الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الحكومة الجزائرية تعجز عن الاستمرار في تمويل أركان السلم الاجتماعي

تدهور الوضع الاقتصادي في الجزائر يسير نحو العودة إلى سنوات أزمة الثمانينات وينذر بانهيار السلم الاجتماعي.

العرب صابر بليدي [نُشر في 2017/03/17، العدد: 10574، ص(4)]

بماذا ستواجههم الحكومة مستقبلا

الجزائر - تسير الحكومة الجزائرية في اتجاه الانحناء أمام إكراهات الأزمة الاقتصادية، بالتراجع تباعا عن أبرز مقومات سياسة شراء السلم الاجتماعي.

ويعكس ذلك عجزها عن الاستمرار في تمويل السكن، الشغل، الهياكل الصحية والبنى التحتية، من مداخيل الريع النفطي، ما يجعلها في مواجهة مباشرة مع الغضب الاجتماعي والاحتجاجات.

وفاجأ وزير السكن والمدينة ووزير التجارة بالنيابة عبدالمجيد تبون الرأي العام المحلي، بقرار وقف الحكومة لبرامج السكن، وبرر ذلك بالتفرغ لإنجاز البرامج المسطرة، والمقدرة حاليا بحوالي نصف مليون وحدة سكنية.

ويشكل السكن الممول من طرف خزينة الدولة، أحد أضلع سياسة شراء السلم الاجتماعي، المنتهجة من طرف السلطة الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، لاحتواء بوادر الغضب الاجتماعي المترسب في عدة مستويات، خاصة خلال اندلاع موجة الربيع العربي عام 2011.

وكان الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، قد وعد منذ اعتلائه السلطة في الجزائر عام 1999، بإنجاز مليوني وحدة سكنية، تضاربت الأرقام والتصريحات بشأن مدى تنفيذها.

وأثار توزيعها في عدد من المدن والمحافظات موجة من الاحتجاجات، نتيجة توزيعها أحيانا بالمحسوبية والمحاباة.

وتداولت على المشروع العديد من الحكومات، لكن وتيرة الإنجاز كانت بطيئة، مما حدا بالحكومة للاستعانة بشركات صينية وتركية وبرتغالية للوفاء بوعودها.

وتقوم السياسة الاجتماعية في الجزائر، المعول عليها في ضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي، على أوراق السكن الاجتماعي الممنوح مجانا للمستفيدين، وصيغ أخرى ممولة من طرف خزينة الدولة، فضلا عن الشغل والخدمات الصحية والتعليمية ودعم المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع. وشكلت المساهمات الاجتماعية للدولة ثلث الموازنات المالية السنوية، حيث تتراوح بين 20 و30 مليار دولار، بما فيها سنوات الأزمة المالية الأخيرة، ما ولد حالة اجتماعية وسياسية نادرة، كانت محل انتقادات الطبقة السياسية والمختصين.

وكانت الحكومة قد قررت في وقت سابق، إلغاء جملة من مشروعات الهياكل الصحية، والبنى التحتية والطرق البرية والحديدية، بسبب تقلص مداخيل الخزينة العمومية، وهو ما يرشح مؤشر البطالة إلى الصعود مجددا، باعتبار أن الاستثمارات الحكومية ظلت أكبر مستقطب لليد العاملة.

وقال وزير السكن والتجارة بالنيابة، إن “الحكومة مستمرة في تنفيذ برنامج الرئيس بوتفليقة، لكن بعض المعطيات تشير إلى تأجيل أو تجميد بعض المشروعات المتعلقة ببناء المستشفيات والسكك والحديدية والطرقات”.

وتعكس التصريحات انحناء الحكومة أمام تبعات الأزمة الاقتصادية، وتراجعها التدريجي عن السياسة الاجتماعية والخيارات الشعبية.

وتتوجه الحكومة إلى دفع البنوك والمصارف المحلية، إلى المساهمة في تمويل الاستثمارات العمومية والخاصة، مما يعني أن الخزينة لم يعد بإمكانها تلبية متطلبات الاستثمارات الحكومية، لاحتواء المطالب الاجتماعية في مجالات الشغل والسكن والخدمات التعليمية والصحية المجانية.

وساهم إفراط الحكومات المتعاقبة في الاستعانة بأموال المداخيل النفطية، في مواجهة الاحتجاجات والغضب الاجتماعي، في تكوين حواجز نفسية يصعب الآن كسرها بالتراجع عن تلك الخيارات.

ويسير الوضع في الجزائر نحو العودة إلى سنوات أزمة ثمانينات القرن الماضي.

وتجتمع أزمة الثمانينات والأزمة الحالية، في العديد من القواسم المشتركة، كانهيار أسعار النفط، وشيوع الفساد والانسداد السياسي، وتدهور الخدمات العمومية.

وأفضت الأولى إلى ما يعرف بـ”انتفاضة” أكتوبر 1988، وما أعقبها من أزمة سياسية وأمنية، ما يثير المخاوف من أن تعيد الأزمة الحالية ذلك السيناريو.

ويقول متابعون للشأن السياسي في الجزائر، إنه إذا كان من حسن حظ البلاد في الثمانينات بقاء الأزمة في الداخل، فإن تزامن الأزمة الحالية مع محيط جيوسياسي ملتهب، وأجندة إقليمية خطيرة، يضع الجزائر في خطر حقيقي، إذا تم الاستمرار بهذه السياسات والاستراتيجية غير الجدية.

وأثار قانون الموازنة العامة للعام الجاري، جدلا كبيرا في البلاد، نتيجة تبنيه جملة التدابير التقشفية، المتمثلة في رفع رسوم الضرائب وسن ضرائب جديدة ناهزت العشرين رسما.

وولد الضغط على الفئات العمالية والطبقات الهشة، حالة من التململ الاجتماعي المنذر بانفجار اجتماعي، خاصة في ظل عجز الحكومة عن التحكم وضبط السوق الداخلية، الواقعة تحت قبضة الاحتكار والمضاربة.

ويوصف الإفراط الحكومي في المساهمات الاجتماعية بـ”شراء الذمم”، لضمان صمت قطاع عريض من الفئات الاجتماعية عن سوء التسيير والفساد المستشري في البلاد، واستقطابهم للانخراط في مختلف الاستحقاقات وعدم إزعاج السلطة.

وهي السياسة التي كانت محل تحذير من هيئات مالية واقتصادية عالمية، ومن طرف خبراء ومختصين، نظير الإمعان في تبذير الريع النفطي والعجز عن خلق اقتصاد بديل يخلق الثروة ويوفر مناصب العمل، بما يكفل استقرار الوضع السياسي والاجتماعي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر