الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

السيرة الغائبة

النقد في الغرب يشدد على أن السيرة الذاتية جنس قائم بذاته ويعرّفها بأنها “سردية يكتبها شخص حقيقي بنفسه عن نفسه، وهي تشير إلى مرجعيات المكان والأشخاص والأحداث الحقيقية.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2017/03/24، العدد: 10581، ص(15)]

يلاحظ كل من يملك الخبرة بواقع التعليم في بلداننا، وخاصة التعليم العالي، أن جنس السيرة والسيرة الذاتية غائب عن البرامج السائدة في التعليم، رغم أهميته المعرفية.

لا شك أن المشهد الأدبي والفني والفكري والعلمي عندنا قد شهد وما زال يشهد صدور بعض السير والسير الذاتية، فضلا عن اليوميات والمذكرات وغيرها، غير أن تدريسها لا يستند غالبا إلى نقد متخصص مؤسس على العلم ومستجداته. وأكثر من ذلك فإن النقد الثقافي والفني والسياسي والأدبي والعلمي عندنا لم يكوّن بعد مدرسة نقدية عربية لها شخصيتها المتميزة ومكرسة لبناء المعرفة بهذا الحقل وتطوير أساليب وتقنيات إنجاز سرديات السير.

من المعروف أن جنس السيرة والسيرة الذاتية في الغرب يحتل مكانة متميزة ويعد جنسا مستقلا له قواعده وأسسه وأقسام وكراسيّ لتدريسه في الجامعات، وتتفرع عن هذا الجنس السردي أنواع أخرى تنفرد حينا وتتداخل مع النوعين الأصليين المذكورين حينا آخر، منها الرواية السيرذاتية التي يكتبها روائي ما عن نفسه بتقنيات الرواية، والبورتري الذي يكتب عن شخص ما والبورتري الذاتي الذي يكتبه شخص ما عن نفسه، وهناك اليوميات، والشهادات، والمذكرات، وغيرها.

وفي هذا الخصوص نجد سيرا ذاتية متنوعة كتبها عن أنفسهم السياسيون والفنانون والأدباء والشخصيات العامة، والأبطال التاريخيون، والعلماء، والفلاسفة، وحتى رجال ونساء الأعمال، والرياضيون، وهلم جرا. فالنقد في الغرب يشدد على أن السيرة الذاتية جنس قائم بذاته ويعرّفها بأنها “سردية يكتبها شخص حقيقي بنفسه عن نفسه، وهي تشير إلى مرجعيات المكان والأشخاص والأحداث الحقيقية”. وهي أيضا ” تختلف عن السرديات الخيالية”. ومن السير الذاتية الشهيرة اعترافات القديس أوغسطين المولود في مدينة عنابة الجزائرية في عهد الرومان والتي يمكن لنا القول بأنها أبرز نص سيرذاتي مزج الفلسفة بالاعتراف الديني والشخصي.

إلى جانب السير الذاتية هناك فن السيرة وتختلف هذه الأخيرة عن الأولى في كونها تكتب من طرف شخص ما عن شخصية أخرى بموضوعية في الغالب، وبالاستناد إلى الوثائق والمراسلات والأحداث المتنوعة التي عاشها ذلك الذي كتب عنه السيرة، ولقد شهد هذا النوع من السير تطورات نوعية حيث أن الذي يكتب سيرة ما عن شخص ما يفترض فيه أن يكون متخصصا، وله أرشيفه الذي يحتوي على تعرجات الحياة العامة والخاصة والمهنية لتلك الشخصية. نظرا إلى أهمية جنس السيرة بكل فرعياته نأمل أن تنشئ جامعاتنا أقساما متخصصة لتكوين الأجيال التي ستنهض به وتجعله جزءا عضويا من مركب مشروعنا الثقافي.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر