الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

مهن تدر على أصحابها المال وأخرى تدفعهم إلى الانتحار

  • أهم نصيحة يقدمها الخبراء إلى الباحثين عن شغل هي ألا يبدأوا بإخبار أصحاب المؤسسات عن مدى احتياجهم إلى الوظيفة، فقد يستغلونها كنقطة ضعف ويطلبون منهم العمل لأكثر من 60 ساعة أسبوعيا، أو يمنحونهم أجرا لا يعادل مؤهلاتهم العلمية وخبراتهم المهنية.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2017/04/18، العدد: 10606، ص(21)]

متعة رغم المشقة

يحلم الكثيرون في صغرهم بمهن معينة، وترافقهم أحلامهم أحيانا طيلة مراحل دراستهم، فيعملون جاهدين على نيل شهادات عليا في التخصصات التي تستهويهم أكثر من غيرها، من أجل تحويل أحلامهم إلى حقيقة، ولكن الطموحات لا تتحقق كلها، فالعديد من العوامل تتضافر لتضطر البعض إلى التغاضي عن أحلام الطفولة، والقبول بوظائف لم يختاروها ولم يفكروا فيها أبدا، بل فرضتها عليهم ظروف الحياة القاسية وسوق الشغل الذي أصبحت متطلباته في أغلب البلدان العربية لا تتطابق مع الشهادات العلمية التي يقضي الشباب سنوات طويلة في الدراسة من أجل الحصول عليها.

كما يمثل العائد المالي أكثر ما يثير قلق كل من يبحث عن عمل، ولكن قد لا يكون هناك أشخاص يتطلعون إلى التفاوض حول مسألة الأجور، بل يتجنبون هذا الموضوع تماما ويقبلون ما يعرض عليهم، وخاصة أولئك الذين عانوا من البطالة لسنوات عديدة.

وأثبتت العديد من الأبحاث أن البطالة قد تؤثر على الصحة النفسية والجسدية للإنسان، ولكن يمكن أيضا للوظيفة السيئة أن تؤثر بشكل سلبي على الصحة النفسية مقارنة بالبطالة.

وائل الرسام: أؤمن بأن حبي للفن سينتصر على العوائق والنجاح سيكون من نصيبي

ويحذر خبراء بريطانيون من انقلاب النظرة الإيجابية التي يحملها عموم الناس عن العمل باعتباره مصدرا مهما للطاقة والتحفيز والشعور بالانتماء ومعنى الحياة، إلى مصدر للتوتر والضغط العصبي، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من نتائج مميتة.

وعبرت التونسية نوال الماجري التي تعمل في متجر لبيع الملابس، عن عدم سعادتها بمهنتها في تصريحها لـ”العرب”، مشيرة إلى أنها مجبرة على العمل كبائعة بسبب ظروفها المادية الصعبة، وعدم توفر فرص شغل في بلادها تتوافق مع مؤهلاتها العلمية. واسترسلت الماجري في الحديث عن ساعات العمل الطويلة التي تقضيها يوميا واقفة على قدميها في مكان ضيّق، وعن العائد المادي الذي لا يعادل الجهد الذي تبذله.

ولكن ابنة بلدها الروائية والمدرسة هند الزيادي ترى أن تقبل الأمور على شاكلتها يمكن أن يحدّ من ضغوط المهنة مهما كانت متعبة، والأهم من ذلك بالنسبة إليها هو عدم التخلي عن الأمل في إمكانية تحقيق النجاح حتى في المهن التي لم يخترها المرء بمحض إرادته.

وعن نفسها قالت الزيادي في حديثها لـ”العرب” إن التدريس لم يكن من ضمن طموحاتها، ولكنها وجدت في محبة تلاميذها ما عوضها عن حلم طفولتها، وأصبحت تستمتع بمهنتها لأنها تشعر بدورها في العمل على تفتّح عقول تلاميذها المتعطشة للمعرفه. وأضافت “التفرّغ للكتابة الروائية والكتابة الدرامية هو حلمي الذي أتمناه في الواقع، ولكنني أستمتع بما أفعله حين لا أقدر أن أفعل ما يمتّعني”.

أما المصري أيمن عبدالسميع حسن الذي يعمل حاليا مديرا للشؤون المالية بمديرية الصحة بسوهاج، فعلى الرغم من ميولاته الأدبية، فإنه خير الالتحاق بكلية التجارة، وكان أوفر حظا في الحصول على مهنة في مجال تخصصه، إلا أنه لم يكتف بالمؤهل العلمي الذي يحمله، بل حاول تطوير مهاراته، مما خول له الارتقاء مهنيا والوصول إلى منصبه الحالي.

ولكنه مازال يحمل في نفسه شيئا من عشقه القديم للأدب، ويحاول متى أتيحت له الفرصة كتابة المقال والقصة القصيرة والدراسات النقدية وينشر كتاباته في دوريات إعلامية ومصرية وعربية، مشيرا في تصريحه لـ”العرب” إلى أن ذلك ساعده على إشباع رغبته في التخصص الذي كان يطمح إليه منذ نعومة أظافره، كما ساعده على تحقيق الرضا الوظيفي.

بينما يقول المطرب العراقي وائل الرسام إن اختياره لمهنته كان خيارا ذاتيا، وقد أثنى عليه أصدقاؤه وشجعوه عليه أيضا، نظرا لما يمتلكه من طاقة صوتية تخول له النجاح في هذا المجال. ولم ينف الرسام في حديثه لـ”العرب” الصعوبات التي يمكن أن يواجهها أي فنان في بداية مشواره وخاصة في ظل عدم توفر شركات إنتاج بالعراق تتبنى المواهب وتدعمها، ولكنه يؤمن بأن حبه للفن سينتصر على كل العوائق وأن النجاح والشهرة سيكونان من نصيبه في النهاية.

هند الزيادي: وجدت في محبة تلاميذي ما عوضني عن حلم طفولتي وأصبحت أستمتع بمهنتي

ويقول باحثون من جامعة كوليدج لندن إن العمل في أي مهنة قد يؤدي إلى التوتر، لكن الأمر قد يكون أكثر حدة في صفوف العمال ذوي المهارات المحدودة، والذين لا تلقى مهنهم تقديرا من قبل المجتمع.

ووضع باحثون بريطانيون قائمة في الوظائف التي يمكن أن تستنزف وقت الموظفين وطاقتهم وتسبب لهم التوتر أكثر من غيرهم، وترفع من احتمال إصابتهم بالكآبة التي قد تدفع البعض منهم إلى الإقدام على الانتحار.

ويتصدر الأشخاص الذين يعملون في قطاع التمريض ورياض الأطفال هذه القائمة، حيث يعاني 11 بالمئة منهم تقريبا من الاكتئاب؛ لأنّهم يقومون بخدمة أشخاص لا يظهرون لهم في الغالب الامتنان أو التقدير، مما يحول دون حصولهم على طاقة إيجابية.

ويأتي الندل في المرتبة الثانية، وذلك بسبب ساعات عملهم الطويلة والمواقف المحرجة التي يتعرضون لها مع الزبائن حيث تزداد لديهم حدة التوتر والضغط النفسي، ويعاني حوالي 13 بالمئة منهم من الكآبة.

ويعاني الأطباء من نفس المشكلة، جراء أسلوب حياتهم الروتيني وأجواء عملهم التي لا تخلو من المخاطر، إذ يصاب سنويا حوالي 9 بالمئة منهم بكآبة مزمنة، وليس المدرسون بمنأى من الضغوط المسلطة عليهم من قبل الطلبة وأوليائهم ومديري المؤسسات التعليمية التي يعملون بها.

وكان طبيب الأمراض النفسية هارلود برادلي، أول من أطلق على الضغوط الخاصة بالعمل مسمى “الاحتراق النفسي” في عام 1969، وأعاد المحلل النفسي هربرت فرودنبرجر استخدام هذا المصطلح من جديد في أبحاثة.

ووصف فرودنبرجر ما يتعرض له بعض الموظفين في بيئات العمل الضاغطة بقوله “بصفتي محللا نفسيا وطبيبا ممارسا، أدركت أن الأشخاص في بعض الأحيان، يقعون ضحايا للحرائق تماما كالمباني، فتحت وطأة التوترات الناتجة عن الحياة في عالمنا المعقد، تستهلك مواردهم الداخلية بفعل النيران الملتهبة داخليا، ولا يبقى غير فراغ داخلي هائل حتى وإن بدا الغلاف الخارجي سليما إلى حدّ ما”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر