الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

إعلان تونس والسبات الاستراتيجي

الدبلوماسية التونسية توفقّت إلى حدّ كبير في إنشاء “ترويكا” شمال أفريقية ضامنة للحوار الليبي-الليبي، ولكن الأصحّ أنّ العقدة الأساسية في المشهد الليبي كامنة في عدم وجود أرضية للحوار الداخلي.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2017/02/22، العدد: 10551، ص(8)]

هناك ضبابية اصطلاحية في المشهد السياسي والإعلامي التونسي تحيل إلى تشويش حقيقي في مستوى فهم الرأي العام لاستحقاقات المرحلة وتفضي إلى توزيع خاطئ للأدوار الإقليمية.

ما كان يسميه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، ومعه الإعلام التونسي، بالمبادرة الثلاثية لتسوية الأزمة الليبية اتضح بالكاشف أنها لا تعدو أن تكون “إعلان مبادئ ونوايا” تضع المحددات الكبرى، وترسم الأطر العريضة لأي تسوية سياسية في ليبيا.

صحيح أن وضع الإطار العام للمبادرات والمقترحات والتسويات يعد لبنة أساسية من لبنات إيجاد الحل، إذ أنه يؤصل للبنية التحتية ويوفر المناخ الملائم للحل ولكنه لا يمثل بأي حال من الأحوال مبادرة حقيقية للتوافق بين الفرقاء الليبيين.

صحيح أيضا أن الدبلوماسية التونسية توفقّت إلى حدّ كبير في إنشاء “ترويكا” شمال أفريقية ضامنة للحوار الليبي-الليبي، ولكن الأصحّ أنّ العقدة الأساسية في المشهد الليبي كامنة في عدم وجود أرضية للحوار الداخلي ترضي جميع الأطراف المتحاربة.

وطالما أنّ الورقة التونسية لا تعدو أن تكون إعلان مبادئ تحتاج بالضرورة إلى خارطة طريق لتكريسها على أرض الواقع، فإن التعاطي معها لا بد أن يكون من زاوية مدى قدرتها على الاستجابة للحد الأدنى من الاستحقاقات المحليّة والإقليمية والدولية للمشهد الليبي.

وهنا بالضبط يكمن مربط الفرس، ذلك أنه من باب المفارقة أن ترفع الدول العربية التي شاركت في تدويل أزمة ليبيا ووضع الدولة الليبية تحت الفصل السابع وفرضت حظرا على تسليح المؤسسة العسكرية الوطنية، الحديث هنا عن الدولة وليس عن النظام، وحوّلت الجغرافيا الليبية إلى ملعب مفتوح لكافة اللاعبين الإقليميين والدوليين، فيتو التدخّل الدولي سواء ضدّ المنتظم الأممي أو ضدّ الفاعلين الكبار.

كما أنّه من باب المفارقة الغريبة أن ترفع ترويكا الحوار فيتو ضد الحل العسكري في ليبيا في حين أن الدولة التونسية، مهندسة الإعلان، كانت ضالعة بشكل رسمي في إدخال السلاح الفرنسي والقطريّ إلى المقاتلين خلال صائفة 2011.

وقد يكون من المأساة الملهاة أيضا أن يتمسّك إعلان تونس بضرورة التوصل إلى حل سياسي عبر الحوار الليبي-الليبي فيما لا يزال المنطق الأقوى والأكثر فعالية في المشهد الليبي متمثلا في صوت سلاح الميليشيات، ولا تزال الغلبة قائمة على منطق “الدولة الغنيمة”.

المعضلة الحقيقية في إعلان تونس أنّه لا ينسجم ولا يتلاءم مع المأزق الليبي الذي يفترض إمّا تدخلا دوليا حقيقيا عبر إصدار قرار دولي ملزم لكافة الأطراف ينهي إشكالية الشرعية السياسية والعسكرية تحت عنوان الفصل السابع وهو ما يرضاه العقل والوجدان العربيان.

وإما تسوية داخلية على قاعدة “رابح رابح” حتى لو كان ذلك على حساب الوطن وهو ما لا يرضاه الشارع الليبي التواق إلى الحرية والتحرر.

وإما مبادرة إقليمية دولية ترضي الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في الواقع الليبي وتنال التأييد الأعرض بالنسبة إلى المتحاربين، وهو ما نتوقّع حصوله.

ذلك أنه من الظلم والحيف التعامل مع مأساة وطنية جذورها إقليمية وأصولها دولية على أساس أنها إشكال محليّ بين الطامحين إلى المناصب والمكاسب والغنائم، جمعتهم “الثورة” وفرقتهم “الثروة”.

لم ينتظر رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج كثيرا للردّ على إعلان تونس بطلب استقدام معونة روسية في المأساة الليبية، فيما أكّدت مصادر قريبة من المشير خليفة حفتر أن الأخير استقبل الإعلان بكثير من التحفظ والبرود والتوجّس على اعتبار أنه لم يقدّم أي جديد خاصة في ما يتعلّق بالجماعات المسلحة القريبة من الإرهابيين، أمّا الردّ الأبرز فكان على لسان وليد فارس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسياسة الخارجيّة، الذي أكد أن الإدارة الجديدة ستعترف وستتعامل حصرا مع المؤسسة العسكرية ممثلة في خليفة حفتر وفي البرلمان الموجود في طبرق.

وكلّها مؤشرات تؤكّد أنّ إعلان تونس حصل في الوقت المتأخر ومن ترويكا شمال أفريقية (الجزائر ليبيا مصر) اختارت الغياب مع السبات الاستراتيجي العميق، وعند الاستفـاقة تبين لها أن أدوات الحل صارت لدى عواصم أخرى وراهن البلاد والعباد والمنطقة برمتها في يد الفاعلين الكبار في “لعبة الأمم”.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر