الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

كتاب جدة بين الاتحاد والرقيب

الرقابة السعودية اتخذت موقفاً من كتب الإخوان ومن كتب حزب الله بالجملة، بالإضافة إلى الكتب التقليدية ذات الهامش الثلاثي المحرّم من جنس ودين وسياسة.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/12/31، العدد: 10500، ص(15)]

عادة، لا تنظِّم الدول معارض الكتاب من أجل الكسب المالي، أو هكذا يجب أن يكون عليه الأمر، حيث تهدف المعارض بالدرجة الأولى إلى توفير الكتاب بسعر يتناسب مع متوسط دخل الشعب، ويهدف إلى رفع المستوى الثقافي لدى المواطن ولدى أسرته ومجتمعه، وذلك عبر إتاحة الكتاب للجميع ضمن مهرجان ثقافي تتوفر فيه الفعاليات والأنشطة الفنية والأدائية والمحاضرات والورش والندوات، يُستضاف فيه الكتاب والمؤلفون ليلتقوا بقرائهم.

نعم، لا بأس من استثمار ذلك على نحو تجاري ضيق من خلال عقد شراكات مؤسساتية تقدّم خدماتها بصورة محترفة ومدعومة من الجهة الرسمية المنظمة للمعرض دون أن يتسبب ذلك في رفع قيمة الكتاب على القراء، أو إنزال الأعباء على دور النشر المشاركة برفع إيجارات أجنحتها فوق المتعارف والمتفق عليه، الأمر الذي سينعكس قطعاً على سعر الكتاب.

لماذا أكتب هذا الكلام؟ قبل افتتاح معرض الكتاب في نسخته الثانية بمدينة جدة في ديسمبر الجاري دار خلاف كبير بين إدارة المعرض وبين اتحاد الناشرين العرب، وقد تمحور حول أمرين، الأول له علاقة بإدارة المعرض، وتمثّل في غلاء إيجار أجنحة العرض، والثاني مرتبط بسياسة الرقابة على الكتب لدى الوزارة، لا سيما بعد تداعيات الربيع العربي وإفرازاته الأيديولوجية، حيث اتخذت الرقابة السعودية موقفاً من كتب الإخوان ومن كتب حزب الله بالجملة، بالإضافة إلى الكتب التقليدية ذات الهامش الثلاثي المحرّم من جنس ودين وسياسة.

على إثر هذا الخلاف انسحب الاتحاد من المشاركة الرسمية تاركاً حرية الاختيار للناشرين بالمشاركة الفردية من عدمها دون أي رعاية منه، القرار الذي جعل الاتحاد يبدو ضعيفاً لا يستطيع أن يتخذ موقفاً حاسماً يكسبه احتراماً وقوة أمام المنظمين في المملكة وخارجها. الأمر الذي جعل المعرض -كما أشار الكاتب السعودي علي سعيد- محلياً لا يمكن وصفه بالدولي.

ويبدو أن المنظمين في السعودية غير مكترثين كثيراً لمشاركة الاتحاد، ربما لإدراكهم التام لضعفه في هذه المرحلة الزمنية من التاريخ العربي المنقسم على نفسه، إذ سرعان ما فتحوا الأبواب، ومدّوا جسور التواصل إلى دور النشر العربية المنضوية تحت الاتحاد، والبالغ عددها 445 دار نشر، وإلى دول خليجية وعربية وإسلامية وعالمية، مثل: تركيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا والسويد وإيطاليا والهند، وإلى دول جديدة تشارك لأول مرة، هي باكستان وألمانيا وماليزيا والصين.

هذا التواصل السريع والذكي سيجعل الاتحاد يفكر كثيراً في استقلاليته وفي قدرته على تكوين رأي عام متفق عليه من قبل الناشرين العرب حيال أي مأزق يصيبهم لاحقاً، فطالما أن المنظمين لأي معرض عربي قادم يستطيعون أن يمدوا عقودهم إلى حيث يريدون وفق اشتراطاتهم فليس هنالك أي معنى للاتحاد ساعتها، إذ سيكون من العصي عليه أن يحقق شروطه في أي استحقاق قانوني لأي دولة تخل بشروطها طالما أن الأمر متروك لقرار الناشرين منفردين كل باختياره وقدراته واستطاعته ومزاجه وعلاقاته.

كنت أتمنى لو أن الاتحاد قرر بشكل صارم عدم المشاركة إلا بعد تحقيق شروطه حتى يساعدوني كقارئ سعودي عربي كوني على توفير أمرين، الأول أن أحصل على الكتاب بتكلفة معقولة، والثاني أن يخفف عليّ من سطوة الرقيب الإسمنتي الذي توقف تفكيره في فترة السبعينات والثمانينات من القرن العشرين ولم يقم بإعادة تحيين أو تنشيط معلوماته منذ ذلك الوقت. فقد عُرِض مليون كتاب، وشاركت 27 دولة، وحضرت 450 دار نشر، كانت جميعها وفق مزاج الرقيب وسعره.

كان من الممكن أن يشكل قرار الاتحاد ضغطاً جديداً على الرقابة في وزارة الثقافة والإعلام التي يمنع موظفوها الكتاب لمجرد المنع والشبهة والاحتمال، أو لدفع الضرر المحتمل في زمن الإنترنت والفضاء المفتوح. ولكن للأسف، لقد كانت مطالبات الاتحاد مشروعة وعادلة وقانونية لكنها ضعيفة في زمن أصبح فيه الناشرون منقسمين على أنفسهم تماماً كانقسام المعسكرات العربية بعد الربيع.

شاعر من السعودية

زكي الصدير

:: مقالات أخرى لـ زكي الصدير

زكي الصدير

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر