الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

أشتات مجتمعات في الاختلاف والتعايش وحرية الضمير..

التعايش بين البشر، بكل اختلافاتهم، هو أمر فطري، حدده وقدّره رب الكون قبل خلقه لهذا الكون، وقبل خلقه لمن في هذا الكون.

العرب تركي الحمد [نُشر في 2014/09/21، العدد: 9686، ص(6)]

لا شك في أن آيات القرآن الكريم كلها تبعث على التأمل، واستقاء الحكم والعبر والحقائق الكامنة فيها، وذلك حين نقرأها على سبيل الفهم العميق وليس مجرد التعبد اللفظي فقط دون اعتبار للمعاني، كما يفعل غالبية المسلمين اليوم، فهي كلام موجد الوجود أولاً وآخراً.

أمور كثيرة، وأشياء أكثر تحدث في عالم اليوم، ويمارسها مسلمو اليوم، أفراداً وفرقاً وشيعاً ومذاهب وجماعات، تجد أنها تتناقض تمام التناقض مع تلك الحقائق الأزلية التي يزخر بها كتاب الله الكريم، وتلك المعاني المبثوثة في جنباته، وهذا هو بالفعل ما جعلني أقف كثيراً عند قول الجليل: “وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا” (الفرقان، 30).

ورغم أن معظم المفسرين التقليديين القدماء، مثل ابن كثير والقرطبي والطبري وغيرهم، قالوا إن هذه الآية نزلت في مشركي قريش، الذين اتهموا رسول الله بمختلف التهم، من سحر وشعوذة ولغو في الحديث، فهجروا القرآن وما يحتويه من هدى وحكم، إلا أني أظن أن المعنى اليوم يشمل المسلمين أنفسهم، الذين فعلاً هجروا القرآن، إلا من رحم ربي، واتبعوا أقوال فلان أو فلان من الرجال، أو اعتمدوا على حديث ضعيف، أو رواية ركيكة، أو حكاية من الأساطير، وإن تعارض كل ذلك مع صريح القرآن، وأصبحت الغاية هي الرد على المخالف من ذات المسلمين، وسندهم في ذلك اجتهادات رجال الله أعلم بغاياتهم، رغم أن أكثر جواهر القرآن الكريم لا تحتاج إلى تفسير في فهم معانيها المباشرة، وكل كتاب الله إنما نزل بلسان عربي مبين: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ” (يوسف، 2)، ولكن يبدو أن مسلمي اليوم لم يعودوا يعقلون، وإلا لو كان العقل هو مناط سلوكهم، لما وجدنا أنفسنا في هذا المستنقع الآسن من التخلف والكراهية والجهل وثقافة العنف والدم، حتى تجاه بعضنا البعض، فما بالك بالآخر المختلف ديناً وعقيدة وتاريخاً وثقافة.

التواضع مع الآخر

الكلام يطول في هذا المجال، ولكن النقطة التي يُراد الوصول إليها هنا هي أنه إذا كان المراد التفاعل مع عالم لم يعد جزراً منعزلة، بل تحول إلى مزيج من ألوان متداخلة، والمشاركة في إنتاج ما هو مفيد للإنسان، فإن ذلك لا يكون إلا بالإيمان بأن الحق المطلق ومعرفته في هذه الدنيا تمام المعرفة، غاية لا تُدرك، فالله وحده هو من يعلم، وما نحن إلا مجتهدون، قد ندرك شيئاً من الحق، وقد لا ندرك شيئاً على الإطلاق. ليس المراد هنا هو القول بنفي الإيمان أو تركه، إذ لا حياة بلا إيمان وغاية، لأن الحق المطلق عصي على الإحاطة، ولكنه دعوة للتواضع فيما يختص بهذا الجانب، وكل ما نعلم، أو نعتقد أننا نعلم، ما هو إلا شيء نسبي، نؤمن بما نعتقد، ولكن لا نحكم على الآخرين بالخسران والخطأ لمجرد أن اجتهادهم اختلف عن اجتهادنا، وإيمانهم مختلف عن إيماننا.

نعم، قد لا نؤمن بما يقولون، ونؤمن يقيناً بصحة ما لدينا، ولكنه يبقى في حدود الإيمان، دون فرض أو إكراه أو كراهية لمجرد أنهم مختلفون، والله في النهاية أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين. وفي ذلك يقول جلال الدين الرومي: “وكأنما الحقيقة مرآة سقطت من السماء فتهشمت، فكان أن أخذ كل واحد قطعة من الهشيم، ونظر فيها قائلاً: هذه هي الحقيقة ولا سواها “، وهو ما يذكرنا بتشبيه أفلاطون للحقيقة بالفيل والعميان من حوله، يتلمسون حقيقته، فيصف كل واحد منهم الفيل بجزء منه، عاجزين عن إدراكه كله.

ولماذا نذهب إلى ما قال فلان أو عبّر عنه علان، وكتاب الله الكريم بين أيدينا، وهو من يعبّر عن هذه الرؤية، بل الحقيقة، أفضل تعبير، حين يتحدث عن الاختلاف، وأنه من طبيعة الوجود البشري على هذه الأرض، وأن الله وحده هو العالم بالحق التام، وهو أمر يستحيل إدراكه في هذه الدنيا، بل إنه سبحانه هو من سيبينه كاملاً يوم الدينونة الكبرى.

يقول الحق: “وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” (يونس، 19). “وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (المائدة، 48). “قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (الأنعام، 164). “وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” (النحل، 92، 93). “اللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (الحج، 69). “وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” (البقرة، 113).

إذن الاختلاف سنّة من سنن الله في هذا الوجود، ومن يدّعي غير ذلك فهو إنما يناقض أساساً من أسس الوجود، وبالتالي فهو الخاسر في النهاية، مهما طال الزمان، فالمفطور على شيء يعود إلى فطرته، مهما حاول البعض أن يجبروه على مناقضة الفطرة، حتى لو كان ذلك باسم دين مُعلّب، كما وصفت الأمر في مقالات سابقة، وفق مواصفات مذهب معين، أو قول محدد، أو تفسير ليس بعده تفسير، رغم أنه ما أنزل الله به من سلطان.

التعايش بين البشر، بكل اختلافاتهم، هو أمر فطري إذن، حدده وقدّره رب الكون قبل خلقه لهذا الكون، وقبل خلقه لمن في هذا الكون، أليس هو القائل: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات، 13). خلقنا الله مختلفين، ذكرا وأنثى وشعوباً وقبائل، وما نعلم وما لم نعلم وما قد لا نعلم، وليس على قالب واحد. وخلقنا الله للتعارف، أي للتعايش بسلام مهما كنا مختلفين، وليس للتعارك والتنازع. وأكرمنا عند الله أتقانا، والتقوى محلها القلب، كما قال رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، وليس أعنفنا أو أحقدنا أو أكثرنا حباً لسفك الدماء، ولذلك قال الجليل في وصف قساة القلوب من الأعراب: “قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ”، (الحجرات، 14)، ففرق بين مجرد الإسلام، وبين الإيمان الذي يتخلل ثنايا القلب، فترق له النفس، ويلين له الجانب، وتسمو به الأخلاق. وفي النهاية فإن الله هو العليم الخبير، وليس أحد من خلقه، الذين يعتريهم النقص مهما حاولنا إضفاء صفات الكمال عليهم، ولكن قاتل الله الغايات الخاصة، وأهواء البشر، ونزعاتهم التي في كثير من الأحيان توظف كل ما هو مقدس، لتحقيق كل ما هو مدنس، وتوحش الدين وهو المؤنس في جوهره.

جوهر الأديان والتعايش السلمي

من هذا المنطلق، يُمكن النظر إلى جوهر الأديان، وكذلك دعوات التعايش السلمي بين البشر، في ظل الاختلاف الفطري بينهم، وهو الذي لا تعمر الأرض إلا به، وذلك مثل دعوة الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى حوار الأديان، وحرية الضمير، وضرورة الحركة والتغير في عالم يسير نحو الوحدة والتجانس، ومن أجل مشاركة الإنسانية في البحث عن حلول لمشاكلها، والانخراط في عالم لا نعيش فيه وحدنا.

مثل هذه الدعوة، وغيرها من دعوات تستند إلى إنسانية سامية غرسها الخالق في الإنسان رغم توحشه في كثير من مراحل التاريخ، لم تنطلق من فراغ، بل كانت مستندة إلى فطرة الخلق التي تصرخ بالإنسانية وحرية الاختيار، بصفتها بوصلة الاختلاف، وإلى كون هذه الحرية هي حقيقة الميلاد الأولى، ولكن موروثات الثقافة والاجتماع وسطوتها هي من يسلب الإنسان هذه الحرية الفطرية، فالإنسان فعلاً يولد على الفطرة، ولكن سطوة المجتمع والسلطة والثقافة السائدة يشكلانه بما يُخالف الفطرة التي فطره الله عليها، مهما اختلفت الأشكال التي تغلف تلك الثقافة، أو القداسة التي تُضفى عليها، دون أن تكون مقدسة في أعماقها. وفي ذلك يقول الحق جلت قدرته: “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف، 29). ويقول: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (الغاشية، 21، 22)، ويقول: “قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ” (يونس، 108)، ويقول: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” (النحل، 125). ويؤكد القدير: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (يونس، 99). ويقول الجليل في محكم كتابه: “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.. ” (البقرة، 256).

المهم في الأمر، والمراد قوله هنا هو أن حرية المعتقد كما أرادها الرب في مختلف الأزمان واختلافات المكان، هي جبلة في خلق الإنسان، فحرية الإرادة والإختيار، هي وحدها التي تميز الإنسان عن الملاك والحيوان في ذات الوقت. فالملاك، وإن كان عليّ الشأن، ليس حراً، فهو مجبول على الطاعة المطلقة، منزوع الغرائز، وليس له إلا أن يؤمر فيطيع، هكذا أرادت له إرادة الرب جل وعلا. أما الحيوان فهو مجبول على الغريزة وما ينبثق عنها من سلوك، منزوع العقل والإرادة، وكلاهما، رغم البون الشاسع في المقام بطبيعة الحال، والفرق بينهما الذي هو كالفرق بين الأرض والسماء، أو التبر والتراب، يسير في خط واحد لا خط غيره، وإن اختلف الخطان والمستويان. أما الإنسان، صاحب العقل والغريزة معاً، الجامع بين مسار الملاك ومسار الحيوان في ذات واحدة، والذي فضله العليم على كل مخلوقاته رغم طينيته، بمن فيهم الملائكة رغم نورانيتهم، حين أمرهم بالسجود له، فهو صاحب “الأمانة”، التي رفضتها السماوات والأرض وقبلها الإنسان. والأمانة في النهاية هي تحمل التكليف والمسؤولية، ولا مسؤولية وتكليف دون عقل، ولا عقل دون اختلاف، ولا اختلاف دون تقرير مصير بكل حرية.

أجزم أننا في عالم العرب قد وصلنا إلى مرحلة «آمن كما أؤمن» منذ أزمان، ونعيش اليوم مرحلة «آمن كما أؤمن وإلا قتلتك»، والفرق اليوم بيننا وبين عالم يسعى في مناكبها ويأكل من رزقها، هو أنهم تركوا مثل هذه المراحل وراءهم منذ أزمان

صاحب "النجدين" وحرية الإرادة

والإنسان هو صاحب “النجدين”، أي حرية الإرادة في النهاية، فإما أن يكون من أصحاب النعيم، وإما يكون من أصحاب الجحيم، وكلا الأمرين يقررهما إله السماء وما علت، والأرض وما دنت، وليس لبشر أن يُقرر من يكون من أصحاب النعيم ومن يكون من أصحاب الجحيم، فقد يبدو أحدهم وكأنه قد ضمن الجنة، لأنه التزم بكل ما هو مأمور به، وآخر قد استحق الجحيم، لأنه عصى وخالف، ولكن المظاهر لا تعني شيئاً في عين الرحمن، وفي ذلك يقول ابن قيم الجوزية: “رب معصية أورثت ذلا وانكساراً، فأدخلت صاحبها الجنة. ورب طاعة أورثت صاحبها عجباً وكبراً، فأدخلته النار”.

فالقضية ليست قضية مظهر وطقوس، بقدر ما أنها قضية نية وإحساس، والله هو المطلع على الأفئدة في كل حال. وتبقى إرادة الإختيار في يد الإنسان. حرية الإنسان هذه، واحتمالية أن يُصيب وأن يُخطئ، هي التي جعلت الخالق يفضله على بقية الخلق، بل هي التي جعلته يخلق هذا الإنسان ابتداء، وسط استنكار الملائكة وتعجّبهم من أن يخلق الرب كائناً يعصيه ويسفك الدماء، ولكن الخبير رد عليهم بأنه يعلم ما لا يعلمون. ” كل شيء يجري، فأنت لا تغتسل في نفس النهر مرتين “، يقول الفيلسوف الإغريقي هيراقليطس.. هذا هو منطق الكون وسنة الحياة، بل هذه هي إرادة الخالق منذ الأزل، حين خلق الإنسان ولم يكتف بالملائكة النورانيين، الذي يسبّحون له ويقدسون اسمه، ويفعلون ما يؤمرون.

التغيير جوهر الحياة

التغيير هو جوهر هذه الدنيا، ومن لا يتغير يموت، وكفى بالموت مصيراً، ولذلك نجد أن الموت هو غاية كثيراً من مسلمي اليوم، لأنهم عاجزون عن التغير، وغير قادرين على التفاعل مع عالم لا يملكون أدوات التفاعل فيه ومعه.

الحيوانات المنقرضة وحدها هي تلك التي لم تستطع التكيف مع البيئة المتغيرة، والحضارات الدارسة هي وحدها تلك التي اكتفت بما قدمت، ولم تتغير مع تغير الظروف الطارئة، والدول المنهارة هي وحدها تلك التي لم تستطع أن تستوعب تغير الأحوال في الوقت المناسب، وتُدرك أن لكل وقت أذان، ولكل زمن دولة ورجال، فتيبست ومن ثمة تفتت، وفي ذلك يقول الفيلسوف البريطاني برتراند راسل: “يجعلنا التاريخ واعين بأنه ليس هنالك نهائية في الشأن الإنساني، وليس هنالك حالة من الكمال الساكن”. كما يُعبر عن ذلك بصورة مختلفة الأديب الإيرلندي جورج برناردشو، وهو يقول: “إنني أخشى النجاح، فهو يعني انتهاء مهمتنا على هذه الأرض، وذلك مثل ذكر العنكبوت الذي تقتله الأنثى بعد نجاحه في مجامعتها، وأفضل حياة من التحول الدائم، يكون فيها كل شيء أمامي وليس خلفي”.

لقد مر على الناس حين من الدهر كانوا فيه يتقاتلون باسم رب الناس أجمعين، وتحت شعار “إلهي أفضل من إلهك..”، وما زال هذا الوضع سائداً في عالمنا العربي العليل، بعد أن تجاوزته معظم شعوب هذه المعمورة، وقد آن لهذا العالم العربي المريض أن يخرج من شرنقته التي حاكها حول نفسه، وينخرط في صنع الحياة، بعد أن عاش عصوراً وهو يحارب هذه الحياة، باسم الدين هذه الأيام، وباسم المثل العليا في أيام أخرى، وفي ظل شعارات ما أنزل الله بها من سلطان في كل الأيام، والدين والمثل في جوهرهما بريئان من كل ذلك براءة الذئب من دم يوسف، وبراءة حواء من خروج آدم من الجنة، وهذا هو الجوهر الحقيقي الذي في ظني، وبعض الظن قد يكون حقاً، يستند إليه الخطاب الثقافي الجديد، والمؤصل في نفس الوقت، الذي يستهله الملك عبدالله، والذي يشكل حقيقة، انعطافة جذرية في الخطاب الثقافي السعودي.

يقول الإمام محمد عبده: “إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر على مئة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر

التكفير صنيعة الجهال

الانعطافة هنا ليست أمراً متعلقاً بجوهر الدين، وهو الذي يصرخ في نصوصه بالحرية والحوار ونبذ العنف والإرهاب والتعايش السلمي بين الأمم، ولكنها انعطافة في مواجهة من يريدون اختطاف الدين واحتكاره على اعتبار أنهم وحدهم العالمون بخفاياه، فيما يقول واقع الحال أنهم هم الجاهلون.

وفي ذلك يقول أبو حامد الغزالي، وقبل قرون عديدة من عصرنا: “إن التكفير هو صنع الجهال، ولا يُسارع إلى التكفير إلا الجهلة، فينبغي الاحتراز من التكفير ما وجد الإنسان إلى ذلك سبيلاً، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة، والمصرحين بقول، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، خطأ. والخطأ في ترك ألف كافر، أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم”.

كما يقول الإمام محمد عبده: “إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر على مئة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر”. وكثير من مسلمي هذه العصر، ودعاة الجهل والضلال والعنف، هم، وفي ظني أيضاً، أولئك الذين عناهم علي ابن أبي طالب بالقول: “من كثر نزاعه بالجهل، دام عماه عن الحق”.

ويعبر عن ذات المعنى، فيلسوف التسامح فرانسوا فولتير، وهو يقول: “إن الإنسان الذي يقول لي اليوم: آمن كما أؤمن وإلا سيعاقبك الله، سيقول لي غداً: آمن كما أؤمن وإلا قتلتك”. وأجزم أننا في عالم العرب قد وصلنا إلى مرحلة “آمن كما أؤمن” منذ أزمان، ونعيش اليوم مرحلة “آمن كما أؤمن وإلا قتلتك”، والفرق اليوم بيننا وبين عالم يسعى في مناكبها ويأكل من رزقها، هو أنهم تركوا مثل هذه المراحل وراءهم منذ أزمان، فيما نحن لانزال ننفخ في رماد نار كلما خبت أوقدناها وجعلناها جذعة، وكأننا في النهاية أصبحنا للنار عابدين.

في حديث لسيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، موجه للصحابي بريدة بن الحصيب: “إذا حاصرت حصناً فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله، فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك (صحيح مسلم).

هكذا كان الأمر أيام كان الوحي يربط بين الأرض والسماء، ولكن أصحاب خطاب الاستحواذ والعنف والقسوة والإقصاء وقداسة البشر، يرون أنهم أفضل من صحابة رسول الله، إن لم يكن قولاً فعملاً بالضرورة، وواقع الحال والسلوك خير مؤشر على ذلك، فهم يضعون أنفسهم وكلاء عن الخالق ورسوله في هذه الأرض، فيقولون “هذه إرادة الله”، و”هذه مقاصد رسول الله”، ومن قال بغير ذلك فهو من المارقين، حلال الدم والعرض والمال، ويبقى بريدة غريباً في زمن عاد فيه الإسلام غريباً بالفعل، بعد أن شهدنا أناساً قال عنهم نبي الهدى، ما رواه أبو سعيد الخدري: “يحقر أحدهم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ” (متفق عليه).

“حرية الضمير والاختلاف بين البشر شيء لا يمكن ذبحه في أيام حز رقاب البشر هذه الأيام، حتى لو تعددت محاولات ذلك، وحالنا اليوم ينطبق عليه بالفعل ما قاله الشيخ محمد الغزالي صادقاً: “لو جاء العجم بالأفعال، وجئنا نحن بالأقوال، فهم أولى بمحمد منا”، فما بالك وقد أضفنا اليوم إلى الأقوال أفعالاً يتبرأ منها حتى الوحش الهائم على وجهه في البراري… هذا، ويبقى في النهاية الأمر لصاحب الأمر من قبل ومن بعد.

تركي الحمد

:: مقالات أخرى لـ تركي الحمد

تركي الحمد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر