الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

عجائب الأكاديميين

لماذا لا ينفتح أساتذة الجامعات التونسية على التجارب الأدبية الجديدة ويفتحوا أعين طلبتهم عليها -وهذا ما فعله بعضهم فعلا-؟ لماذا لا يوقفون الحركة الإقصائية والعدائية بالكتابة عن بعضهم البعض، واختزال العالم فيما بينهم؟

العرب محمد ناصر المولهي [نُشر في 2017/04/14، العدد: 10602، ص(14)]

يغيب الأكاديميون التونسيون عن متابعة النتاج الأدبي الجديد في تونس، وربما يعود ذلك إلى قصور في التواصل بين الجامعة والمشهد الأدبي والثقافي خارجها.

تعاني الجامعات التونسية وخاصة في ما يتعلق بالعلوم الإنسانية، من تراجع لا نبالغ إن وصفناه بالمخيف.

لا يتحمل الطلاب المسؤولية، بقدر ما يتحملها المسؤولون عن الجامعة التونسية، وخاصة الإطارات من الأكاديميين، صحيح أنه لا يمكن أن نلقي على عاتقهم كل المسؤولية بكامل ثقلها، لكنهم الحلقة الأهم التي فقدت معها الجامعة دورها التحفيزي معرفيا، وحتى سياسيا واجتماعيا. فباتت أغلب الجامعات التونسية أسوارا عالية حاجبة، بدل أن تكون مدارج كاشفة للنور.

لم يطور أغلب الأكاديميين التونسيين من أدائهم، وظل كل منهم يتأبط أطروحته القديمة ويكررها كل سنة على مسامع طلبة جدد، يلقي عليهم نصه البحثي الذي قد يبلغ عمره العشرين أو الثلاثين عاما، دون مراعاة للتطور المعرفي المستمر، وحتى لتغير الحال الاجتماعي والحال العام والخاص للفرد التونسي، وما الطالب إلا عيّنة مجتمعية في حد ذاته. لذا لا تراعي أطروحات الاكاديميين الفوارق ولا الزمن والخصوصيات الفردية.

ليس ذاك فحسب، بل الأكاديميون أنفسهم هم سبب العزوف عن البحث من قبل الطلاب، في طريقة طرحهم المكرورة لما يقترحون أنه معارف أو جماليات، والكثير من هؤلاء الأكاديميين غاب عن العالم داخل أسوار الجامعة، فلم يعد يتابع الأدب ولا الفن ولا حتى أحداث الواقع ومتقلباته وما يطرأ على مجتمعه من تغيّرات.

غياب روح التجديد والبحث اللذين هما جوهر المعرفة، عن أكاديميي الجامعة ساهم بدوره في إطفائها لدى طلبتهم، وبالتالي باتت الجامعات التونسية تنتج طلبة ناجحين لكنهم دون معرفة، متعلمين ولكنهم دون ذوات راكمت لها مخزونا ثقافيا من سنوات الجامعة، يفتح لها طريق الاكتشاف.

ولا ننفي هنا دور السلط التي لا تراعي حالة الأكاديميين التونسيين وظروفهم ولا تساهم في تحفيزهم وتطوير أدائهم، ما حدا بالكثير منهم وخاصة من المميزين إلى الهجرة، فيما بقي الآخرون رهينة الظرف الاجتماعي والاقتصادي الذي لا يحفّز على المعرفة، إضافة إلى الكوادر والموظفين الإداريين للجامعات والتعليم العالي، الذين أضعفت نظرهم البيروقراطية والكسل عن محاولة دعم التجديد.

من جانب آخر يلفت انتباهنا أمر مختلف هو سيطرة الأكاديميين هؤلاء على المشهد الثقافي التونسي، في مفارقة عجيبة. صحيح أن العداء بين الأكاديميين وغيرهم من المبدعين خاصة، هو مجرد وهم، لكن هذا الوهم تحول إلى حقيقة، حيث حتى الأكاديميون أنفسهم استبطنوا هذا العداء، فباتوا ناصري بعضهم البعض، في كل شيء تقريبا، في الجوائز والتظاهرات والتمثيلات الثقافية. لا ضير في هذا. المشكلة في تبوؤ أكاديميين كثيرين لمنصات الإبداع فيما لا حق لهم فيها. إذا كانوا لم يقدموا للطلبة درسا له روح تخلق للمعرفة حياة، فكيف يريدون تقديم منتج جمالي ومعرفي في قالب إبداعي لكافة الناس.

في الجهة المقابلة نلاحظ عداء غريبا من قبل البعض تجاه الأكاديميين، ومهما كانت تبريراته، وخاصة منها السياسية، حيث هناك ما يشبه القاعدة، ألا وهي اصطفاف الأكاديميين في صف السلطة فيما المبدعون في الصف المقابل دائما. العداء تجاه أساتذة الجامعة يبقى غير مبرر، فقد أنجبت الجامعة التونسية الكثير من رموز المعرفة والإبداع، ولا يمكن اليوم إحراق كل البستان لأن بعض أشجاره مصابة بالعقم.

في الحقيقة إن الوضع الصحي هو التكامل بين أكاديميي الجامعات ومن خارجها من كتاب. أكاديميو الجامعة يمتلكون دورا رياديا داخل المؤسسة، فلماذا لا يبدأ منهم هم أنفسهم الحل؟ مثلا لماذا لا ينفتح أساتذة الجامعات التونسية على التجارب الأدبية الجديدة ويفتحوا أعين طلبتهم عليها -وهذا ما فعله بعضهم فعلا-؟ لماذا لا يوقفون الحركة الإقصائية والعدائية بالكتابة عن بعضهم البعض، واختزال العالم فيما بينهم؟ نعلم كلنا شقاء المعرفة التي بوّأت أي شخص مكانة أكاديمية ما، لكن هل هذا مبرر لنفي الآخر المختلف تكوينا ومعرفة وعمرا حتى؟

في النهاية ترسخت عندي فكرة، أن طفلا قد يكتب قصيدة أكثر حرارة مما يكتبها دكتور. نعم لا ننفي أهمية التقنية التي يمتلكها دارسوها، لكن قبل أن تأتي التقنية كان الكلام، النابت من أرض بلا أسوار. نعم لا تكفي موهبة أو صدفة أو عاطفة لإنشاء نص أدبي، لكن أبدا الكتابة ليست درسا في الجامعة.

شاعر تونسي

محمد ناصر المولهي

:: مقالات أخرى لـ محمد ناصر المولهي

محمد ناصر المولهي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر