الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

هل ورطت إيران أميركا بمصائد المغفلين في إبادة الموصل

في كل دول العالم، وظيفة الحاكم أن يحمي شعبه في السلم وفي حالة الاضطرار إلى خوض الحرب، لذلك وجدت الجيوش لتدافع عن مواطنيها وتضحي بمقاتليها لإنقاذهم.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2017/04/01، العدد: 10589، ص(8)]

نبهنا في مقالة سابقة تحت عنوان “الموصل القديمة تتحول إلى ملاجئ للعامريات” إلى حجم الكارثة التي يتعرض لها المدنيون في الضفة الغربية لنهر دجلة من مدينة الموصل. وكانت الإشارة إلى جريمة ملجأ العامرية تقريبا لصورة الحرب ومحاولة الأبرياء الاحتماء في بعض المنازل حيث تتوفر ملاجئ صغيرة نسبيا بُنيَت معظمها بتشجيع من الدولة العراقية في سنوات الحرب مع إيران تحسبا لتطورات الصراع أو الاستهداف الصاروخي بعيد المدى أو بسلاح الجو وقسم من المدن بالمدفعية، كما كان الواقع في مدينتي البصرة وميسان وغيرهما.

كتبنا المقالة ونشرت قبل الإعلان أو الكشف عن الجريمة المـروعة بأيام قليلة، وهذا تأكيد على أن سياق المعركة وما يقال عن قواعد الاشتباك ونوعية السلاح المستخدم وتداخل عناصر أخرى باتت معروفة، ونتائجها متوقعة في تصاعد نسبة الأخطاء غير المتعمدة، وهي مع افتراض حسن النية تعني جهلا في تلقي العلوم العسكرية الصرفة من الأكاديميات، وإن المعلومات الصادرة من غرفة العمليات المشتركة لم تكن دقيقة وحساباتها الاستخباراتية غير خاضعة لمعايير المهنية. أشارت إلى ذلك القيادة المركزية الأميركية وقـوات التحالف الدولي بمراجعتها لأكثـر من 700 شريط مصور لطلعات مهماتها الجوية واعترفت بمساهمتها في تنفيذ الضـربة، مدار التقصي، لكنهـا أوضحت استنـادها على معلـومات أرضيـة تم تحديدها من الجانب العـراقي وأضافت إليه تعليلا لا يتسم بالذكاء حول مناورات تنظيم داعش لإيقـاع أكبر عدد من الخسائر بين المدنيين؛ أي أن أميركا وقعت في مصائد المغفلين.

تحقيق القيادة المركزية الأميركية لم يتوقف، إنما تمّ استدعاء رئيسها الجنرال جوزيف فوتيل إلى جلسة في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب الأميركي، لتتحول المجزرة أو فضيحة إبادة الموصل إلى تحقيق رسمي تجاوز سقف التقييمات أو التبريرات للقادة العسكريين؛ إنها خطوة تتناسب مع رد الفعل الصادر من الأمم المتحدة الذي دعا إلى تحقيقات شفافة في ملابسات الجريمة، يأتي ذلك في فورة انفعالات الدفاع عن النفس والنأي بالمسؤولية التي اتبعتها الحكومة الاتحادية في العراق واستعجالها في تقييم الأسباب.

ما صدر عن حيدر العبادي بصفته القائد العام للقوات المسلحة يؤكد رغبته في الدفاع عن العمليات العسكرية والانتصارات في الحرب على الإرهاب وعدم السماح لأي طرف سياسي، حتى لو كان من داخل حزبه، باستهداف احتفالاته المبكرة بطرد داعش من الموصل التي يتم توظيفها باتجاهات عديدة داخل العراق وفي محيطه الإقليمي والعربي والدولي، دون ترك أي فرصة للخصوم أو حتى للحقائق أن تجد لها طريقا لإنصاف الضحايا. العبادي هو أيضا فتح تحقيقا “شفافا” لكنه أصدر تقريره الاستباقي، الساخر من الإعلام الذي يتابع مأساة النازحين والأهوال التي تعصف بالمدنيين في الموصل، ووصفهم بإعلام داعش، ومارس في تصريحاته دور المتهم المرتبك عندما فندّ أرقام القتلى، وإطلاقه تسمية “الحرب النظيفة” على أقذر أنواع الحروب في التاريخ العسكري.

نعود إلى بداية انطلاق معركة الساحل الأيمن والانتصارات السريعة لقلة أعداد المقاتلين من تنظيم داعش؛ كانت واجباتهم عرقلة القوات تراجعا إلى أحياء الموصل القديمة وهي قلب التنظيم؛ حينها صرح قائد عمليات “قادمون يا نينوى” بأنه تمت إهانة أسلحة العدو الداعشي التي تركها في أول مواجهة؛ وهو من بديهيات التصريحات العسكرية التي تنطبق على معظم المعارك إلا معركة الحرب على داعش الإجرامي في الموصل، لأن معظم أسلحة التنظيم وما يقاتل به من معدات إنما هي غنائم من الفرق النظامية للقوات العراقية والشرطة الاتحادية التي فرت خلال ساعات في يونيو 2010 تاركة آلة الحرب الأميركية للإرهاب ليقاتل بها ويتمدد خلال السنوات الماضية.

قلناها أكثر من مرة إن هذا الجيش الحالي رغم أنه قوات نظامية لكنه لا يمثل الجيش العراقي بتاريخه الطويل ومؤسساته العسكرية وكلياته وجامعاته وأركانه ودراساته العليا ومراكز بحوثه وتطوير قدراته القتالية وصنوفه المتعددة وخبرات تجاربه في معارك الأمة العربية، أو معاركه الشرسة ضد العدو الإيراني بنظامه المتخلف في حرب الثمانية أعوام التي اكتسب خلالها طاقات ودروسا مستنبطة شبه يومية، تدفعنا إلى الإصرار على أن نماذج الاشتباك الحاصل الآن في الأحياء المزدحمة بالبيوت والمدنيين ليس وراءها لجام يقوده فارس بعقل مدبر ومفكر ومخطط ومتمرن ومجرب، وإن القطعات الراجلة لم تتدرب، جميعها أو معظمها، على فعاليات مركزية واسعة النطاق وفي أجواء ميدانية مقاربة في التصميم المكاني، لسد الثغرات ومعالجتها في التدريب الشاق على معالجة الأهداف وعمليات إنقاذ المدنيين وتأمين سلامتهم وهو الهدف الأسمى.

قائد العمليات الأميركية وصف الحال بالوقوع في عملية “توريط” للقوات الجوية للتحالف لاستنادها على معلومات تقص أرضي للقوات العراقية؛ بما يعني أن الكوادر المعلوماتية غير مؤهلة وهذا ينسحب على تسلسل منطقي لمرجعياتها العسكرية التي تأتمر أساسا بأوامر لقيادة سياسية قاصرة في إدارة الدولة والجيش والقوات المسلحة عموما. فمعركة الموصل تحديدا أثبتت أن التحالف الدولي كان عليه التزامات كبرى في وضع الإستراتيجيات العامة والمفصلة وعدم الاقتصار على الإسناد الجوي أو المدفعي المحدود وإدارة المعارك وهي أمور فنية تدار من المقرات الخلفية.

كان على المجتمع الدولي أن يتحالف مسبقا في الإعداد لخوض مستلزمات معركة إنقاذ للآلاف من الرهائن المدنيين وتوفير المستشفيات المتنقلة والفرق الطبية المتطوعة والمُكَلَفَة وتهيئة استثنائية لمخيمات نزوح تستوعب سكان مدينة مثل الموصل وضواحيها، وكذلك تحالف لدفاع مدني دولي مزود بآليات وخبرات، وما يقال الكثير لكن ألم يكن العالم يدري أنها معركة كبرى أم إن العبادي وقيادة حزب الدعوة والميليشيات التابعة لإيران ورطوا التحالف الدولي وورطوا القيادة الأميركية العسكرية.

ليلة فضيحة إبادة الموصل، وعلى ضوء التصريحات من ضباط ميدانيين التي أكدت مقتل عدد من مقاتلي جهاز مكافحة الإرهاب وإن حالة من الغضب أفرزت المعلومات إلى التحالف الدولي لاستهداف أفراد مبعثرين من الدواعش كانت تتم معالجتهم في سياق المعركة بالقناصين أو بسلاح متوسط من القوات الخاصة المجوقلة، لكن اختلفت المعلومة في تلك الليلة نتيجة الرغبة في إلحاق الأذى وتدمير أكبر مساحة بغرض الانتقام من داعش وسط حالة من اللامبالاة بالمدنيين، والأسباب غير مجهولة طبعا في ظل واقع لن تخطئه أي بصيرة منصفة.

شخصية سياسية معروفة من أهالي الموصل قالت وبملء فمها إن المعلومات تشير إلى أن قصفا حدث بسلاح إيراني ثقيل أقدمت عليه الشرطة الاتحادية لتهديم الدور السكنية على رؤوس من يحتمي بها. الحقيقة يمكن تتبعها في الترصد الروسي للانتهاكات ضد المدنيين لتعديل كفة جرائمه في حلب مع كفة الإخفاق الأميركي في الموصل، دون نسيان الدور الإيراني المتغلغل في صفوف الجيش النظامي أو ضمن ميليشيات الحشد الشعبي الطائفي التي يراد منها أن تزج كقوات رسمية وعسكرية، ومعروف عنها قدرتها على التحول إلى جيش نظامي بين ليلة وضحاها بمجرد ارتداء ملابس الصنوف العسكرية التي تختارها لخدمة أغراضها؛ هل إيران ورطت أميركا في جريمة أو فضيحة إبادة المدنيين في الموصل؟

النتائج في أي تحقيق لن تواري الإجرام المشترك لجميع الأطراف التي ساهمت في احتلال الموصل وتدميرها وزجها بل زفها إلى الإرهاب، ثم التخلف عنها وبعدها معاودة تحريرها أو تدميرها ومعاقبة مواطنيها والآتي أعظم. أغلَقوا منافذ الهرب من بواباته الغربية لتظل مجموعة من الدواعش؛ وأبسط ضابط مهني يعرف أن أول درس في حرب المدن المكتظة بالمدنيين هو إخراج أو سحب المقاتلين إلى مناطق قتل خارجها، كمناورة إغراء لهروبهم حتى ولو في اللحظات الأخيرة؛ لكن المتوقع بعد استنفاد مخطط الانتقام والتدمير والتجويع والإذلال والحصار، أنه سيتم فتح ثغرة لهم في سيناريو فتح ثغرات جديدة على مساحة الوطن العربي لدخول الإرهاب بعد خروجه من الثغرات القديمة.

في كل دول العالم، وظيفة الحاكم أن يحمي شعبه في السلم وفي حالة الاضطرار إلى خوض الحرب أيضا، لذلك وجدت الجيوش لتدافع عن مواطنيها وتضحي بمقاتليها لإنقاذهم. العبادي في القمة العربية يقول إن العراق دولة موحدة وإننا أوفينا لشعبنا بعد أن تعهدنا له بالتحرير، وإن موقفنا ثابت من القدس والقضية الفلسطينية ونحن ضد أي تدخل خارجي في شؤوننا الداخلية.

ونحن معه في كل ما قاله لأننا في العراق وأمة العرب اختبرنا سياسة الحزب الحاكم في عملية النسخ واللصق للمشروع الإيراني في العراق؛ لكن على العبادي وحزبه وحشده ومن ساهم في إيصال العراق إلى هذا الحال أن يتذكروا أن التحقيق المركزي ستقوده الشعوب، وهو قادم لا محالة إن في إيران أو العراق.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر