الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

التعصب الثقافي

التعصب الثقافي ليس حالة شعبية بالأساس لا في الغرب ولا في الشرق، لا بين المجتمعات ولا داخلها بل هو ثمرة خطاب لمثقفي التعصب الثقافي من كتبة وسياسيين ومعلمين وعسكريين ورجال دين.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2017/02/07، العدد: 10536، ص(14)]

تمر البشرية في هذه المرحلة من مسار العولمة وما تولده هذه العولمة من تغير في حياة الناس الاجتماعية والثقافية والمعيشية، بحالة من ظهور أشكال متعددة للتعصب، وخاصة التعصب الثقافي الذي يعني نوعا من النكوص.

وحين طرح هنتنغون فكرة صدام الحضارات في كتابه الذي نشره تحت عنوان كهذا، كان الرد عليه بحوار الحضارات والدعوة إلى وحدة الثقافة العالمية، غير أن ما يظهر اليوم في الغرب من حركات نافية للآخر، وما تشهده المنطقة من صراعات تتزيا بزي ثقافي تعيدنا إلى مسألة الصراع الثقافي عوضا عن واقع الاختلاف الثقافي، الصراع في حقل التعصب.

والتعصب الثقافي بالتعريف هو التقوقع في العقائد والهويات والأفكار والأيديولوجيات، تقوقع نابذ للآخر ومتكئ على شعور زائف بالتفوق. وهذه النزعة الذئبية – الهوبزية تجاه الآخر من شأنها أن تبرر العنف وتزيدة عنفا. وأخطر ما في التعصب الثقافي أن ينطلق من تبرير ديني مانحا الثقافات ماهيات دينية ليس إلا. فيكون المنطلق السياسي لبعض الحركات هو الحضارة الإسلامية في صراعها مع الحضارة المسيحية أو الحضارة المسيحية في صراعها مع الحضارة الإسلامية، أو نقل المذاهب من تأويلات تاريخية تمت في شروط مضت إلى أسس نافية للوطنية الجامعة، كالقول بالصراع السني- الشيعي.

وليس هذا فحسب، بل إن هناك من يرى في الاختلاف التاريخي من حيث الأصول الإثنية في البلد الواحد ذريعة لرفعها إلى اختلاف ثقافي- هوياتي. ومن الواضح أن التعصب الثقافي ليس حالة شعبية بالأساس لا في الغرب ولا في الشرق، لا بين المجتمعات ولا داخلها بل هو ثمرة خطاب لمثقفي التعصب الثقافي من كتبة وسياسيين ومعلمين وعسكريين ورجال دين، وهذه الفئات تنتج خطاب التعصب وتصدره للمجتمع الذي يعاني من مأزق في التطور أو انسداد أفق أو عوَز مادي فيتحول خطاب التعصب بالنسبة إليها إلى نوع من الأيديولوجيا الخلاصية التي تلقي باللائمة على الآخر كسبب للحال الذي هي عليه.

ولكي يضفي مثقفو التعصب معقولية ما على خطابهم، وهي معقولية زائفة، فإنهم يحشدون ما يحلو لهم من التاريخ القديم وقصصه التي أكل عليها الدهر وشرب، وكل ذلك من أجل إنجاب القناعة بأن هذا الصراع مؤسس ومبرر تاريخيا وليس وليد هذه اللحظة. فيصبح الصراع السياسي على المصلحة والاختلاف الثقافي بين الشرق العربي والغرب امتدادا للحروب الصليبية، ويغدو النزوع نحو الاستئثار بالسلطة من قبل جماعة ما استمرارا للصراع على الخلافة القديمة، وهكذا. وهذا أمر لن يتم إلا بتزوير للتاريخ يصل حد اغتياله.

ولسان حال المتعصب الثقافي يقول: إن الاختلاف والصدام هما اختلاف وصدام بين العقائد والهويات والانتماءات، وكل ذلك من أجل إخفاء المصالح المادية الحقيقية التي تقف وراء ما نشهده اليوم من الحالة الذئبية. أمام واقع كهذا، وأمام مثقف التعصب يجب أن يشهر مثقف الحياة والإنسانية والعيش المشترك والحرية والاختلاف كحالة طبيعية قلمه دون ملل وتوقف، وليس اليأس من عجز التغيير بأمر محمود أبدا، بل على الضد من ذلك، إن ترك الساحات الخطابية لمثقفي التعصب قد يطيل أمد الخراب.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر