النبي قام بـ24 غزوة، في رواية لسعيد بن المسيب، وقال البعض إنها 27 غزوة؛ أما السرايا والبعثات فهناك من يقدرها بـ36 بعثة وسرية، أوصلها الواقدي إلى 48، وابن الجوزي إلى 56، والمسعودي إلى 60، ومنهم من أوصلها إلى 100؛ والغزوة هي العملية العسكرية التي شارك فيها النبي، بينما السرية هي الغزوة التي لم يشارك فيها، فيكون المجموع ـ وفقا للحد الأدنى ـ 72 عملية.

القتال يهم الأمة للدفاع عن القضايا الكبرى فيها، بينما الجهاد متعلق بالأفراد ويركز على التربية والمجاهدة الروحية

وقد قام الباحث المتخصص راغب السرجاني، باحتساب أعداد القتلى من المسلمين والكفار خلال تلك الغزوات، اعتمادا على ما جاء في كتب الصحاح والسنن والمسانيد، وروايات كتب السيرة والتاريخ، فوجد أن عدد شهداء المسلمين كان 262 شهيدا، وعدد قتلى الكفار والمشركين 1022، فيكون المجموع من الجانبين هو 1284.

ولو قارنا هذا العدد بما كانت تخلفه الحروب والمعارك التي كانت تقع في المجتمعات العربية قبل الإسلام لوجدنا الفرق مذهلا. ويكفي القول بأن حرب داحس والغبراء الشهيرة التي حصلت في الجاهلية بين قبيلتي عبس وذبيان، خلفت الآلاف من القتلى واستمرت أربعين سنة، بينما كانت مدة البعثة النبوية 23 سنة فقط. هذا دون الحديث عن الحروب الأخرى التي كانت تقع بين القبائل العربية، مثل حرب الأوس والخزرج التي استمرت 140 عاما أي أكثر من أربعة أجيال، وحرب البسوس التي دامت أربعين سنة، وحرب الفُجار التي دامت أربع سنوات، وغيرها. هذا دون الحديث عن الحروب المعاصرة، فقد خلفت الحرب العالمية الأولى على سبيل المثال 37 مليون قتيل، بين مدنيين وعسكريين، ناهيك عن المعطوبين والمفقودين.

ويظهر لنا من خلال ما سبق أن الإسلام لم يأت من أجل القتل، وأن القتال كان هو الاستثناء، بينما القاعدة كانت هي الدعوة باللين والحسنى. والتفسيرات والمواقف التي تركز على جانب القتال والعنف في السيرة النبوية تناقض ما كان عليه الرسول الكريم من تسامح ورحمة في التعامل مع الناس، بمن فيهم الكفار والمشركون وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. إن المئات من الأحاديث النبوية التي تمتلئ بالرحمة لا يمكن أن تقف أمامها تلك التفسيرات المجحفة في حق النبي عليه السلام. ويكفي الوقوف

على بعض الأحاديث لتبيّن أن الإسلام جاء رحمة بالناس لا نقمة عليهم، فقد ورد في الحديث الصحيح “إنما أنا رحمة مهداة”، وورد أيضا “إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف”، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره حتى كلمة الحرب، حتى أنه قال “أقبح الأسماء: حرب ومُرة”.

فكيف يمكن أن يصور النبي كشخصية مزدوجة، يدعو إلى نبذ العنف ويحث على اللين والرحمة في الصباح وفي المساء يصبح داعيا إلى السيف والقتل؟ وقد مدح الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم النبي لأخلاقه ومعاملته الحسنة مع الآخرين، فقال “وإنك لعلى خلق عظيم” (القلم.آية 4). وقال أيضا “ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك” (آل عمران.آية 159)؛ والفظ هو الجافي الخشن في المعاملة، وغليظ القلب معناه الخالي من الرأفة والرحمة.

وبقراءة هذه النصوص وسواها، يتبيّن لنا أن العنف شذوذ في الإسلام وأن التفسيرات الخبيثة التي تصور الجهاد على أنه قتال للناس وسفك للدماء هي تفسيرات من خارج النص لا من النص ذاته، ومعنى ذلك أن النفوس المريضة التي تنظر بنظرة سوداء إلى العالم ولا ترى إلا الأبيض والأسود هي التي تلقي على النص ظلالا من القسوة والعنف، وتجعل الإرهاب وسيلة لخدمة أغراضها لا لخدمة الإسلام، فكأنهم بذلك يريدون أن يؤكدوا بأن الاعوجاج في النص لا في تأويلاتهم الملتوية، ويصدق عليهم قول أبوالطيب المتنبي “ومن يك ذا فم مر مريض/ يجد مرا به الماء الزلالا”.

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر