الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

المغرب والبوليساريو ورهان الخيارات

المغرب صار واعيا بأهمية نسج شبكة علاقات قوية في القارة الأفريقية تكون له رافدا في دبلوماسيته الجديدة، والمراهنة على حجم الثقة التي يمكن أن تحصل بينه وبين العواصم الأفريقية في تضييق الخناق على جبهة البوليساريو بشكل تدريجي.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2017/02/18، العدد: 10547، ص(9)]

أياما قليلة بعد العودة الرسمية للمغرب إلى الاتحاد الأفريقي في القمة التي عقدت بأديس أبابا الشهر الماضي، تجد جبهة البوليساريو، المطالبة بانفصال الأقاليم الجنوبية للمغرب، نفسها في مأزق سياسي لعله الأول من نوعه طيلة ما يربو على أربعة عقود. فطوال تلك الفترة راهنت الجبهة على غياب صوت المغرب في المحافل الأفريقية، واستثمرت ذلك الغياب لترويج أطروحتها الانفصالية، والظاهر أنها راهنت على استمرار غياب المغرب عن الاتحاد الأفريقي ولم تكن قيادتها تتصور تلك العودة التي شكلت انتصارا دبلوماسيا نوعيا.

بيد أن الجبهة حاولت خلال الأيام القليلة الماضية، مباشرة عقب قمة العاصمة الإثيوبية، أن تقدم رجوع المغرب إلى الاتحاد الأفريقي وكأنه اعتراف رسمي من الدولة المغربية بما يسمى “الجمهورية الصحراوية العربية الديمقراطية”، وأن تعطي الانطباع للبلدان الأفريقية بأن تلك العودة، التي كانت مشروطة بموافقة المغرب على القوانين الداخلية للاتحاد، مشروطة أيضا باعتراف الرباط بالجبهة ودولتها المعلنة، وهو ما سارع المنتدب لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون المغربي، ناصر بوريطة، إلى نفيه، حيث قال إن عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي لا تعني الاعتراف بـ“الدولة الصحراوية”، وإن تلك الادعاءات ليست سوى محاولة لإخفاء الفشل الذي منيت به الجبهة.

ما لوحظ على خطاب الجبهة ذلك التحول من التصعيد إلى التعبير عن الليونة والمرونة في إبداء المواقف تجاه المغرب. ففي تصريحات لوكالة أنباء إسبانية الأسبوع الماضي قال رئيس الجبهة إبراهيم غالي إن هذه الأخيرة تعمل بشكل سلمي لتحقيق مطالبها، بالرغم من أنه أشار إلى أن الخيارات الأخرى “تبقى مفتوحة”، في إشارة ضمنية إلى إمكانية العودة إلى حمل السلاح. ولكنه في نفس الوقت أكد أن واجب المغرب احترام “الحدود” التي ينص عليها الميثاق الأفريقي، في إشارة واضحة إلى جر المغرب نحو الاعتراف المباشر بمسمى الجمهورية الصحراوية.

موقف مثل ذلك من التصعيد العسكري والتركيز على السلمية لم يكن ممكنا قبل حدث عودة المغرب إلى حظيرة الاتحاد الأفريقي. فجبهة البوليساريو اليوم تعيش أزمة قيادة كاريزمية وتاريخية، منذ وفاة رئيسها المؤسس محمد عبدالعزيز في شهر مايو من العام الماضي، وصوت الحرب لم يعد مسموعا في داخل قيادة الجبهة الجديدة التي تتطلع إلى المكاسب أكثر مما تبحث عن الخسائر، زد على ذلك أن خطاب التصعيد العسكري والصراعات المسلحة لم يعد لهما مكان داخل الاتحاد الأفريقي، كما أن عودة المغرب إلى هذا الأخير ضيقت الهامش الذي كان يحظى به خطاب الجبهة في الفترات الماضية.

ويراهن المغرب على الدبلوماسية الناعمة في القارة الأفريقية بدل خطاب التصعيد في المواقف التي لا تجدي نفعا. فهو يتمتع اليوم بتأييد تسعة وثلاثين دولة من أصل ثلاثة وخمسين، إذا استثنينا الجمهورية الصحراوية الوهمية، وبتزايد عدد البلدان الأفريقية التي سحبت اعترافها بالجمهورية المزعومة. وأظهر العاهل المغربي الملك محمد السادس أن العودة إلى الاتحاد الأفريقي لم تكن هي الهدف الرئيسي الذي يتوقف المغرب عنده، إذ ما كادت قمة أديس أبابا تنتهي حتى شرع في جولة أفريقية جديدة قادته إلى جنوب السودان وغانا وغينيا ومالي وزامبيا وكينيا، لتعزيز صرح العلاقات المغربية ـ الأفريقية.

والمؤكد أن المغرب صار واعيا بأهمية نسج شبكة علاقات قوية في القارة تكون له رافدا جديدا في دبلوماسيته الجديدة، والمراهنة على حجم الثقة التي يمكن أن تحصل بينه وبين العواصم الأفريقية في تضييق الخناق على جبهة البوليساريو بشكل تدريجي، والدفع بمشروع الحكم الذاتي الذي سبق أن طرحه قبل بضع سنوات باعتباره الخيار الوحيد والممكن لحل أزمة الصحراء، ونال تأييد غالبية البلدان الأوروبية المتدخلة في ملف النزاع، بحيث لن تجد الجبهة مستقبلا من خيارات بديلة سوى التعاطي الجدي مع هذا المشروع إذا أرادت فعلا إنهاء محنة سكان المخيمات.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر