الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

ماذا تبقى لداعية الحداثية والحداثة

الحداثة هي السرديات الكبرى التي أسست للمركزيات اللاغية لما يدعى بالهامش سواء كان هذا الهامش إثنية أو ثقافة بلدان الأطراف، أو هويات مهمشة وهلم جرا. بعد كل هذا ماذا تبقّى لداعية الحداثية والحداثة؟

العرب أزراج عمر [نُشر في 2017/03/31، العدد: 10588، ص(15)]

يملك الغرب قدرة ملفتة للنظر على إبداع التجارب الفكرية والفنية ومفاجأة العالم بها، أما ما يعمله مثقفونا العرب فينحصر غالبا في الجري وراءها بعد أن تكون قد استنفدت أغراضها أو حلّت محلها تجارب جديدة أخرى أكثر جذرية وتطورا.

ما يلاحَظ هو أن هذا الجري يتزامن دائما مع نشوب صراع الديوك بينهم وكأن هذه البضاعة الفكرية أو الفنية التي يتصارعون حولها هي ملك لهم ونتيجة من نتائج كدحهم الفكري والفني. يضيق المجال هنا عن ذكر حروب داحس والغبراء التي دارت ولا تزال تدور رحاها بين مثقفينا حول البراغماتية، والوضعية المنطقية، والوجودية، والتكعيبية، والسريالية، وتيار الوعي، وغيرها من التيارات الفكرية، والأدبية، والفنية وهي كلها جزء عضوي من هوية الغرب الثقافية وملونة بلون طبيعة مجتمعاته وتعبر عن تطور ثقافات هذه المجتمعات.

ولقد وصل الأمر بأحد الشعراء والنقاد السوريين المشهورين إلى تقديم نفسه، كشاعر وكناقد، أبا شرعيا للحداثة حتى صار يفهم منه أنه هو الذي غرس بذرتها الأولى، وسهر الليالي من أجل سقي جذورها الطرية، وحراسة ثمارها الطازجة. والغريب في الأمر هو أن هذه الحداثية، سواء في الأدب أو في الفلسفة أو في بنية مكوناتها المادية وكذا موقفها السياسي، التي يدعي أبوّتها ويبشر بها حيثما حل لا تعني دائما وأبدا التحول ضد الثابت بل إنها في الكثير من مضامينها وأشكالها هي التمسك بالثابت على حساب التحوّل أو الحرية في بناء الفكر والفن والأدب بناء عنقوديا مفتوحا بعيدا عن إكراهات وسياج النسقية المغلقة.

في هذا الخصوص بيّن المفكر المصري المغترب في أميركا الناقد الأدبي اللامع إيهاب حسن بالحجة الدامغة أن الحداثية في الأدب تعني النسقية النموذجية المغلقة بدلا من التجربة المفتوحة في الأشكال والمحتوى، وأنها الإصرار على تثبيت “التصميم المسبق، والغائية، والتراتبية، والتركيبة، والحضور، والعرض، والنموذج الكلي، والاستعارة، والمدلول، والعلية ومركزية المعنى في أي نص بدلا من الصدفة، وضد الشكل، والصمت، والغياب، والكناية، والأطروحة المضادة، وتداخل النصوص، والرغبة، وتعددية المعاني” وتشابكها.

أما على صعيد أسس الفكر الحداثي وتطبيقاته السياسية فإن المفكر البريطاني أنثوني غيدنز يؤكد في دراساته الجادة أن الحداثة ليست إلا عرضا ونتيجة للرأسمالية الغربية ولمؤسسات الرقابة ولظاهرة الدولة – الأمة المركزية. وهناك أيضا تحليلات مفكري ما بعد الحداثة التي أبرزت دراساتهم الفلسفية أن الحداثة هي السرديات الكبرى التي أسست للمركزيات اللاغية لما يدعى بالهامش سواء كان هذا الهامش إثنية أو ثقافة بلدان الأطراف، أو هويات مهمشة وهلم جرا. بعد كل هذا ماذا تبقّى لداعية الحداثية والحداثة؟

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر