السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

منطق العلاقة بين الحضارات

انتقال منجزات الحضارات إلى حضارة صاعدة تَمَّ ويتمُّ وفْقَ آليةِ انهيار حضاراتٍ غَدَتْ إرثاً للحضارة الصاعدة، أو بسياسة مقصودة للحصول على منجزات حضارة قوية.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2017/03/21، العدد: 10578، ص(14)]

كنت قبل عقد من الزمان قد كتبت دراسة طويلة تناولتُ بالنقد فيها مصطلحين انتشرا آنذاك بعد صدور كتاب “صدام الحضارات” وهما “حوار الحضارات” و”صدام الحضارات”.

خلصت إلى نفي أن يكون هناك صراع أو حوار بين الحضارات، وها نحن نشهد اليوم استعادة الحديث عن صراع الحضارات، وها نحن أيضا نشهد الآن عودة إلى تفسير ما يجري في العالم على أنه مَعلم من معالم صراع الحضارات.

والحق أنه لدى استقراء حالات العلاقات بين الحضارات تاريخيا، تبين لي أن هناك منطقا للعلاقة بين الحضارات يقوم على المبادئ الآتية:

المبدأ الأول: إن الحضارة الوليدة الناهضة قادرة على استدعاء منجزات حضارات سابقة أو معاصرة أو مخاصمة لها، أي تستطيع وهي فـي طور النهوض أن تعيد تكوين هذه المنجزات وصهرها فـي إطار نشأتها المخصوصة. ونقصد بالحضارة الوليدة الناهضة، حال أمة من الأمم وقد أنتجت قوى اجتماعية صاعدة (بفعل تطور أو هبّة اقتصادية سياسية) أخذت على عاتقها ملحمة إنجاز تاريخ جديد يتجاوز واقعها القديم.

المبدأ الثاني: وهو أنّ انتقال منجزات الحضارات إلى حضارة صاعدة تَمَّ ويتمُّ وفْقَ آليةِ انهيار حضاراتٍ غَدَتْ إرثاً للحضارة الصاعدة، أو بسياسة مقصودة للحصول على منجزات حضارة قوية. فحضارةُ اليونان أخذت إرث الحضارتين المصريّة والسوريّة فـي مرحلة جمودهما، وحضارةُ الإسلام أخذت عن حضارة كل من اليونان والرومان وفارس فـي فترة انهيارها وهزيمتها، كما أخذتْ حضارةُ الغرب تعبّ من حضارة الإسلام بعد أن أفلَتْ شمسُها. أخذت حضارة اليابان من الغرب وهكذا.

المبدأ الثالث: وهو أن الحضارات الراكدة، التي فقدت حيويَّتها، تتأثَّر بالحضارة المتحركة والحيوية وتستدعيها، ولكن دون أن تعيد إنتاجها ودون أن تخلق كيفاً حضارياً جديداً، فيظلّ تأثيرها خارجياً حتى لو شَرَعَتْ تترجم كلّ منجزات الحضارة القوية الصاعدة.

ونقصد بـ”الحضارة الراكدة” غيابَ قوى اجتماعيةٍ صاعدةٍ وفقدانَها نظرةً جديدةً إلى العالم، متعايشةً مع تناقضاتها دون أن تتحول هذه التناقضات إلى آليةِ تركيبٍ جديدٍ لعالمٍ جديدٍ.

المبدأ الرابع: وهو أنّ الحضارة العالميّة هي حضارةُ أمّةٍ عالميّةٍ وليست هي حضارات العالم. ونقصد بـ “الأمة العالمية”: الأمة التي وصلتْ إلى درجةٍ من التقدُّم الكُليّ صارت معها قادرةً على أن تَطْبع العالَمَ بطابعها، فتغدو حضارتُها عالميّةً، أي قابلة العالَمَ بطابعها، أي قابلةً للانتشار. وقابليتُها للانتشار هذه ناتجةٌ عن علاقة التفاوت بين الحضارة العالميّة والحضارة المحليّة. وإذّاك تغدو لغةُ الأمة العالميّة لغةً عالميةً، وأدبُ الأمة العالمية أدباً عالمياً، وعلم الأمة العالمية علماً عالمياً، وأفكار الأمة العالمية أفكاراً عالمية، وهكذا. المبدأ الخامس: لا يُمْكن إعادةُ إنتاج حضارةٍ بادت، ولا تكرارُها انطلاقاً من الشروط التي أنتَجَتْها.

وحُجَّتنا فـي ذلك هي التاريخ؛ فلم يَعْرف التاريخُ حتى الآن أنْ قامت حضارةٌ من مَوَاتها باستعادة تجربتها: فلا الحضارة الآشوريَّة بُعثت كما لم تُبْعث الحضارةُ اليونانيِّة، ولا الإسلامية. وأنْ يتحكَّم وهمُ إعادة تكرار حضارةٍ بادت لَمنْ شأنِهِ أن يزيد من الركودِ التاريخيّ.

المبدأ السادس: إن الحضارة القوية لا تحاوِر بل تُهيمن، ولا تتأثر بغيرها بل تُنتج مؤثراتٍ فـي غيرها حتى لو اكتسبتْ منجزات حضاراتٍ أخرى. والحضارة الراكدة لا تحاوِر هي أيضاً، بل تَسْتقبل كجهاز استقبالٍ ليس إلا، ولا يَنْتج من استقبالها كيفٌ جديدٌ للحضارة.

وبناء عليه لا يكون السؤالُ صحيحاً إلاّ إذا طرحناه على النحو الآتي: هل هناك إمكانياتٌ قابعةٌ في قلب الواقع تَسْمح لنا بالتفكير في صناعةِ حضارةٍ جديدةٍ؟

هذا هو قول التجربة التاريخية التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار حين نفكر في مستقبلنا.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر