الثلاثاء 21 فبراير/شباط 2017، العدد: 10550

الثلاثاء 21 فبراير/شباط 2017، العدد: 10550

مالك الحزين والمدخنة

صرنا نعتقد أن القمر شيء صغير أتفه من أن يسكن سطح الدار. والشمس كرة لهب لا تعبر من أسلاك الشبّاك. ولم يعد مالك الحزين يأتي، فقد هدموا المدخنة القديمة والبيت.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/01/27، العدد: 10525، ص(24)]

كان العالم صغيرا. وكنا نعتقد أن القمر يسكن سطح الدار. وأن الشمس تأتي من النافذة. وأن المدخنة القديمة بنيت أصلا لتكون عشا لمالك الحزين. وكان مالك هذا الوحيد الذي يفتي الجميع في وجوده وفي عدمه، فهو لم يكن يملك سلطة دينية ولا غيرها، كان يملك بياضه وحزنه الذي يجلبه من طريق هجرته من على بعد الآلاف من الكيلومترات.

صار العالم كبيرا. وصرنا نعتقد أن القمر شيء صغير أتفه من أن يسكن سطح الدار. والشمس كرة لهب لا تعبر من أسلاك الشبّاك. ولم يعد مالك الحزين يأتي، فقد هدموا المدخنة القديمة والبيت ونهضت محله عمارات جديدة. وحين سألت قيل لي إن مالك وإخوته غيروا طريق الهجرة، حسب دراسة أجراها فريق من الباحثين بقيادة أندريا فلاك من معهد ماكس بلانك لعلوم الطيور في ألمانيا، مستخدما نظام تحديد المواقع العالمي “جي بس إس″.ولم تعد تلك الأسراب تمر من بلادنا كي لا ترى ما لا يسرّها. لكن الأهم من هذا، أن العارفين تطوعوا وقالوا لنا إن من يعشش فوق المداخن لم يكن مالك الحزين، لأن مالك كان يختار البحيرات الصغيرة في أطراف المدن والأرياف ليعشش فيها، وإنما كان اللقلق هو من يفعل هذا.

لست وحدي من التبس عليه أمر مالك الحزين واللقلق، فقبل يومين فقط قال الباحث السابق في وكالة ناسا نضال قسوم إن شبكة الإنترنت وبدلا من كونها وسيلة لنقل المعلومات، باتت وسيلة لنشر معلومات علمية خاطئة. معلومات مثل أن الفصول الأربعة؛ الربيع والصيف والخريف والشتاء، تتعاقب على الكوكب بسبب بعده أو قربه من الشمس، وهذا غير صحيح بالمرة، لأن الأرض تدور حول نفسها مرة كل 24 ساعة، حينها كان الكوكب كله سيشهد الشتاء هذه الأيام، وليس فقط هذا الجزء منه أو ذاك، والصحيح أن ميلان محور الأرض هو السبب.

ليس هذا فقط، بل إن العلم الحديث اليوم، يدمّر لنا قناعاتنا حول الأبراج والكواكب وعلاقتها بالإنسان. فصحيح أن أجسادنا مكونة من الماء في 80 بالمئة منها، ويفترض أن ينطبق عليها ما ينطبق على مياه البحر في المد والجزر وكيف تتأثر بقرب القمر أو بعده، ولكن جسم الإنسان صغير جدا جدا قياسا بالأجرام في الكون، ولا يمكن أن يحدث فيه مد وجزر. ومن المعلومات المنتشرة الخاطئة أيضا أن الميكرويف لديه تأثيرات إشعاعية، وهذا مجرد وهم.

وعن الحليب، يفيدنا العلم الحديث، أنه لا ينفع العظام والأسنان لأنه غني بالكالسيوم، ولكن الواقع أن العظام ذاتها تحاول مقاومة حمضيات الحليب القوية، ولذلك تقوم العظام بإنتاج المزيد من الكالسيوم. أما أكثر المعلومات الخاطئة إيلاما فهي أن أزهار “عبّاد الشمس″ لا تستدير باتجاه الشمس، بل تتجه دوما إلى الشرق. فكم علينا أن نعيد النظر في ما اعتدنا عليه من معلومات وأفكار. لكن العالم كان صغيرا، وكنا نصغي طوال الليل إلى صوت تساقط الثلج وصوت مالك الحزين وهو ينسج عشّه على المدخنة.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر