الجمعة 31 مارس/اذار 2017، العدد: 10588

الجمعة 31 مارس/اذار 2017، العدد: 10588

داعش.. السيف العثماني الأخير

من خلال التنظيمات التابعة لها في المنطقة، لم تترك الدولة العثمانية فرصة للشعب العربي ليلملم جراحه وينفض عنه تراكمات الاستعمار الأجنبي لينهض.

العرب كافي علي [نُشر في 2017/03/18، العدد: 10575، ص(8)]

سُئل أعرابي عن دليل وجود الله؟ فقال “البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على العليم الخبير؟”.

هل ثاني رجل في تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بأبومسلم التركماني، رئيس المجلس العسكري للتنظيم الذي قُتِل في ضربة جوية أميركية، يدل على أن تنظيم داعش الوجه الأخير للتنظيمات والأحزاب التابعة للخلافة العثمانية؟ وهل مدينة تلعفر التركمانية في الموصل، معقل التنظيمات الإرهابية السنية والشيعية نموذج للحرب العثمانية الصفوية؟

التاريخ العراقي الحديث يصنف التركمان ضمن قائمة المهاجرين الأوائل من الأتراك أو الفرس، يتحدثون اللغة التركية، وأُطلق عليهم تركمان في العصر الجمهوري. ونادية مراد، الفتاة الإيزيدية التي أخذها تنظيم داعش كجارية، تقول إن الذين هجموا على قريتها وقتلوا أهلها كانوا من التركمان. أما في رسالة البيعة التي بعثها أبومصعب الزرقاوي إلى أسامة بن لادن، والتي بعدها تحولت جماعة التوحيد والجهاد بقيادة الزرقاوي إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ثم إلى تنظيم داعش، فيقول عنها الزرقاوي واصفا الوضع في العراق بعد الاحتلال الأميركي وسيطرة التنظيمات والأحزاب التابعة لإيران على السلطة، “لقد كانت الدولة الصفوية الشيعية عقبة كأداء في طريق الإسلام، بل كانت خنجرا قد طعن الإسلام وأهله في الظهر، ولقد صدق أحد المستشرقين حين قال لولا الدولة الصفوية لكنا اليوم في أوروبا نقرأ القرآن كما يقرأه البربري الجزائري”.

نعم؛ فلقد وقفت جحافل الدولة العثمانية على أبواب فيينا، وكادت تتهاوى أمامها تلك الحصون، لينداح الإسلام في ظل سيف العز والجهـاد في أرجاء أوروبا، لكن هذه الجيوش اضطرت للرجوع والانكفاء إلى الوراء، لأن جيش الدولة الصفوية احتل بغداد، فهدّم مساجدها وقتل أهلها وسبى نساءها وأموالها، فرجعت الجيوش لتذود عن حرم الإسلام وأهله، ودارت معركة حامية الوطيس، دامت نحو قرنين من الزمان ولم تنته إلا وقد خارت قوة الدولة الإسلامية وانحسر مداها واستنامت الأمة لتستيـقظ على طبول الغربي الغازي”.

ماذا عن شعار تنظيم داعش “باقية وتتمدد” الذي جاء كتفسير لشعار الدولة العثمانية “دولة أبدية”؟ وماذا عن منهـج تيـار السلفيـة العثمانية الـذي اعتمـد مؤسسه البركوي على آراء الشيخ ابن تيمية وابن القيم في إعداد منهجه، وسار عليه التنظيم في إدارة شؤون خلافته، حتى في مسألة فرض عقوبة صارمة على المدخنين؟

أمّا كوْن التنظيم حالة من الانشطار المرحلي لتنظيم القاعدة، والقاعدة بنت السلفية الجهادية، والسلفية الجهادية بنت تنظيمات الإخوان، والإخوان تيار بزغ نجمه في البلدان التي تخلت عنها الدولة العثمانية مرغمة للاحتلال الفرنسي والإنكليزي بعد سقوطها، فهذا يحتاج منا التوقف والتأمل في تاريخ تيار الإخوان المسلمين ومنهجهم، وتأثر مؤسس التيار حسن البنا بالبرگوي محمد أفندي، والتيار السلفي الإحيائي الذي بدا واضحا في كتابه “مذكرات الدعوة والداعية”.

منذ سقوط الخلافة العثمانية في عام 1924 واتخاذ حسن البنا من المساجد والمقاهي مؤسسات لدعوة التمسك بمنهجها الإسلامي ثم الإعلان عن جمعية الإخوان بعد أربعة أعوام من سقوط الخلافة العثمانية للحفاظ على صداها الأبدي في المنطقة وصولا إلى أبومصعب الزرقاوي واتخاذه من العراق ميدانا لجهادها لتكون “باقية وتتمدد”، يبدو الأمر وكأن المئة عام على سقوط الإمبراطورية العثمانية لم تكن كافية لأفولها.

بل يبدو وكأن الحرب العالمية لم تنته بعد، وأن شبح الخلافة العثمانية المهزوم لازال يطوف في بلدان الإمبراطورية، يبحث عن الثأر، بالنضال سياسيا على الملكيات والجمهوريات مرة، وبالجهاد إرهابيا ضد الديمقراطيات مرة أخرى، وسيظل يعمل ويسعى إسلاميا لطرد أي استعمار خارجي أو نظام حكم وطني يستولي عليها حتى عودتها لعثمانيتها.

من خلال التنظيمات والأحزاب التابعة لها في المنطقة، لم تترك الدولة العثمانية فرصة للشعب العربي ليلملم جراحه وينفض عنه تراكمات الاستعمار الأجنبي لينهض، لا في ظل ملكيات ودساتير مواطنة ولا في ظل أنظمة قومية اشتراكية. ظل أتباع تركيا العثمانية، الباحثون عن الفضيلة والأخلاق في غطاء شعر المرأة ومنع الخمور والتمييز العنصري ضد باقي الطوائف والديانات، حجر عثرة أمام سياسة أي نظام حكم يمكن أن يخلق مجتمعا قويا ومتماسكا، مجتمع قائم على أسس اقتصادية وثقافية يُفترض أن تكون الفضيلة والأخلاق فيه تلقائية، ليس بسبب طبيعته الدينية فقط ولكن بتقليص مسببات الانحطاط الأخلاقي وانعدام الفضيلة وفي مقدمتها ضعف سلطة القانون وانتشار الفقر والأمية. سعوا إلى إسقاط الأنظمة الملكية لكن تدخل الاتحاد السوفييتي أغلق طريقهم إلى السلطة وفرض جمهوريات القومية الاشتراكية العسكرية. وعندما انهار الاتحاد السوفييتي وانهارت معه الدكتاتوريات القومية، جاهدوا وأرهبوا للاستيلاء على السلطة، لكن التدخل الأميركي سيمنعهم ويفرض الديمقراطية بدساتير مدنية ترغمهم على العودة إلى المساجد والمقاهي، يدعون الناس للعودة إلى الموروث لا إلى إسلام ينظم العلاقة بين الخالق والمخلوقات تنظيما قويما.

وربما لن يسجل التاريخ اعترافهم بجدلية الزمن ومتغيراته، وبأن الشعوب التي كانت تُستعبد براية “لا إله إلا الله” صارت شعوبا تبحث عن القيم الأخلاقية والإنسانية في دين وجدت نفسها جزءا منه وتريد أن تكتشفه بوعيها الشبابي الجديد، لا بسيف إرهابي يدعي أنه خليفتها.

كاتبة عراقية

كافي علي

:: مقالات أخرى لـ كافي علي

كافي علي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر