الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

موقع التجربة الثقافية

الظاهرة الثقافية لا تفهم إلا على أساس التقاليد من جهة والابتعاد عنها من جهة أخرى، ويعني هذا حسب رأيه أن 'التفاعل بين الأصالة وقبول التقاليد كأساس للابتكار يبدو لي أن يكون فقط مثالا واحدا ومثيرا جدا للتفاعل بين الانفصال والوحدة'.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2017/04/21، العدد: 10609، ص(15)]

تكثر في بلداننا التظاهرات الثقافية والفنية في المدن وفي القرى وكثيرا ما تمهد لها أو تتخللها ندوات تخصص لمناقشة هذا الشأن الثقافي أو ذاك البعد الفني أو إنتاج هذا المثقف أو ذاك الفنان، وإلى جانب كل هذا هناك كتب كثيرة أنجزها دارسونا ونقادنا حول الثقافة الشعبية وما يدعى بالثقافة العالمة، وحول الهويات الثقافية على تنوعها وتضارب الآراء حولها.

وفي هذا الخصوص يمكن القول بأن أغلب ما صدر ويصدر في بلداننا على مدى سنوات طويلة يدخل أساسا في صلب دراسة وتحليل الثقافة كمفهوم وكأسلوب حياة أو كتجليات في مختلف أشكال التعبير، ولكن من النادر جدا أن نعثر على دراسات تجيب عن السؤال الذي طرحه المفكر الإنكليزي دونالد وينيكوط وهو: في أي منطقة من العقل توجد التجربة الثقافية؟”، أو لنقل كيف وأين تتحقق هذه التجرية الثقافية في العقل البشري؟

في تقدير هذا المفكر الظاهرة الثقافية لا تفهم إلا على أساس التقاليد من جهة والابتعاد عنها من جهة أخرى، ويعني هذا حسب رأيه أن “التفاعل بين الأصالة وقبول التقاليد كأساس للابتكار يبدو لي أن يكون فقط مثالا واحدا ومثيرا جدا للتفاعل بين الانفصال والوحدة”.

على ضوء هذا ندرك أن التجربة الثقافية لا تحدث ولا توجد إلا في منطقة التفاعلات، الأمر الذي يعني أنها لا تنبع من القطيعات الثقافية المطلقة التي يروج لها في هذه الأيام علما أنها ليست في الحقيقة إلا ظنّا لأن الذي نقطع معه يترك دائما بعض فضلاته فينا ونقوم بترجمتها بوعي أو بدون وعي في سلوكنا الاجتماعي وفي طريقة فهمنا للعالم الذي نتحرك في فضائه.

لا شك أن الناقد السوري الراحل جورج طرابيشي قد انتبه مبكرا إلى مسألة مهمة حيث أكد قائلا “الثقافة هي بالتعريف ثنائية البعد، لأنه لا قوام لها إلا إذا ميزت بين الواقع وبين ما يمكن أن يكونه هذا الواقع″.

غير أن هذا التمييز الذي يتحدث عنه الناقد طرابيشي لا يعني وجود إمكانية انفصال مطلق وقطعي بين الواقع وما يمكن أن يكونه هذا الواقع، ومن هنا فإن وينيكوط يشدد قائلا “المكان الذي توجد فيه التجربة الثقافية هو الموقع القائم بين الفرد وبين البيئة”.

ألا يذكرنا هذا التعيين للموقع الذي تصدر عنه، أو تنبع منه، التجربة الثقافية بالرأي النقدي العربي القديم القائل بأن الشاعر هو ابن بيئته؟ إن هذا الفضاء الممكن الذي تبتكر فيه التجربة الثقافية يتشكل أو يحدث فقط في رأي هذا المفكر الإنكليزي على أساس علاقة مع الشعور بالثقة من طرف الولد أو الإنسان بشكل عام.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر