الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

كي لا نتعامل مع المُنتَج ونهمل المُنتِج

دون اجتثاث الجذور الفكرية والثقافية العميقة للتطرف والتشدد وما تفرزه من عنف، فإننا سنبقى نتعامل مع النباتات الطفيلية في حديقتنا.

العرب تركي الحمد [نُشر في 2014/09/14، العدد: 9679، ص(6)]

اعتقال خلايا وعناصر “داعش” الأخيرة في بلدة “تمير” السعودية وغيرها من أماكن، وقبل ذلك تلك الأعداد المهولة من المعتقلين في الأعوام السابقة من الناشطين والنائمين من الأفراد والخلايا التابعة للقاعدة، والذين تفرقت بهم السبل اليوم إلى فكر وتنظيمات أكثر تشددا تمثله داعش وأخواتها، من المخططين لنشر الفوضى والدمار في العالم كله وليس في السعودية وحدها، عن طريق الإرهاب وتدمير المنشآت الحيوية في هذا العالم، فأهدافهم وغاياتهم لا تتحقق إلا بالفوضى ومن خلال الفوضى، أو مرحلة “التوحش”، كما يصفونها في أدبيّاتهم، وذلك تمهيدا لمرحلة “التمكين”، ومن ثم الهيمنة الشاملة والسيادة الكاملة، وذلك لا يتم إلا من خلال التخطيط لضرب كل ما هو إنتاج حضاري في عالم اليوم، وفي مشاهد فيما لو تمت، لن تكون أحداث نيويورك ولندن ومدريد والرياض إلا فرقعات نارية ولعب أطفال بالنسبة إليها.

أصبت بدهشة فائقة حقيقة لهذه الأعداد الكبيرة من المعتقلين، ومن ضمنهم من كان معتقلا في السابق ونال عفوا بعد المناصحة، ومُنح فرصة جديدة لحياة جديدة، والكثير منهم يعمل ويمارس نشاطه في التعبئة والتجنيد من خلال مؤسسات رسمية واجتماعية مختلفة، فمنهم أئمة مساجد، وأعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وناشطون في مدارس تحفيظ القرآن الكريم، ومدرسون في مراحل التعليم المختلفة.

وفي الوقت الذي كنا نعتقد فيه أن تنظيم القاعدة في السعودية وغير السعودية قد انتهى تقريبا، ولم يبق منه إلا فلول لن تكون بذاك التأثير الذي كانت عليه أيام “الصحوة المباركة”، حتى جاءت الأنباء بما لا يسر خاطرا، ولا يبهج نفسا، فظهرت “داعش”، بكل فكرها المتشدد وسلوكها الدموي، الذي يكفّر حتى القاعدة لفكرها “المتساهل”، وكل ما عداه من أخوات ظهرن قبله، وكن تمهيدا لظهوره وانتشاره وتمدده، فكان لا بد من إعادة النظر، والبحث عن الجذور وعدم الاكتفاء بما أنبتته الأرض فوق السطح. أمور عدة يمكن أن نخرج بها من مثل هذه الأنباء، الماضي منها والحاضر، بعضها إيجابي، وأكثرها للأسف سلبي.

المعركة مستمرة

الأمر الأول هو أن المعركة مع الإرهاب ما زالت مستمرة، بل ومستعرة، وأن الجهود الأمنية في مطاردة الإرهاب والإرهابيين وعشاق الدم، وفي السعودية خاصة، ناجحة إلى حد كبير، وليس أدل على ذلك من هذا العدد الكبير للمعتقلين من المنتمين إلى القاعدة وداعش وأخواتها، واكتشاف الخلايا حتى قبل أن تبدأ نشاطها، وهو جهد يجب أن يُشاد به حقيقة، إذ لولا يقظة الأمن السعودي في هذا المجال، وكفاءته في تعقب أعداء الحياة، لكان الوضع غير الوضع. وتأتي تحذيرات العاهل السعودي، الملك عبدالله بن عبدالعزيز، من الإرهاب الدولي، المتلفع بعباءة الدين، والذي يجسده تنظيم داعش اليوم بشكل خاص، وأنه إن لم يواجه دوليا فإنه خلال فترة وجيزة سوف يصل إلى أوروبا وأميركا، وما تجسد عن تلك الدعوة من اجتماع دولي في جدة لتشكيل تحالف يجابه داعش والتطرف في المنطقة بشكل عام، قبل أن يفوت الأوان، تأتي هذه التحذيرات كدليل على وعي القيادة السعودية بخطر الإرهاب، وخطر المتلاعبين بورقة الإرهاب من دول ومنظمات، على أمن المنطقة وشعوبها واستقرارهما وبالتالي ازدهارهما، إذ دون أمن واستقرار فإنه لا مجال للحصول على أيّ حقوق أو حريات، وفوق هذا وذاك، انعدام الثقة في المستقبل، وهذا هو أعظم أثر سلبي لخطاب التشدد وما يرافقه من إرهاب، وهو ما يشكل القاعدة التي على أساسها ينشر فكره المدمر، ووعده السقيم بين شباب أملهم هو المستقبل، فكيف إذا انعدمت هذه الثقة وعمّ الإحباط واليأس من حياة دنيا، وبذلك يُصبح الموت وما بعد الموت هو الأمل، وبهذا يبشر الخطاب المتشدد، ومن ثم يعبّئ ويجند ويعيث في الأرض فسادا، فينحر البشر، ويقتلع الشجر، وينسف الحجر.

الانفجار الكبير

الأمر الثاني هو أن التشدد، بخطابه وسلوكه، لا زال قويا ونشطا، وأكبر دليل على ذلك هو هذه الاستمرارية في الوجود رغم كل الجهود الأمنية، بل واستمرارية التمدد والتوسع، وهو ما شهدناه من خلال هذا “الانتفاخ” الكبير والسريع المتمثل في داعش، حيث تبين أن خفوت الصوت وقلة العمليات في فترة ما قبل “الانفجار الكبير” لداعش، لم يكن إلا نوعا من الكمون والتربص وإعادة الحسابات، وتغيير التكتيكات، ولا أقول الاستراتيجيات، وذلك مثل حرباء تغير جلدها مع تغير ظروفها، وتقبع ساكنة بانتظار اطمئنان فريستها. كل ذلك يدفع إلى طرح ذلك السؤال المؤرق والكبير: لماذا لا يزال خطاب التشدد قويا وذا جاذبية لأعداد كبيرة ومتزايدة من شبابنا؟ ولماذا يلقى من الأتباع والمريدين الشيء الكثير، رغم كل جهود المكافحة على صعد كثيرة، وخاصة الأمني منها؟

إجابة مثل هذا السؤال تختلف باختلاف الظروف والمتغيرات، فليس هناك عامل واحد يمكن أن يُفسر لنا بقاء خطاب التشدد وفكره، وما يؤدي إليه ذلك بالضرورة من عنف وولغ في الدماء باسم المقدس، ناشطا وقويا رغم كل جهود المكافحة. قد تفسر مجرد الظروف استمرارية خطاب التشدد وممارساته، ولكن جزءا كبيرا من الجواب يكمن في طبيعة جهود المكافحة، التي في أحيان كثيرة تعالج النتيجة، وهذا أمر مطلوب لا شك في ذلك، ولكنها لا تتعامل مباشرة مع السبب أو المُنتج، فقوة هذا الخطاب في النهاية لا تكمن في ذاته، فهو خطاب متهافت وغير متناسق منطقيا، كمعظم الإيديولوجيات وخاصة الديني منها، بقدر ما تكمن في تلك البيئة التي تساعده على غسل أدمغة المؤيدين، وتجنيد الأتباع والمريدين بالتالي.

ففي السعودية مثلا، ورغم كل الجهود الأمنية في مكافحة تنظيمات التشدد والغلو، وخلاياها النشطة والنائمة، إلا أن تلك الجهود، رغم تقديرها حق قدرها الذي تستحقه، لم تُفلح في اجتثاث جذور الخطاب، وأكبر دليل على ذلك هو حملة الاختراقات الأخيرة لخلايا على أهبة الاستعداد، لأفراد من السعوديين، رغم جهود المكافحة الأمنية، ولجان المناصحة، وفتح باب العفو والعودة، ووصفهم بالضالين لا بالمجرمين، وغير ذلك من فرص أُعطيت لهؤلاء وحدهم دون غيرهم من فئات إجرامية أخرى، رغم أن الجريمة هي الجريمة، وسفك الدم هو سفك للدم في كل الأحوال، ورغم ذلك تأتينا الأنباء باستمرار عن تواجدهم الكثيف، واستمرار نشاطهم. لماذا كان ذلك؟ وهنا يمكن القول إننا نأتي للأمر الثالث والأهم.

القضاء على الوباء

استمرار خطاب التطرف والتشدد وقوته يكمنان في استمرار الظروف التي يعمل من خلالها، والتي تفرزه في كثير من الأحيان، والتي توفر له البيئة المناسبة للحياة والحيوية، بمثل ما أن انتشار الوباء ليس لقوة في الوباء وفيروساته، بقدر ما هو في توفر تلك البيئة التي توفر لتلك الفيروسات الحيوية والانتعاش والتكاثر.

محاربة الوباء بمجرد القضاء على الفيروسات، دون القضاء على مصدر تلك الفيروسات مثلا، لن يؤدي إلى القضاء على الوباء طالما بقي المصدر سليما، وذات الشيء يمكن أن يُقال عن خطاب التشدد واستمراريته. ففي السعودية مثلا، قامت الأجهزة الأمنية بدورها الكامل، من متابعة وكشف واعتقال، ولكن ذلك لا يعني كل شيء، إذا اقتصر الأمر على مجرد الحل الأمني البحت، إذ لا يلبث آخرون أن يقتحموا الميدان، بمثل ما تعود النباتات الطفيلية إلى الظهور بعد جزها، طالما بقيت الجذور سليمة، وطالما بقيت التربة مناسبة للنمو. الجذور والتربة هنا، بل وفي أي مجتمع، هي مؤسسات التنشئة الاجتماعية، من منزل ومدرسة ومسجد وأندية ووسائل إعلام وغيرها، والفكر الذي تزرعه هذه المؤسسات في العقول الغضة على وجه الخصوص، على اختلاف الأمكنة والأزمنة والبلدان، والتي تُشكل شخصية الفرد بشكل عام منذ الطفولة، فتجعله يسير في هذا الاتجاه أو ذاك، أو تهيئه على الأقل لأن يكون قابلا للسير في هذا الاتجاه أو ذاك.

هذه المؤسسات هي التي تبذر البذرة الأولى، أو تزرع الخلية الأولى، التي تشكل نواة الفكر والسلوك بعد ذلك، وذلك وفقا للمثل الشعبي القائل: “العود على أول ركزة”. قد يكون هنالك شذوذ لمثل هذا القول، ولكن الشذوذ لا يُقاس عليه، ولكل قاعدة شواذ في أيّ حال.

ففي السعودية مثلا، من الواضح أن النجاح الأمني في مكافحة الإرهاب وقوى الدمار، لم يرافقه نجاح ملحوظ في مكافحة الفكر الذي يُشكل البنية الذهنية لمثل هذا السلوك التدميري، وإلا فما معنى هذه المئات من الملتحقين بداعش وأخواتها، وقبل ذلك القاعدة وأسلافها، الذين لا يشكلون إلا رأس جبل جليدي عائم، ناهيك عن الأتباع المتأهبين لساعة النداء والنفير، أو أولئك المتعاطفين بصمت، رغم كل الإنجازات الأمنية السابقة واللاحقة؟ هناك خلل ما، لا شك في ذلك، ويكمن هذا الخلل في العطب الذي أصاب مؤسسات التنشئة لدينا منذ أن خرجنا عن الطريق السويّ، اجتماعيا وثقافيا على الأقل، ودخلنا في متاهة الفكر “الصّحوي” في أواخر سبعينات القرن الميلادي الماضي، وأوائل القرن الهجري الحالي، وتحولت مؤسسات التنشئة لدينا، ولا أستثني مؤسسة هنا، إلى تجسد لهذا الخطاب، تجسد كلي أحيانا، وجزئي أحيانا أخرى، وهو الخطاب الذي يقوم في جوهره على ثقافة الموت والدم وتصفية الكافر، الذي هو في النهاية كل من لا يقرّ بهذا الخطاب، كنبراس وحيد للحقيقة لا ثاني له، وكمعلم وحيد على الطريق لا شريك له، لا فرق في ذلك بين داخل وخارج.

كل مؤسسات التنشئة لدينا، وخاصة مؤسسات التعليم والمسجد، هُيمن عليها من قبل الدعاة والمبشرين بذاك الخطاب في فترة من الفترات، فشكلوها وفق هواهم، في ظل صراع إيديولوجي محموم مع الثورة الإيرانية التي كانت تحاول تصدير مفهوم مختلف ومنافس للإسلام، وفي ظل صراع سياسي مع قوة عظمى تحتل أفغانستان وتحاول الوصول إلى مياه الخليج الدافئة، جعل الدولة تغض الطرف عما كان يحدث في مؤسسات التنشئة، بل وتشجعه في معظم الأحيان لأغراض لعبة سياسية شملت الجميع آنذاك، وها نحن اليوم نجني شوكا زرعناه بأيدينا ذات يوم، أو استهنّا بأمره على الأقل كنبتة طفيلية، فإذا به اليوم يلتهم كل النباتات الأخرى.

وكما قيل في مقالات سابقة، ربما كان للظروف السياسية أحكامها آنذاك، وكان لا بد مما ليس منه بد، فليس عيبا أو نقيصة الوقوع في الخطأ، فالحياة برمتها عبارة عن تجربة وخطأ، ولكن العيب هو في إنكار الخطأ، والاستمرار في ذات الخطأ، إما عنادا أخذا بالعزة في الإثم، أو حيرة نتيجة غياب البديل، أو القلق والخوف من نتائجه.

وفي حالة الدول، فإنه من الخطأ الاستمرار في سياسة ربما كانت ناجعة ذات يوم، ولكنها كارثة فيما لو استمرت مع اختلاف الظروف، فالعاقل في النهاية ليس فقط هو من اتعظ بغيره، ولكن العاقل أيضا هو من اتعظ بنفسه في تاريخها وتجاربها، فلا يُنكر إلا معاند أن هنالك بعض الجهود لاسترداد هذه المؤسسات من مثل أولئك الدعاة والمبشرين بخطاب العنف والتشدد، في لحظة غفل عنها الزمن، أو أُغمضت عيناه لغاية في نفس يعقوب قضاها، ولكن هذه الجهود لا زالت في حدود أضعف الإيمان، تتعامل مع ظاهر جبل الجليد العائم، فتحاول أن تذيبه، ولكنها لا تحاول التعمق أبعد من ذلك، فتهشم جبل الجليد بأكمله، وهنا تكمن المشكلة.

فمدارسنا ومناهجنا لا زالت مشربة بخطاب التشدد، رغم تلك الجهود الخجولة للحد من تأثيره، والتي يقضي على فاعليتها النسبية كادر تعليمي لا زال يؤسلم وفق خطابه كل ما هو غير قابل أن يؤسلم، ويصنف البشر، ويبشر بالبغضاء، ويدعو إلى ثقافة القبور، والبحث عما في الصدور. فمساجدنا ما زالت تبشر بخطاب الموت وجهاد سفك الدم والقتل والدمار، ودك الأرض من تحت أقدامهم، في الوقت الذي نحن فيه بحاجة إلى خطاب جديد يبشر بالتسامح والحوار بين بني آدم لأنهم بنو آدم وحسب. خطاب يُمجد الحياة لأنها منحة الرب المقدسة، ويقدس الإنسان لأنه إنسان صنعته يد الرحمن، لا فرق في ذلك بين إنسان وإنسان. خطاب يسعى إلى تحقيق السعادة في هذه الدنيا بإعمارها، وهي إرادة الخالق، والدعوة إلى الأمل في هذه الحياة، دون أن تجثم القبور على أصحابها قبل أن ينتقلوا إليها. سيقال هنا: وهل المراد من أجل أن يتحقق ذلك الانسلاخ من ثقافتنا وديننا؟ والجواب هو لا، فَلِمَ ينسلخ الفاعلون في عالم اليوم عن ثقافتهم ودينهم، ولكنهم أدركوا أنهم “أعلم بأمور دنياهم”، والله وحده أعلم بأمور أخرتهم، ولا حياة أو سعادة أو أمل حين يكون القبر هو غاية المنى.

مكافحة التشدد

نحن مسلمون، لا شك في ذلك، ولكننا لسنا بالضرورة إسلامويون، وفرق بين الإسلام والإسلاموية. كنا قبل “الصحوة” مجتمعا من المسلمين، نعطي الله حقه، ولا ننسى نصيبنا من الدنيا. وبعد “الصحوة”، أو لنقل “الكبوة”، تحولنا إلى مجتمع من المتشددين، الذين يبحثون عن رمز الصليب حتى في ثنايا جسد الإنسان لتدميره، أو الذين يبحثون عن كلمات الكفر والشرك حتى فيما تركه لنا الأولون من تراث، أيام كان التسامح هو عنوان المرحلة، بعد خطف مؤسسات التنشئة لدينا، وأُريد لنا أن ننسى نصيبنا من الدنيا، ونبحث عن مواقع لنا في القبور، استعدادا لعالم آخر لا تتم السعادة فيه إلا بنشر الشقاء والدمار والبؤس في هذا العالم.

نعم، لا خروج لنا من الحالة الراهنة إلا بالعودة إلى الدنيا التي أهملناها، أو أُريد لنا أن نهملها ونحتقرها، فنعود إلى إسلامنا الفطري البسيط، وإنسانيتنا التي نسيناها في خضم انشغالنا بكيف نستعد للقبر، تلك الإنسانية التي نحرها أهل التشدد والغلو بمثل ما ينحرون البشر، حين احتكروا دين القدير، فجعلوه للبعض دون البعض، وحين اختطفوا الإسلام بمثل ما يختطفون البشر، ثم نستغرب ونندهش أن تظهر “داعش” وأخواتها من بين ظهرانينا، مع أن داعش منا وفينا مهما كان الإنكار.

دون اجتثاث الجذور الفكرية والثقافية العميقة للتطرف والتشدد وما تفرزه من عنف، فإننا سنبقى نتعامل مع النباتات الطفيلية في حديقتنا بقص الرؤوس دون اجتثاث الجذور، وتعود الطفيليات بذلك إلى الظهور حينا بعد حين، وما استمرار وجود خطاب العنف والتطرف ومؤيديه إلا مؤشر لاستمرار الحال على ذات الحال، ما لم يُغير ذلك الحال..

نختتم بتغريدة لشاب صغير، بل هو حدث كما يبدو من صورته لا يتجاوز العشرين من العمر، إلا بسنة أو اثنتين بأي حال من الأحوال، إن لم يكن أصغر من ذلك بسنة أو اثنتين، يقول فيها: “دكتورة مسيحية تضع الصليب على صدرها وهي تزاول عملها في مستشفى أهلي. ما الطريقة الصحيحة في التعامل معها؟”. رد كثيرون على هذه التغريدة بردود غاية في الطرافة في معظمها، ولكن بعيدا عن مثل هذه الردود يمكن القول إنه، وبالتحليل العميق، في مثل هذا الشاب وغيره تتجسد مشكلتنا، إن لم أقل مأساتنا. فمثل هذا الشاب كان طفلا حين حدثت “غزوة نيويورك” عام 2001، وتفجيرات الرياض عام 2003، وربما لم يكن قد ولد بعد حين تفجير الرياض عام 1995، والخبر عام 1994، أي حين انتبهنا إلى خطر الفكر المتطرف وخطاب العنف والتشدد، ومع ذلك ها هو جيل ما بعد تلك الأحداث لا زال منجذبا لذلك الفكر، حيث أن حدثا صغير السن يثيره وجود صليب على عنق طبيبة تقوم بمهمة إنسانية في مستشفى ذهب إليه لتلقي العلاج، ولم تحاول هذه الطبيبة أن تستفزه بأي شكل من الأشكال، ومن حقوقها البسيطة أن تعبّر عن معتقدها بأي شكل من الأشكال، طالما أن ذلك لم يتدخل أو يتعارض مع حريات الآخرين في معتقداتهم، فمن أين أتى ذلك الشاب بكل هذا الغلو والتشدد، وهو الذي ربما تعافى من مرضه على يد تلك الطبيبة؟

مثل هذا الشاب تعلم في مدارسنا، وتردد على مساجدنا، ونشأ في مجتمعنا، وبالتالي فلا بد أنه استقى فكره من مثل هذه المؤسسات الاجتماعية، وهو يشير إلى أن مكافحة خطاب التشدد والتكفير، وبالتالي العنف كنتيجة منطقية، لم تكن بتلك الجدية والحسم، رغم تبين خطره ومدى تأثيره المدمر على الشعوب والمجتمعات، والأجيال الجديدة على وجه الخصوص.

نحن اليوم أمام مفترق طرق نكون فيه أو لا نكون، على رأي خالد الذكر وليام شكسبير، وقضية حياة أو موت، ولا مجال أمامها لتردد أوردنا موارد الهلاك في الماضي، فهل نكون على قدر المسؤولية أم لا نكون؟ هذا هو السؤال.. وقانا الله وإياكم شر السؤال والسائل والمسؤول.

تركي الحمد

:: مقالات أخرى لـ تركي الحمد

تركي الحمد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر