الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

هيئة الترفيه الإسلامي

الإرادة السياسية كانت ومازالت قادرة على فعل أكثر من ذلك لو شاءت، فلقد شهد جميعنا غناء محمد عبده في سوق عكاظ بالطائف هذا العام، بحضور الأمير خالد الفيصل بينما مُنع في الرياض بعده بشهر واحد فقط.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2017/01/11، العدد: 10509، ص(14)]

استبشر الناس خيرا مع رؤية 2030 التي انطلقت بالمملكة العربية السعودية، ولا سيما في ما يخص الواقع الترفيهي بالبلاد التي تعيش جفافا في كل موارد المتع اليومية. فقد فتح باب استحداث الهيئة العامة للترفيه شهية المواطنين للتفكير العالي ناحية دور العرض السينمائية التي لم ترها السعودية حتى الآن، وناحية صالات الموسيقى، وحفلات الغناء، واستشعروا أنهم في مرحلة طلاق بائن مع ذاكرتهم القريبة المسكونة بالمنع وبالإلغاء وبحزمة كبيرة من المحرمات، كان آخرها إلغاء مهرجان جدة السينمائي قبل سنين قليلة بعد أن رأى مفتي المملكة أن للسينما أضرارا قد تتسبب في فتن كثيرة للمجتمع.

الآن، جاءت رؤية 2030 بهيئة الترفيه، وعلى إثرها، كتب أصحاب أعمدة الرأي في الصحافة السعودية المئات من المقالات التي تبشّر بعهد جديد سيقفز على كل الإرث الماضوي، وسيفتح صفحة جديدة مع الحياة، مسترشدا بوعي شبابي قيادي جديد، يرى الأمور بشجاعة، ويرسم ويقرر دون العودة إلى رجال الدين الذين سيضعون المعوقات أمامه، كما حصل قبل ذلك في قضايا ذات حساسية اجتماعية تتعلّق بالمرأة السعودية، حيث تم تعيينها في مجلس الشورى، وسُمح لها بترشيح نفسها في المجالس البلدية، وكذلك في قرار دمج الرئاسة العام لتعليم البنات مع التعليم العام، لقد قررت القيادة في السعودية كل ذلك من دون الرجوع إليهم. وباعتقادي إن الإرادة السياسية كانت ومازالت قادرة على فعل أكثر من ذلك لو شاءت، فلقد شهد جميعنا غناء محمد عبده في سوق عكاظ بالطائف هذا العام، بحضور الأمير خالد الفيصل بينما مُنع في الرياض بعده بشهر واحد فقط.

على العموم، لقد رفع الإعلام الرسمي من حالة المزاج العام للمواطنين، وأخذ بأحلامهم عاليا حتى وجدوا أنفسهم يتهاوون للأسفل مع وقع أخبار تتناقلها الصحف المحلية بين حين وآخر تفيد بإلغاء حفلة هنا أو مسرحية أو مهرجان هناك، “ويا فرحة ما تمت”، كما حصل مع إلغاء حفلة محمد عبده مع مجموعة من الفنانين العرب التي كانت مقررة في الرياض وجدة بمناسبة اليوم الوطني في سبتمبر الماضي، بعد حملة شرسة من المحتسبين، وكذلك إلغاء عرض كوميدي للممثل الأميركي مايكل إيبس في جامعة الأميرة نورة بالرياض قبل أسبوع من موعده، والذي كان مقررا في ديسمبر الجاري بالتزامن مع حملة دعوات في تويتر والفيسبوك لمنع الممثل الأميركي من تقديم وصلته الكوميدية بمشاركة نجوم كوميديين من الخليج، وذلك بعد أن اجتاحت القضية البيوت والأعمال والمساجد لتتحوّل إلى قضية رأي عام من خلال حملة تغريدات تطالب بمنع العرض، شارك فيها محتسبون وأكاديميون وأكاديميات من الجامعة نفسها، تبرّأوا فيها من فعل الجامعة “الأثيم”. الأمر الذي دفع بالجامعة إلى إصدار بيان تتبرأ فيه من الفعالية، وتوضح أنها أجّرت القاعة لشركة خاصة ضمن خطتها لاستثمار بعض منشآتها.

هذه المواقف المتتالية أشبه بجمل تاريخية كاشفة، تعود بنا إلى زمن قوة حركة الصحوة الإسلامية في ثمانينات القرن الماضي، حيث التشدد والمنع وملاحقة المثقفين والكتاب والفنانين، والتهجم عليهم، وتهديدهم، والتطاول على كل من يختلف معهم باللسان وباليد. والغريب في الأمر أن هيئة الترفيه لم تصرّح بأيّ كلمة، كأن الأمر لا يعنيها، أو كأنها تعمل -كما أشارت الكاتبة أحلام الزعيم- في الخفاء.

في مقابل ذلك، من الواضح أن موجة المنع والإلغاء العالية لن تتوقف طالما أن المزاج التنفيذي خاضع لإرادة الجماهير المسيطر عليها من قبل رجالات الدين دون أيّ اعتبارات لشريحة اجتماعية كبيرة أخرى ترغب في أن تستمتع في بلدها دون الحاجة إلى الهجرة الخليجية أو العربية أو الأوروبية أو العالمية من أجل حضور حفلة موسيقية أو مشاهدة فيلم سينمائي.

هذا التضييق يضع هيئة الترفيه في مأزق وإحراج أمام نفسها أولا، وأمام العالم ثانيا، إلّا إن كانت الهيئة تنوي أن ترسّخ كل فعالياتها في إطار إسلامي يختص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو في فعاليات على شاكلة كيفية تكفين الموتى، أو شاكلة سيرك للعوائل دون موسيقى، يترنّح الممثلون فيه على أنغام المؤثرات الصوتية البشرية، كما يحصل في المخيمات الصيفية للشباب الإسلامي، فهذا أمر آخر. ولكن، ساعتها، يجب عليها أن تخصص في برنامجها حفلة لتكسير الآلات الموسيقية، وأن تستبدل اسمها باسم “هيئة الترفيه الإسلامي”، أو “هيئة ترفيه شباب الصحوة”.

شاعر من السعودية

زكي الصدير

:: مقالات أخرى لـ زكي الصدير

زكي الصدير

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر