الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

أزمة كياسة تحاصر المجتمعات العربية

  • الكياسة في التعامل تخلق جوا من الانسجام والاحترام، وتجعل المصالح العامة في مقدمة المصالح الشخصية، إلا أنها تكاد تختفي بين الناس في المجتمعات العربية التي غلب عليها التنافس البغيض وعدم التسامح مع الآخر.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/06/20، العدد: 10669، ص(21)]

لا مبرر لانعدام ثقافة الاعتذار والشكر

تراجعت تقاليد الكياسة والاحترام وتقدير الآخرين في التعاملات اليومية داخل المجتمعات العربية، بل وأصبحت قيم المدنية أقل جودة قياسا لما كان سائدا في هذه المجتمعات. ودفع نسق الحياة السريع والحاجة الماسة للحصول على متطلباتها، إضافة إلى القلق المتفاقم على النفوس بسبب الفقر وضعف الامكانيات إلى تفاقم أنماط السلوكيات السلبية والعدوانية.

وعم التدافع وسائل النقل العامة وأصبح الكثيرون لا يعبئون بالمسنين والمرضى في سباقهم من أجل الحصول على مقاعد هربا من الانتظار تحت لهيب الشمس اللاهبة، وأصبح دهس الغير بقصد أو من دونه لا يتطلب الاعتذار في نظر بعضهم.

وصارت كلمات “شكرا وعفوا وأعتذر” في نظر الكثيرين نوعا من الضعف والخنوع، على الرغم من أنها تعبر عن الطبيعة المدنية للإنسان، التي تزيد من شحنات الود الموجبة في التعاملات اليومية.

ويكشف الشجار والسباب اللذان يتبادلهما عادة سواق السيارات في الطريق، عدم احترام نسبة كبيرة من هؤلاء لقانون المرور والتعدي على حق الآخرين في استخدام الطريق، وعادة ما يشب خلاف لأتفه الأسباب، ويرتفع الصياح لمجرد الاختلاف حول ترك الأولوية.

هيام الفرشيشي: الكياسة فقدت في حياتنا والمعاملة اللطيفة لوثتها النبرة السلبية

وتزايدت حدة الإساءات اللفظية في الشارع لسبب أو من دونه بين الأفراد، ووصل الحال إلى التهكم على المارين وانتقاد ملبسهم وطريقة مشيتهم أو السخرية من لكنتهم.

وبالرغم من الحكايات التي تُسرد عن القيم التي ترشح المجتمعات العربية لتكون قدوة لباقي مجتمعات العالم في التسامح والتعايش السلميين بين الناس، إلا أن الصورة النمطية المتعلقة بالمجتمعات العربية لم تعد دقيقة، بعد أن تفاقمت الظواهر السلبية وانعدمت الكياسة والاحترام بين الناس، وتفوقت العدوانية على السلام وزادت شحنات الكراهية في خطر يعادل الكوارث.

ويعزو الباحثون في علم الاجتماع تصاعد نسبة إنعدام الكياسة، إلى طبيعة الأشخاص وإلى الظروف الصعبة التي تزيد من تهافت الناس على الحياة. ويرون أن هناك العديد من المسببات الأخرى التي أدت إلى تراجع الاحترام بين الناس، من بينها انعدام الخدمات العامة وصعوبة الحصول على الحقوق الطبيعية، سواء أثناء إتمام المعاملات أو التسوق، مما يزيد من انفعال الأشخاص ويدفعهم إلى تفريغ شحنات غضبهم على غيرهم.

وقالت الروائية والناقدة التونسية هيام الفرشيشي إن الكياسة تكاد تنعدم في مجتمعنا، وأصبح الاحتقان جزءا من حياتنا اليومية في الإدارات وفي الشارع وفي الفضاءات العمومية، وفي كل مكان تقريبا.

وأضافت في تصريح لـ”العرب” “أحيانا يدوس أحدهم على قدمك ويتجاهلك ولا يكلف نفسه الاعتذار لك، وآخر يدخل بعربته أو سيارته وسط الأنهج الضيقة لأسواق المدينة العتيقة ويجبر الناس على الاصطدام ببعضهم دون أن يرفع يده لطلب إفساح الطريق له، أما حين تكون حركة المرور خانقة، وخاصة في أوقات الذروة فحدث ولا حرج، فالكثير من السواق يعمدون إلى المجاوزة دون احترام إشارات المرور فيكثر الشتم والسب ويختلط الصياح بأصوات منبهات السيارات، ويعلو الصخب ويختلط الحابل بالنابل”.

وختمت الفرشيشي بقولها “الكياسة فقدت في حياتنا اليومية والمعاملة اللطيفة لوثتها النبرة السلبية والعدوانية، لقد تعودنا على الفوضى، والتنظيم لم يعد فرضه ممكنا إلا بالإكراهات القانونية”.

أسماء بالشيخ علي: اللطافة وسيلة لجعل العلاقات الاجتماعية تسير بسلاسة

ويبدو أن السلوكيات الفضفاضة في التعامل معدية أيضا، إلى حد أن علماء النفس شبهوها بالزكام الذي من السهل انتشاره بين الناس، غير أن الزكام قد ينتهي في الغالب دون مضاعفات، لكن الفضاضة تكون عواقبها النفسية أحيانا وخيمة وترافقها رغبة في الانتقام لدى من تعرضوا لسوء المعاملة.

ولم تخف الموظفة التونسية أسماء بالشيخ علي استياءها مما تتعرض إليه في حياتها من مواقف تفتقد اللباقة والاحترام جعلتها تتهم مجتمعها بالأنانية وتفصح عما يغضبها ويشكل ضغطا نفسيا عليها.

وقالت بالشيخ علي لـ”العرب” “نحن مجتمع أناني بطبعه وهذه الحالة تطورت عبر السنين من السيء إلى الأسوإ.. لقد افتقدنا الصبر والاحترام والمحبة لبعضنا البعض”.وأضافت “أتعرض يوميا لمواقف تصيبني بالحيرة وتدفعني إلى التساؤل: إلى متى يبقى الحال على ما هو عليه؟ الإنسان في مجتمعنا إذا أخطأ لا يعتذر مهما كان الثمن، وفي المؤسسات والإدارات تسود الفوضى ويعم الاحتقان رغم وجود وسائل التنظيم”.

وأوضحت “اللطافة في التعامل ليست إلا وسيلة لجعل العلاقات الاجتماعية تسير بسلاسة، ولذلك مازلت محافظة على مبادئي في احترام غيري، ولن ألوم غير المهذبين وعديمي الأخلاق لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومجتمعنا افتقد الكثير من الأشياء منها الكياسة”.

ومن حسن حظ ابن بلدها شكري العياري الذي يعمل مديرا بشركة أن الكياسة أمر مُعد أيضا، فعندما زار ألمانيا وإيطاليا تأثر بأسلوب التعامل بين الناس والاحترام واللباقة والنظام والالتزام بدقة المواعيد، وتمنى لو كان يستطيع أن يأخذ القليل من الثقافة السائدة هناك إلى بلاده. وقال العياري لـ”العرب” متحسرا على الوضع في بلاده “المشكلة الأساسية في مجتمعنا هي انعدام الأخلاق وسيطرة الانفلات وانحدار القيم الاجتماعية وخاصة بعد الثورة، لقد فقد الاحترام في صفوف الشباب، ولم يعد هنالك تقدير لا للكبير ولا للصغير ولا للمرأة وخاصة في الأماكن العمومية”. وأضاف “ربما هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى انحدار أخلاق الشباب، ومنها البطالة واليأس والخوف من المستقبل والفساد المستشري في البلاد، وفقدان الأسر سلطتها على أبنائها، ولكن لا مبرر لانعدام ثقافة الاعتذار والشكر سوى أننا من العالم المتخلف”.

ولا يبدو أن المجتمع العراقي مازال محافظا على مكارم أخلاقه وكياسته، وخاصة بعد أن تغلغلت فيه الطائفية واختلت منظومة العلاقات الاجتماعية، وأصبحت الكراهية بين العراقيين لا تقل في درجة العنف الذي تولده.

وقالت المحامية العراقية نهوض محمد “نعم فقدنا ثقافة التسامح في عالمنا العربي المتقهقر إلى الوراء دائما، وأصبحنا نتعامل مع بعضنا بأساليب بدائية همجية متغلغلة في كل درجات ومستويات الحياة اليومية، وكل ذلك بسبب الجهل والأمية والفوضى العارمة التي خلفها ما يسمى بالربيع العربي”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر