الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

السيد سكايب

'سيادة' السكايب تتأتى من مهابته، فهو وحده القادر على قطع وتقطيع التخابر بين الطرفين، فإرساء التعب أو سوء التفاهم.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/03/24، العدد: 10581، ص(17)]

عندما كتب الشاعر محمود درويش “هزمتك يا موت الفنون جميعها”، فهو لم يكن يقصد حينها تضمين عالم الفنون فن الإبحار في عالم “السكايب”.

ليس من الرائج اعتبار برنامج السكايب المؤمّن للتواصل البصري والسمعي فنا من الفنون الداحرة للموت، لكن يصبح بالإمكان اعتباره هكذا، هو وغيره من الأنظمة المشابهة، فنا من الفنون المعاصرة إن نحن التفتنا إلى بعض الشروط التي تتوفر فيه وتجعله لا يختلف عن فن المفهومي/الافتراضي بالشيء الكثير، فهو أثيري مثله ويتطلب جهدا مضاعفا يشي بقوة الرغبة والقدرة على تحقيق عقد التواصل الذهني والروحي بين طرفين.

كما يتطلب فن “السكايبينغ” من الطرفين المتواصلين اختراع أو استخدام تقنيات حوارية مغايرة تماما لبساطة التقنيات الحوارية نسبيا والمُستخدمة على أرض الواقع، حيث تتشارك الحواس جميعها في تشكيل وفهم الآخر، كذلك يتطلب الفن المفهومي قدرة على اختلاق لغة جمالية خاصة هي أكثر تعقيدا من أي لغة فنية/تشكيلية.

تعبير”أرض الواقع” يبدو مُجحفا في حق “العالم الافتراضي” الذي يقع فيه المعنى أشد عمقا قبل أن يحلّ التواصل المباشر والحسيّ بين الطرفين ليغنيه وليعطيه مذاقا إضافيا، مذاقا لن يعرفه كل من جرى في أرض الواقع جريان قطيع البشر في رمال الزمان والمكان الموحلة والمُتحركة، ليكون السكايب فنا يلقن رواده جمالية ومتعة التجديد التي غالبا ما يفتقر إليها “سكان” أرض الواقع، يجب أن يتوفر شرطان يُكثف من أهميتهما شرط ثالث.

أولا، يجب ألا يكون المُتخاطبان عن طريق السكايب قد تعارفا مسبقا، ثانيا أن يتواصلا سمعيا فقط وليس بصريا عبر فتح عين الكاميرا الهاتكة لعمق وتشويق التجربة.

أما الشرط الثالث فهو أن تنشأ بينهما مع مرور الوقت قصة حب مغايرة (تلقائيا) لمعظم القصص المعاصرة، بذلك يخرج “السكايب” كليا عن كونه أداة تواصل إلكترونية ليدخل إلى عالم الفنون المعاصرة الأكثر انعتاقا وتحفيزا على التجديد.

هكذا يكتسب كلام الشاعر معنى مضاعفا، إذ يصبح الحب على الأثير فنا هازما أسطوريا للموت، لأنه يتطلب من الطرفين أن تكون لديهما مميزات غير شائعة تؤهلهما للخوض في غمار زرقة السكايب الخصبة، وأن يراعيا أو يبتكرا تقنيات كلامية خاصة ليست هي بأولويات يأخذ بها رواد “الحب الأرضي”.

كثيرا ما تأخذ زرقة السكايب اللامحدودة مُبحريها المقدامين إلى عمق الفراغ، حيث يختبرا الملل بشكل ثوري ومهدد للتواصل ومتخط له على حد السواء، فيلقنهما فنون إذلاله، أي إذلال الملل -عدوّ الحبّ اللدود- عندما يجيء وقت لقائهما على أرض الواقع.

هنا السكايب كيان اسمه “السيد سكايب” لونه أزرق نسبة إلى زرقة “ملامحه الخارجية” وهو محطّ تندّر ومصدر طرافة لـ”السكايبرز”، كما هو طرف ثالث يُدربهما على ترويض “الوقت” الذي يفصلهما، ويقرب ما بينهما على حد السواء، مُستمعا ومُشاركا في الأحاديث أيضا حينما يؤثث لحظات الصمت الثقيلة، حين يشاء، من خلال التشويش المتنوع المماثل لصوت تمزق أوراق أو لصدى مغاور عتيقة تُبدل صوتي المتحاورين إلى أصوات مخيفة حينا ومضحكة حينا آخر.

أما “سيادة” السكايب فتتأتى من مهابته، فهو وحده القادر على قطع وتقطيع التخابر بين الطرفين، فإرساء التعب أو سوء التفاهم.

ليس فقط من المستحيل الحفاظ على بريق اللحظات الأولى في أي حب كان، أرضيا بحتا، أو أثيريا في بدايته، تماما كما يستحيل الحفاظ على الانبهار الأول أمام أي عمل فني، ليست استمرارية الانبهار الأول هدف أي عمل فني، أو أي حب لأن ذلك سيؤدي حتما إلى الإرهاق.

يكمن الرجاء في أن يلي الانخطاف الأول أمام العمل الفني، قدرتنا على رؤيته بشكل مختلف كل مرة نطل عليه، كما يكمن الرجاء في أن تتحول شعلات الحب الأولى إلى أطياف متجددة من الطمأنينة والسعادة في أن نكون معا، ولكن غير متّحدين في تبدل ألواننا وأحوالنا لنهزم الموت، كما على كل حب أن يهزمه.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر