الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

هل للطائفة السنية العراقية من خلاص

إن أي تجمع أو تحالف يقوم على أسس ومقاييس وثقافة طائفية أو عنصرية هو، عن قصد أو غير قصد، ترسيخٌ وتعميق للفصل العنصري والطائفي في العراق لن ينتج خيرا للطائفة السنية العراقية ولا لغيرها.

العرب إبراهيم الزبيدي [نُشر في 2017/03/15، العدد: 10572، ص(9)]

يبدو أن الطائفة السنية العراقية لم تُرزق، بعدُ، بقيادة رشيدة تعيدها إلى أحضان شعبها العراقي، وتطوي سنوات عذابها وتمزقها وضياعها التي عانت فيها الكثير.

فبعد كل الكوارث التي ألمت بها، والأثمان الفادحة التي دفعتها على أيدي جنود الاحتلال الأميركي، وجيوش الإرهاب المزدوج، الداعشي والقاعدي السني، والميليشياوي الشيعي الإيراني، ما يزال نفس السياسيين الذين تسلطوا عليها، وصادروا قرارها، واستثمروا آلامها، يتلاعبون بها، ويزوّرون إرادتها، ويُصرون على قيادتها من خراب إلى خراب.

ودون لف ولا دوران ينبغي الإقرار بأن الذين ألحقوا بسنة العراق أفدح الأضرار هم أولا:

حزب البعث العربي الاشتراكي الذي توج أخطاء حكمه السابقة، قبل سقوط النظام في أبريل 2003، بخطأ أكبر بعد كارثة الغزو الأميركي حين اختار “جهاد” المفخخات لمقاتلة المحتلين، ولكن في المحافظات السنية وحدها، حصريا، ثم حين وضع يده بيد “الرفيق” بشار، رغم علم قيادة الحزب بتحالفه مع إيران، وراح يجند الانتحاريين العراقيين، بإشراف مخابرات النظامين السوري والإيراني وتسليحها وتدريبها، ويرسلهم إلى العراق، ليكون ضحاياهم مواطنين مدنيين، أغلبهم من الشيعة الأبرياء، الأمر الذي رسخ الانقسام المذهبي، وبرهن للأميركان على أن الإرهاب سني فقط، وأن حلفاءهم العراقيين، الشيعة والأكراد، على حق في تحذير جيوشهم من إرهاب الفلول البعثية الصدامية، وتحريضها ومعاونتها على مقاتلة السنة، دون تمييز ولا تفريق. وقد تسبب “جهاده” المسلح في تعريض المدن والقرى السنية، جميعها، لحملات دهم واعتقال وترويع، وقتل أعداد كبيرة من رجالها ونسائها وأطفالها، ونهب منازلها، وتدمير مؤسساتها، وما زال بعض أبنائها وبناتها في سجون حزب الدعوة إلى اليوم.

وكان المؤمل في حزب بحجم حزب البعث أن يبادر فورا إلى تشخيص الواقع العراقي والعربي والدولي، وتقييم المستجدات التي خلقها الغزو الأميركي بعقلانية، وأن يختار مقاتلة الاحتلال وحلفائه العراقيين بالعقل وليس بالعضلات.

ولكنْ لأنه كان مريضا، من الداخل، ومصابا بعلل كثيرة، أهمها وأخطرها العناد والعنجهية والمكابرة، والمبالغة في تقدير قاعدته الجماهيرية، واستهانته بقوة الأميركان، وحلفائهم الإيرانيين، لم يتماسك، ولم ينهض من كبوته بسرعة، ولم يعتذر للشعب العراقي، ويلملم صفوفه، ويعقد مؤتمرا قوميا عاما لمواجهة الواقع الجديد، ويراجع أفكاره، ويغربل أعضاءه، ويدين أخطاء قيادته السابقة، بشجاعة وتواضع وصراحة، ثم يعاود انطلاقته من جديد، حزبا مدنيا حيا قادرا على التجدد والانتصار على العثرات والمحن، أسوة بما فعله الحزب الشيوعي الروسي في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي، وأحزاب أخرى عالمية في دول أخرى عديدة.

ولكن الذي تابع خطاب البعثيين الحالمين بعودة حزبهم إلى السلطة بالعناد، وبقوة السلاح، يدرك أنهم لم يتغيروا، ولا ينوون أن يتغيروا.

ألم يكن الأجدر بمن يريدون خدمة الطائفة السنية العراقية، أن يعملوا على إعادة تفاهمها وترابطها مع باقي شركائها في الوطن

وثانيا: سنة الحكومة وسنة معارضة الحكومة، سواء بسواء. فالأولون قبضوا ثمن الغطاء الوطني الديمقراطي الذي منحوه لحكومة حزب الدعوة الطائفية وحلفائه، وحولوا إيران من قوة احتلال أبغض وأقسى وأكثر ضررا من الاحتلال الأميركي، إلى دولة صديقة مسالمة تحرص على ضمان أمن العراق واستقراره ووحدة أرضه وشعبه، وتعمل على تحقيق العدالة لجميع العراقيين، بتجرد من الطائفية والعدوانية والانتقام. وتصريحات سليم الجبوري وصالح المطلق وسعدون الدليمي مثبتة لا يمكن نكرانها. كما أنهم، من ناحية أخرى، ثبتوا على أبناء طائفتهم الذين عارضوا المحاصصة الطائفية وقاطعوا الانتخابات، تهم التمرد ومعاداة الديمقراطية والبعثية والقاعدية، والعمالة لدول عربية سنية متعددة.

أما الذين امتهنوا معارضة الحكومة، من أول عام 2003 وما زالوا، فقد جعلوا تلك المعارضة تجارة رابحة، جنوْا بها من بعض حكومات الخليج العربية ومن مواطنيها أكداسا من الذهب والفضة.

هذان الفريقان هما اللذان يتحملان جريرة كل ما تعرضت له الطائفة، من أول أيام الغزو الأميركي وإلى اليوم. ولعل أبشع ما تعرضت له المحافظات الست ما حدث في الاعتصامات التي قطف ثمارها أشخاص معروفون، ومعدودون على الأصابع، وتحمل أوزارها الألوفُ من المعتصمين الأبرياء، قتلا واعتقالا وتهجيرا، دون رحمة ولا عدل ولا قانون.

مناسبة هذا الكلام ما أذيع من قرارات المؤتمر السني الذي عقد في تركيا مؤخرا بدعوى توحيد صفوف السنة العراقيين، وتحقيق العدالة لهم، وإخراجهم من واقعهم الحالي المرير.

فقد تمخض المؤتمر عن لجنتين، قيادية وتنفيذية، تضمان نفس وزراء المحاصصة الطائفية ونوابِها، لقاء وردي، وصالح مطلك، وأسامة النجيفي، ومحمد الكربولي، وسليم الجبوري، وأحمد المساري، وأضيف إليهم ثلاثة معارضين، هم سعد البزاز وخميس الخنجر ووضاح الصديد.

وهنا نتساءل، هل إن أعضاء اللجنتين من “سنة المالكي” المرضي عنهم، إيرانيا، سيحولون المعارضين إلى موالين أم إن المعارضين هم الذين سيحولون الموالين المستفيدين من المحاصصة إلى معارضين؟

ثم، وهذا هو الأهم، هل المظلومون والمتضررون مما فعله المتحاصصون، شيعة وسنة وأكرادا، هم فقط سنة العراق، أم الشعب العراقي بكل طوائفه وقومياته وأديانه؟ ألا يتابعون انتفاضات الجماهير في بغداد والمحافظات الجنوبية، كل يوم وكل أسبوع، وحملات القمع والاغتيال والاعتقال التي يتعرض لها المنتفضون الشرفاء؟

فمن المعني والمقصود بإطلاق “بيت سني” في مواجهة “بيت شيعي”؟ أليس بلاغا يقول لملايين الشيعة العرب العراقيين إن كل السنة، عراقيين وعربا، لكم كارهون ومعادون ومحاربون؟

ألم يكن الأجدر بمن يريدون خدمة الطائفة، أن يعملوا على إعادة تفاهمها وترابطها مع باقي شركائها في الوطن، وأن يبادروا بالدعوة لقيام جبهة وطنية عراقية تحررية تقدمية موحدة تؤمن، فقط، بالهوية الوطنية المبرئة من الطائفية والعشائرية والمناطقية، بعيدا عمن كان جزءا من السلطة الفاسدة المفسدة، وعمن دارت حوله شبهات الانتهازية والارتزاق والاختلاس؟

إن أي تجمع أو تحالف يقوم على أسس ومقاييس وثقافة طائفية أو عنصرية هو، عن قصد أو غير قصد، ترسيخ وتعميق للفصل العنصري والطائفي في العراق لن ينتج خيرا للطائفة السنية العراقية ولا لغيرها.

كاتب عراقي

إبراهيم الزبيدي

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الزبيدي

إبراهيم الزبيدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر