الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

لماذا يغارون من الشعراء

غيرة أصحاب السلطة من الأدباء والمبدعين نابعة من رفض للحرية بالأساس، حرية المبدع التي لم تنجح السجون والمشانق والرصاص في قمعها على مر التاريخ.

العرب محمد ناصر المولهي [نُشر في 2017/03/29، العدد: 10586، ص(14)]

لا يمكن منع أحد من الكتابة بأي حجة كانت، سواء حجة نقص موهبة أو الفقر التقني أو انعدام الروح وغيرها، من حق الجميع الكتابة، كتابة هواجسهم خواطرهم مشاعرهم أو رؤاهم حول عوالمهم أيا كانت. لذا فمن غير المبرر وقوف “حماة حمى” الأدب من كتّاب رسميين صارخين في وجوه كل من اقترب من الكتابة وحاول فيها، فيما هي “حوزة” لهم.

ليس كل من يكتب نصا أو فكرة أو حالة أو ما يشبه قصيدة سيصبح شاعرا أو روائيا أو قاصا أو ناقدا، فالطريق إلى الإبداع الأدبي شاق ومضن، من يسقطون منه أكثر بكثير ممن يواصلون المسير، مسير دون وصول. ومن حق الجميع أن يحاولوا المشي في هذا الطريق، أو الإطلال عليه فحسب، من حق الجميع الكتابة، لكن ليس واجبا أو لزاما علينا اعتبار ما يكتبه هؤلاء أدبا، وهنا يكون دور النقد.

ظاهرة لافتة في العالم العربي، في إطار حق الكتابة المفتوح للجميع، هو انخراط ناس أصحاب سلطة سياسية أو مالية أو إعلامية، في عالم الأدب والتأليف فيه، من هؤلاء نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي راجت قصائده خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة، لكنه كتب أيضا رواية بعنوان “زبيبة والملك”، التي صدرت عام 2000 أي قبل 3 سنوات من سقوط حكمه. سياسي عربي آخر كتب الرواية هو الرئيس المصري جمال عبدالناصر الذي ألف روايته المنقوصة بعنوان “في سبيل الحرية”، ولكنه لم يكمل كتابتها. أيضا هناك الرئيس الليبي الراحل معمّر القذافي الذي كتب قصصا كثيرة نذكر منها “انتحار رائد فضاء” و”الموت”، وقد صدر عدد من قصصه في كتاب بعنوان “الفرار إلى جهنم” ضمن مختارات لكتاب مهووسين بالسلطة.

كثيرة هي أمثلة الحكّام الذين كتبوا الأدب ونشروا أعمالهم، أي أنهم لم يكتفوا بالكتابة كفعل “ترفيه” ذاتي، إن صحت العبارة، بل قدموا أنفسهم ككتاب ومبدعين للقراء، فيما أغلب كتاباتهم كانت ضعيفة فنيا ومؤطرة بالأيديولوجيا وجافة في ثناياها لا تجديد فيها ولا شيء يلفت فكر قارئ أو قلبه. إذن لماذا كتب هؤلاء؟

يحاول أصحاب السلطة دائما أن يسيطروا على كل تفاصيل عوالمهم بالقوة والنعومة إن لزم الأمر، وهم يمسكون البشر والحجارة إلى ظلال أجنحتهم، ويمنون بالعطايا على هذا وينفرون ذاك، فوحدهم المبدعون يبقون خارج ظلال هذه الأجنحة، مجبرين على أن يكونوا أحرارا كروح الإبداع التي تسكنهم، لذا قد يكتب كاتب ما قصة أو شاعر ما قصيدة تكون ضد تمشيات الجهاز الحاكم وسياساته التلفيقية أو التنويمية -ونحن نعلم أن الإبداع غالبا ما يكون ضد السلطة- لذا تظل علاقة الحاكم بالكاتب أو الشاعر أو المبدع عموما علاقة تجاذب وتلاحق، علاقة غيرة وترصّد، فيحاول الحاكم أن يقتحم عالم الكاتب ويستعمل “السلاح الأدبي” نفسه لغايات أخرى، وهناك حتى من الحكام من يؤجر كتابا ليكتبوا له باسمه.

علاوة على الحكام والسياسيين هناك رجال ونساء المال، وهؤلاء يجربون مختلف صنوف الفن، ولئن كان دور هؤلاء منذ نبلاء فرنسا أو أقدم بكثير؛ منذ مجالس أثينا الأدبية والفكرية، فرصة لظهور الكثير من الأدباء والمفكرين، لما قدموه من مجالس أدبية وفنية تحاول خلق الإبداع، فإن الأمر اختلف اليوم، حيث في ظل اهتزاز الهويات النابع عن خفة معرفية وخواء فكري، بات أصحاب سلطة المال يطمحون إلى أن يكونوا هم أنفسهم الأدباء والرسامين والفنانين، هم أنفسهم المبدعين، من قبيل محاولة اشتراء مكان للذات، مكان لا يمكن شراؤه، وفي هذا يشترون مبدعين ويجندونهم من أجل تلميع ما ينتجونه على أنه إبداع ما، وهكذا يستمر صاحب المال مبدعا إلى أن ينتهي سحر سلطة المال على الخدم الإبداعيين.

وقد نخلص هنا إلى أن غيرة أصحاب السلطة من الأدباء والمبدعين نابعة من رفض للحرية بالأساس، حرية المبدع التي لم تنجح السجون والمشانق والرصاص في قمعها على مر التاريخ.

شاعر تونسي

محمد ناصر المولهي

:: مقالات أخرى لـ محمد ناصر المولهي

محمد ناصر المولهي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر