الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

شادي أبوسعدة يستعيد ذاكرته المنسية بخربشات طفولية

  • “حلم ظل على جدار” هو عنوان المعرض الجديد للفنان التشكيلي السوري شادي أبوسعدة الذي يقدمه في قاعة “مارك هاشم” في العاصمة اللبنانية بيروت، خمس عشرة لوحة معظمها بأحجام ضخمة ومشغولة بتقنيات مختلفة يحاول الفنان من خلالها سرد حياة الظلال بعيدا عن كونها مجرد مُلحقات لموجودات واقعية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/03/31، العدد: 10588، ص(17)]

دهشة طفولية

بيروت – يقدم التشكيلي السوري شادي أبوسعدة لوحاته المعروضة في قاعة “مارك هاشم” البيروتية، بهذه الكلمات “أصنع جدرانا لظلالنا، ألصق عليها أوراقا وجرائد تشابه الملصقات الطرقية المهشّمة، لأشير إلى الزمان والمكان كخربشات إنسان الكهوف، وفي بعض الأحيان أكتب الذكريات كي لا ننسى ما تبقى من ذاكرتنا، من هنا أستوحي أعمالي، من الأحلام، من الذاكرة، من تكرار التاريخ ودمار الطفولة، في هذا الزمن الذي لا يحتمل الجدية أصبحت الهلوسة الأقرب إلى الواقع”.

ويضيف الفنان معرفا معرضه المعنون بـ”حلم ظل على الجدار”، قائلا “باتت أحلامنا معلقة على الجدران، وما زلت أتساءل: ماذا لو سجل الجدار ظلالنا؟ ماذا لو علقنا في لحظة سكون؟ ماذا لو كنا عابرين؟.. أعود وأقول حطموا جدرانكم واتبعوني إنه مجرد حلم”.

يستعيد الفنان بعض كلماته تلك مما كتبه لمعرضه السابق كنوع من التأكيد على استمراره في استنطاق الجدران واستقراء ما تريد أن تقوله له، لينقله بدوره إلى صفحات القماش التي بدورها تخاطب الناظر إليها بصيغ مختلفة يتلقاها بشكل مختلف تبعا لتجاربه الشخصية الخاصة، غير أن كل اللوحات التي يعرضها الفنان ما عدا لوحتين وهما “رقص”، و”دائرة الحياة”، تتلاقى في أمر واحد، وهو أن أبطالها شخصيات مُشكلة على حدود ما بين هلامية بيضاء وشفافية شبحية.

أما كل الأشياء المحيطة بهم أو الأدوات التي يستعملونها، فهي أشد حضورا ووضوحا منهم، وكأنها تبرر حضورهم “الوقتي” على صفحات القماش/الجدار المُخربش بتفاصيل الذكريات الحميمة.

ليس هذا فحسب، فكل الشخوص، وأيضا خلافا للوحتين المذكورتين آنفا، من الصعب أن تتعرف إلى سنهم، إنهم بشر خارج الزمن كما نفهمه على هذه الأرض وهم في فضاء مفتوح/مغلق يُذكّر حينا برحم الأم الذي يفتقده كل واحد منا في سرّه أو جهره، وهو أحيانا يُذكّر برحم أشد عظمة وهو المتمثل في الكون. هم أطفال ناضجون، لا بل هم في بعض اللوحات أجنة، ولكن متوقدة النظرات وضاحكة، كما في اللوحة التي تحمل عنوان “أنا”، وهناك بعض رسومات أنجزها الفنان بحساسية عالية وبتقنية فريدة أساسها الرسم بالأسود على العديد من طبقات الأوراق الشفافة (أوراق “الكالك”).

ولتطل من النافذة الأفضل على لوحات الفنان، وخاصة على شخصياته حليقة الشعر والمستديرة كالأقمار في الليالي غير الحالكة، عليك أن تتأمل في أوصاف المادة التي تكونت منها، مادة تُحيل المُشاهد بشكل شبه مباشر إلى المادة الكلسيّة.

يُصنف الماء علميا إلى ماء عسر وماء يسر، وذلك حسب تفاعله مع مادة الصابون، فالماء الذي يرغي معه الصابون بسهولة يُسمى ماء يسر، أما الماء الذي يتحوّل إثر اختلاطه بمحلول الصابون ليكون مادة بيضاء صلبة يُسمى ماء عسر.

شخوص أبوسعدة لا هم أشباح ولا هم أحياء، بل أطياف مراوحة تتسلى في ألعاب طفولية بفرح أولي وخام

شخصيات الفنان شادي أبوسعدة هي تماما من نوع هذا الماء، كلسيّة بلونها وبغياب لمعيتها وقدرتها على التموج بين الترقق والتكثيف وبكونها لصيقة الجدران المُتقشرة، وهي أيضا من ماء شديد الكلسيّة للونها الأبيض الذي يلوّحه الرماديّ دون أن يصيبه في عقر داره.

وإذا كانت الألوان رفيقة لوحات الفنان في معرضه قبل الأخير، فهي تغيب في هذا المعرض ليحضر الأبيض الكلسيّ الذي سمح بحضور ثلاثة ألوان أخرى فقط، ربما لأنها تسهّل لفت النظر إليه، أي إلى اللون الكلسيّ.

اللون الأول أخضر مميز جدا غالبا ما يصبغ أجزاء من جدران البيوت القديمة، في حين أن اللون الثاني هو الأحمر القرميدي الذي بدوره متصل بسقوف المنازل، أما اللون الثالث فهو الأسود الأردوازي الذي يذكّر بالألواح المدرسية التي ما زالت العديد من المدارس تعتمده.

الأهم من ذلك هو أن اللون الكلسيّ له ثقل ماديّ على الرغم من رهافة لونه، وهو في ذلك مناسب جدا لشخوص الفنان الذين يبدون كأنهم كائنات لا تستطيع مغادرة الأرض نحو العالم الآخر، لأن هناك على هذه الأرض أعمالا لهم غير منجزة، وأحلاما لم تتحقق، وأقوالا لم يتلفظوا بها بعد قبل أن تُسرق حياتهم منهم.

ليسوا أشباحا وليسوا أحياء، بل أطياف مُراوحة، أطياف اعتادت المراوحة حتى بدأت تتسلى في أعمال بسيطة وألعاب طفولية بفرح أوليّ وخام، من تلك اللوحات التي تنطق بهذه الأفكار اللوحات التي تحمل هذه العناوين: “الحصان الخشبي” و”المسافر” و”دائرة الحياة”.

في لوحاته سيعثر المُشاهد على الخيال المُتقد الذي يجعل من الحصان الخشبي حصانا حقيقيا، ويجعل للعروس ضمة بالونات، بدلا من الورود، تمكنها من الفرار متى شاءت، وعلى الحبل الذي تتقافزه فتاة بثوب أبيض وظل هو لها وليس لها في آن واحد، وسيعثر أيضا على الفرح البسيط، والشعور بالحرية الحقّة، والدهشة الطفولية التي تغادر عيون أطفال العالم المعاصر المصابين بداء السأم المتواصل.

بعض الراشدين حافظوا على هذه الميزات التي تجعل الحياة أقل وطأة، لا سيما ميزة الدهشة، ربما هم أكثر من يستطيع النفاذ إلى حلاوة ما يصوره الفنان في لوحاته.

أن تقف أمام لوحات شادي أبوسعدة، هو أن تتذكّر وبقوة كلمات الكاتب والفيلسوف الفرنسي أرنست رينان “نحيا من ندرة ظل سيدي، من عطر إناء يفتقر الورود، بعدنا سيحيا الآخرون من ظلّ ظلٍ، للحظات أخشى أن يكون هذا في منتهى الخفة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر