الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

معوضين

طبعا هناك معاقون عباقرة لكن إعاقتهم ليست سبب عبقريتهم. لكن الناس يحبون أن يظنوا أن بيتهوفن عظيم لأنه أصم وأن طه حسين عبقري لأنه أعمى.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/03/21، العدد: 10578، ص(24)]

الإنسان في كل الثقافات يؤمن بأن هناك تعويضا. هذا من باب الإيمان بالإنصاف الذي لا بد أن يتحقق في هذا العالم أو الذي يليه. ومثل حالنا في كل الخرافات، لدينا نصيب وافر من هذه القناعات. في مصر مثلا يؤمن الشعب أن كل معاق يستطيع الإتيان بما يشبه المعجزات. وهناك شيء يسمونه بركة العجز.

السيدة زينب يسمونها “أم العواجز” ويبدو أنها من اختارها الشعب بالإجماع مسؤولة عن إدارة ملف ذوي الاحتياجات الخاصة. وهناك جيش من المختلين عقليا يقال لهم “مجاذيب الحسين” يطعمهم الفقراء بالاقتطاع من قوتهم توسّلا لشيء من البركة والحظ السعيد. وبسبب هذا تجد مجاذيب الحسين سمانا لأن الناس لا تكف عن إطعامهم، فالكل يطمع بالبركة، وإطعام مجذوب الحسين استثمار طيب؛ تضع في فمه لقمة فتربح سيارة ذات دفع رباعي أو تتزوجك حسناء ثرية.

في الفنون هناك إيمان بالتعويض. الممثلة التي ليست جميلة يظن الناس أنها ممثلة هائلة دون أن تفعل شيئا سوى أن تكون قبيحة. هنا أورد قولا للممثلة الحسناء جدا كاترين دينيف، إذ تقول “أنا امرأة جميلة لكني ممثلة جيدة”. كأنها تنفي مبدأ التعويض يعني تريد القول “أنا ممثلة جيدة رغم أني لست قبيحة”.

طبعا هناك معاقون عباقرة لكن إعاقتهم ليست سبب عبقريتهم. لكن الناس يحبون أن يظنوا أن بيتهوفن عظيم لأنه أصم وأن طه حسين عبقري لأنه أعمى. لا أحد يتوقف ليفكر في مسألة بسيطة وهي أن هناك ملايين الطرشان وبيتهوفن واحد وكذلك ملايين العميان وطه حسين الفريد.

والطب غير مستثنى من ثقافة التعويض. الدواء المر يظنه الناس ناجعا لأنه مر. الإبرة مجدية أكثر من قرص الدواء لأنها مؤذية. وهكذا دائما النكد مفيد والبهجة مؤذية. وقد مر على إنكلترا في العصر الفيكتوري زمن لم يكترث الناس فيه لموتسارت لأن مـوسيقاه مبهجة وحلوة وساد الولـع بفاجنر القـاتم المـريع.

وفي سوق الحميدية بدمشق، عندما تشتري شيئا وتدفع ثمنه يبادرك البائع بدعاء جميل إذ يدعو لك بالتعويض. وأذكر مرة أني اشتريت شيئا ومضيت وعندي إحساس أن الشراء كان ينقصه شيء. عدت إلى البائع لتدارك النقص وقلت له عندما اشتريت منك لم تقل لي “معوضين” فاعتذر اعتذارا حارا ودعا لي بالتعويض فارتحت. وأعجبني اعتذاره الشديد إذ يدل على إدراكه قيمة التعويض.

في بريطانيا استثمر المعلق السياسي بيتر أوبورن مبدأ التعويض، الذي يقول إن الإنسان المضجر لا بد أن تكون عنده خاصية جيدة، ليلسع تيريزا ماي مرتين في جملة واحدة إذ قال عن رئيسة الوزراء “مجرد كونها مملة لا يعني أنها كفوءة”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر