الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

أما آن الأوان لإعادة التفكير في مفاهيم كُلّست؟

ليس المجال هنا حقيقة هو مجال شرح مفهوم الجهاد وتطوره، بقدر ما أن القضية متعلقة بتجديد مفاهيم أصبحت أسوارا شاهقة البنيان تقف بيننا وبين التفاعل مع بقية خلق الله.

العرب تركي الحمد [نُشر في 2014/09/28، العدد: 9693، ص(6)]

ما يجري في المنطقة من أعمال عنف تصل أحياناإلى درجة التوحش المطلق، وما داعش إلا مثال معاصر على ذلك وإلا فإن الأمثلة كثيرة، وتبرير كل ذلك التوحش بمفاهيم منتزعة انتزاعا من نصوص دينية معينة، يوجب علينا حقيقة إعادة التفكير في مفاهيم كثيرة، مُنحت صفة القداسة، وتسيطر على عقول الكثير منا وتسيرهم، فتحدد نظرتهم إلى العالم من حولهم، ونظرة العالم إليهم من خلالها، وتكون دافعا أو مبررا لسلوكيات معينة، تنفرنا من العالم، وتنفر العالم منا.

قد لا يكون لما يجري علاقة بالمضمون العميق لتلك المفاهيم، بل هي السياسة ودهاليزها وكل مكيافيليتها الملتوية وتمويهاتها المضللة، ولعل ما يجري في اليمن مثلا مجرد صورة من صور هذه السياسة المضللة، إذ لا علاقة للمفاهيم الدينية للحوثيين أو الإخوان أو القاعدة بها، بل هي قضية سلطة ومصالح ولعبة دولية في الأول والآخر، ولكن المفاهيم تبقى هي من يُشرعن ويبرر لهذا السلوك أو ذاك، وهي من يخدع البسطاء من الحالمين أو الموهومين أو المُتحكم في أدمغتهم، فيظنون أنهم إنما يخدمون هدفا ساميا، أو يتصرفون بهدي من الإيمان بتلك المفاهيم، بينما هم في حقيقة الأمر مجرد دُمى يُحركها لاعبون يمسكون بأيدهم خيوط الدمى التي تعتقد أنها حرة الإرادة، فيما هي لا حول لها ولا قوة. لاعبون لاعلاقة لهم بمبدأ أو مفهوم، بل هي قواعد اللعبة، بكل ما تستلزمه من خطوات مرسومة و مخطط لها.

كثيرة هي تلك المفاهيم، وهي في غاية التأثير السلبي نتيجة إرث تاريخي ثقافي وسياسي طويل الأمد، ونتيجة مراحل تاريخية مرت بها المنطقة والعالم، حين جُمّدت تلك المفاهيم وفق فهم مرحلة معينة، وتفسير حقبة معينة، نتيجة ظروف معينة، ولغايات معينة، وفي ظل عدم التفرقة بين ما هو ديني إلهي مطلق، وبين ما هو تاريخي بشري نسبي، فأُعطيت صفة الثبات والإطلاق، فكانت وبالا علينا وعلى العالم، حين تحولت إلى مؤطر ودافع لسلوك مدمر، بالنسبة إلينا وللعالم أجمع. مفاهيم أٌعطيت في كثير من مضامينها أبعادا مقدسة، أو هي منتزعة من نصوص دينية، ولو أننا حللناها إلى منتهاها الأخير، لوجدنا أن البعد الديني لمثلها قد دُفع خارج حدوده الأصلية، وحُمّل أكثر مما يُحتمل، وذلك لأغراض ليس من الضروري أن تكون أغراضا دينية في كثير من الأحوال، بل وفي أكثر الأحوال، قد نُصدم إذا علمنا أن كثيرا من هذه المفاهيم التي نعتبرها دينية صرفة، وأنه قد حُسم أمرها، قد مرت بظروف تاريخية وسياسية أبعدتها عن معناها الديني الصرف، واستُخدمت لأغراض دنيوية بحتة، إذ في النهاية فإن الإنسان ابن بيئته المكانية والزمانية والثقافية، فلا نستطيع مثلا فهم فتاوى ابن تيمية وفكره، أو فتاوى ورسائل ابن عبدالوهاب المتشددة والمفرطة في تكفير مخالفيها، دون أن نستدعي الظرف التاريخي والاجتماعي والسياسي الذي عاش فيه هذا أو ذاك، ولكن المشكلة تكمن حين نسبغ صفة الدوام والاستمرارية على ما هو غير قابل للثبات في جوهره، ونحكم من خلاله على أحداث جارية ومتغيرة، فيضيع ساعتها المفهوم بمعناه ومحتواه الأصلي، ومن ثمة نفقد الصلة مع ما هو واقع ومحتاج إلى تجديد أو حتى إعادة صياغة.

التمذهب يجمد الفكر والعقيدة

لو أخذنا مثلا لا حصرا مفهوما كمفهوم الردة، فإننا نجد أن العقاب المنصوص عليه لمثل هذا الأمر هو عقاب أخروي وليس قبل ذلك، ولكن الاستخدام التاريخي والسياسي له، جعله سيفا مسلطا على الرؤوس حتى لو كان لا محل له من الأعراب حين الرجوع إلى المعنى الأعمق للمفهوم. ومن الشواهد على ذلك مثلا، أنه في العهد النبوي لم نجد تطبيقا لما سٌمي لاحقا حدّ الردة، بل كان التطبيق على مجرمين ارتدوا عن الإسلام بعد أن ارتكبوا جرائم في حق الآخرين، أي خارجين على القانون، ولكن لا وجود لتطبيق للردة بوصفها جرما بحد ذاتها، حتى أن فتية من بني النجار في المدينة اعتنقوا النصرانية بعد إسلامهم، فلم يفعل لهم رسول الرحمة شيئا، بل إنه منع أن يتعرض لهم أحد من الصحابة. وما سمي في تاريخنا بحروب الردة، كانت حروبا الغرض الأساسي منها هو الحفاظ على وحدة الدولة الإسلامية الوليدة من التمزق، والعودة إلى عصبية الجاهلية وسلبياتها وتمزقاتها، ولذلك كان الخلاف المبدئي بين أبي بكر وعمر حول شرعية تلك الحرب. إذان فالعقاب الذي يذكره القرآن الكريم للردة، أو حتى للكفر، الذي هو جحود للحق مع معرفة أنه حق، وفق الفهم القرآني، وليس مجرد الاختلاف في الدين كما حُدد لاحقا من قبل مجتهدي مختلف العصور، هو عقاب أخروي، ولا ذكر لعقاب دنيوي في كتاب الله الكريم، عدا أحاديث نبوية مُختلف في تفسيرها وقوتها، سندا ومتنا، ومناسبتها، وتعدد أغراض استخدامها، والرسول الأمين لا يمكن أن يقول ما يُخالف نصا قرآنيا، وحديث أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر في هذا الصدد معروف ومشهور. فالعقاب الدنيوي لمثل هذه الأمور يكون حين يكون الأمر مترافقا مع جريمة بحق الفرد أو الجماعة أو الدولة، فقد كان الدين هو مناط جنسية الدولة، أي حين ترتبط الردة بمفارقة الجماعة والعمل ضدها مثلا، أو حين يرتبط الكفر والردة بالحرابة ونحوها، أما ذات الموقف، فالعقوبة أخروية وليست دنيوية. بل إن أقوى أحاديث الردة مثلا مشروطة بمفارقة الجماعة، أي الخيانة العظمى وفق مصطلحات عصرنا، وليس مجرد التحول إلى معتقد آخر على إطلاق العبارة.

المراد قوله هنا، هو إن حدّ الردة، وغيره من حدود رسمها وحدد إطارها فقهاء عصور لاحقة لعصر النبوة، وفقا لمتطلبات عصرهم، ووفق فهمهم لحدود الله، ووفقا لأيديولوجيا الدولة المهيمنة، وليس من الضروري أن تكون ملزمة عند تغير العصر وتغير الثقافة المُعاشة، وكثيرا ما استخدمت هذه المفاهيم لأغراض سياسية لا غموض فيها، حيث يُنبذ المختلف مع السلطة أو المجتمع أو الثقافة السائدة، أو حتى يُصفّى في أحيان كثيرة، بتهمة الردة أو الكفر والخروج على الجماعة. فعندما قام خالد بن عبدالله القسري مثلا بالتضحية بالجعد بن درهم، وهو مؤدب آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد (الملقب بالحمار لجَلَدِهِ وقوة شكيمته)، في عيد الأضحى، لم يكن يفعل ذلك لانحراف الجعد الفكري بالقول في التعطيل، كما هي التهمة التي بررت قتله ظاهرا، ولكنه كان ينفذ سياسة عليا ترى في الانحراف عن “الصراط المستقيم” أو الأرثوذكسية الأموية وأيديولوجيتها السياسية، التي كان لا بد أن تكون ذات إطار ونكهة دينية، وهو الصراط الذي حددته الدولة بكل أبعاده، تهديدا لاستقرار الدولة التي كانت تأخذ في بداياتها بمذهب الإرجاء، ولكن أكثر المرجئة انقلبوا عليها لاحقا، وذلك عندما ساندوا ثورة عبدالرحمن بن الأشعث، وثورة يزيد بن المهلب. وقبل قتل الجعد بن درهم بتهمة التعطيل، كان خالد القسري قد قبض على سعيد بن جبير، عندما كان واليا على مكة، وأرسله إلى الحجاج بن يوسف في العراق، الذي قتله لاشتراكه في ثورة ابن الأشعث، رغم أن ابن جبير، لم يكن من أهل التعطيل أو الإرجاء أو غيره، ولكنها السياسة التي لا تعرف صديقا دائما أو عدوا دائما، وما دخلت السياسة في أمر إلا أفسدته، ولا دخل التمذهب على فكر أو عقيدة إلاّ جمّده. ومن المفارقات التاريخية أن خالد القسري هذا قد قتل أيام الخليفة الوليد بن يزيد، وفي مدينة الكوفة حيث قتل الجعد بن درهم.

نفس الشيء يمكن أن يُقال عن ابن المقفع أو بشار بن برد، الذي قُتل بتهمة الزندقة ولكن الحقيقة أنه قُتل لهجائه الخليفة المهدي، أو حتى الحلاج المصلوب والسهروردي المقتول، فلم يكن الباعث فكريا تماما، بقدر ما كان سياسيا في بعض جوانبه. فابن المقفع مثلا، لم يُقتل “لزندقته” المفترضة، بل كان ذلك بسبب خطاب الأمان الذي كتبه لعبدالله بن علي، عمّ الخليفة المنصور والثائر عليه، بالإضافة إلى مطالبته بإصلاح القضاء مما يكبل يد الخليفة، وتأتي أعماله الفكرية تبريرا لقتله وليس سببا.

وفي أيامنا الحديثة لم يعد لتهمة الزندقة من وجود، فلا مانوية، ولا مزدكية، ولا زرادشتية أو مجوسية، وهي الأديان التي كان الزنادقة يتهمون في إخفائها، تبرر استخدام المصطلح، ولكن بقي “التكفير” لتهم تتعلق باتجاهات فكرية وسياسية حديثة، سلاحا قويا يُمكن أن يُستخدم في إزالة الخصم، سواء كان استخدام هذا السلاح من قبل الدولة، أو من قبل خصوم الدولة، أو من قبل التيارات المختلفة في قلب الدولة.

وكمثل معاصر لممارسات قديمة جديدة، فإنه عندما أُعدم محمود محمد طه في السودان عام 1985، بتهمة الردة في ظل حكم جعفر النميري، الذي أعلن عن تطبيق الشريعة في السودان، لم يكن الباعث الأعمق لذلك هو الردة فعلا، بقدر ما كان جعفر النميري يبحث عن شرعية سياسية جديدة، وكسب ولاء علماء الشريعة والإسلامويين بصفة عامة، بعد فضيحة نقل اليهود الفلاشا إلى إسرائيل، واهتزاز الشرعية الثورية لانقلابه العسكري، وكان محمود طه هو كبش الفداء للعبة سياسية بحتة، وعلى هذا المنوال يمكن القياس. وكسلاح مُستخدم ضد الدولة، فإن أدبيات الإسلاموية من سيد قطب وحتى منظري القاعدة والسلفية الجهادية وداعش خير مثال على ذلك، والغاية في النهاية سياسية بحتة لا علاقة للكفر والإيمان بها. وكسلاح مُستخدم من قبل التيارات المختلفة، فلا أدل من تكفير الكثير من التيارات الإسلاموية لمن عداها ولبعضها البعض أحيانا، وما تكفير عناصر من داعش لجبهة النصرة وللظواهري والقاعدة، بل وتكفير كل من لم يبايع “أمير المؤمنين” الداعشي، أبا بكر البغدادي، إلا غيض من فيض في هذا المجال، وذلك من أجل مآرب سياسية حين التحليل الأخير.

قد لا تبدو مثل هذه المآرب واضحة في أذهان العامة من الناس، أو حتى في أذهان عناصر المؤمنين بالمفاهيم الدينية المطروحة من قبل لاعب سياسي معين، والذين تحركهم المشاعر، وتأسرهم العواطف، وتسيرهم الكلمات، وذلك كما نرى من تعاطف الكثيرين من السنة مع الإخوان، والكثيرين من الشيعة مع حزب الله، والحوثيين مع ملالي إيران، مع أن قادة كل هؤلاء لاعبون سياسيون في المقام الأول والأخير. مثل هذه المفاهيم أُعطيت صفة الإطلاق لأغراض لا علاقة لها بذات المفهوم، ومن الضروري إعادة التفكير فيها، لإعادة التوازن والتعايش الحضاري بيننا وبين بعضنا البعض، وبيننا وبين العالم ككل، وليس في ذلك خروج على شرع أو دين، طالما أن القرآن واضح في هذ المسألة، وطالما أن السنة لا تؤكد بشكل قطعي العقاب الدنيوي لمسألة الردة أو التكفير وكثير من المفاهيم الدينية التي أُخرجت من سياقها، وطالما أن ميثاق حقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة، والذي يُشكل دستور عالم اليوم، لمن يُريد أن ينتمي إلى هذا العالم، يؤكد على كرامة الإنسان بوصفه إنسانا، دون بقية الإضافات اللاحقة للولادة، من لون أو عرق أو دين أو معتقد أو جنسية. ولكن فعلا، فإن السياسة لا تدخل في شيء إلا أفسدته، ولا نقصد السياسة هنا كعلم أو تحليل، ولكن كممارسة تبرر أي شيء وكل شيء، وتلعب بأي ورقة يمكن أن تضمن لها الكسب في ساحة تتعارك فيها أفاعي السلطة والمصالح، وحين تُسيّس الثقافة ويؤدلج الفكر والدين، فإنه لا يبقى هناك من معنى حقيقي لثقافة أو فكر أو دين.

الجهاد وقصور المنغلقين على فهمه

من هذا المنطلق فإنه بات اليوم من الضروري إعادة النظر والتفكير في مفاهيم لم نجن منها إلا كرهنا للآخرين وكره الآخرين لنا، وتدمير أنفسنا، في عصر يتقارب فيه البشر من بعضهم البعض، أو هم يسيرون على الطريق إلى ذلك، فيما نحن، أو الذين يدمرون العالم باسمنا، يُبعدوننا عن هذا العالم بأفعالهم، التي هي نتيجة فهم قاصر ومحوّر ومشوّه، تراكم عبر الأجيال، ليكتسب ثباتا ليس له من الثبات إلا اسمه، ومن ضمن تلك المفاهيم أيضا، وهو من أخطر تلك المفاهيم، مفهوم الجهاد الذي يقف وراء كل تبرير وشرعنة لكل فعل مدمر ودموي يقوم به البعض نيابة عن كل المسلمين، وباسم رب العالمين، وكأنهم قد حصلوا على توكيل من كل هؤلاء المسلمين، أو أنهم قد حصلوا على تفويض مباشر من رب العالمين.

وإذا أردنا الحقيقة المرة، فهي أن الكثير من المسلمين يتعاطفون مع هذه الأعمال، وإن كانوا لا يقومون بها بالفعل، وكل ذلك نتيجة مفاهيم محتلة لعقول مستلبة من قبل ثقافة جُمّدت، وأغراض خُططت. لقد أراد الله للإنسان أن يكون خليفته في الأرض، وخلافة الأرض عمارتها، أي التمدن وصناعة الحضارة، فهل يُعقل، والحالة هذه، أن يأمر الخالق مخلوقه بالتدمير، وهو الذي ما خلقه إلا للعمارة والبناء؟ لا بد من أن هنالك سوء فهم، ثقافي كان سوء الفهم هذا أو تاريخي أو عصري، أو أنه من الممكن أن يكون المفهوم ثابتا، ولكن المضمون متغير.

فلا خلاف في أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، ولكن السؤال هو: ما هو الجهاد؟ هل يكون من الجهاد العدوان، ومخالفة قول الحق: ” وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (البقرة، 190)، أو قوله: “مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعا” (المائدة، 32).

وهل من الجهاد نفي الآخر وتصفيته لمجرد أنه مختلف في الدين أو المعتقد أو المذهب، في الوقت الذي يقول فيه رب الجميع: ” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ” (البقرة، 62). وهل من الجهاد تدمير عمارة الآخرين عندما تعجز الذات عن العمارة، ومعمرو الأرض، وبغض النظر عن معتقداتهم، هم من يحقق بذلك خلافة الإنسان على الأرض، لمجرد أنهم من غير المسلمين، وأحيانا هم من المسلمين ولكن ليس وفق نظرة “المجاهدين”، إلا أنهم يبقون في النهاية من بني آدم المكرمين في البر والبحر، والمفضلين على كثير من خلق الرحمن؟ وهل من الجهاد نهج سياسة عليّ وعلى أعدائي يا رب، كما يفعل بعض المحسوبين على الإسلام وهم ينتحرون، أو ما تفعله داعش في الشام وبلاد الرافدين، وكما سيفعل غيرهم إن لم تُعاد المفاهيم إلى أصلها وشمولها ومتغيراتها؟

لقد أصبح لزاما على العقل المسلم أن يُعيد التفكير في كل تلك المفاهيم الملتبسة، والخروج بهذه المفاهيم من كهف التقليد والتشدد والانتقائية، ومنها مفاهيم الردة والكفر والجهاد، وإعادة مضامينها الإيجابية التي طغت عليها التأويلات والتفسيرات والاستخدامات والاختزالات السلبية، التي حولت مفهوما مثل مفهوم الجهاد، والذي هو في معناه العميق شامل للجهد والمجاهدة، أي بذل أقصى الجهد في الوصول إلى الغاية، إلى مجرد مفهوم حربي، ومحرض لفعل دموي، رغم أن المعنى أوسع وأشمل من ذلك بكثير. فمن معاني الجهاد التي قال بها السابقون مثلا مجاهدة النفس، كأعلى مراتب الجهاد. وهناك بر الوالدين كفعل جهادي، وكذلك الحج نوع من الجهاد، وغير ذلك من أبواب كثيرة يمكن أن يشتملها مفهوم الجهاد والجهد والمجاهدة، واليوم يمكن أن نقول إن الإسهام في صنع الحضارة هو نوع من أنواع الجهاد، بل إن الحوار مثلا بين المختلفين جزء من الجهاد، فليس مثل الحوار مع الآخر المختلف تضمنا للجهد والمجاهدة، لما فيه من قيم الصّبر والتسامح والانفتاح، وهي قيم تحتاج إلى الكثير من الجهد كي يمارسها المحاور، خاصة ذاك الذي لم ينشأ في بيئة تشجع الحوار والمتحاورين. ولِمَ لا يكون نبذ العنف كوسيلة لحل المشاكل بين بني الإنسان نوعا من الجهاد، فكظم الغيظ، والدفع بالحسنى، وغيرها من وسائل ضبط النفس، تحتاج إلى جهد جهيد، وبذل أقصى الجهد في الوصول إلى الغاية، وهذا نوع من أنواع الجهاد، فلماذا الإصرار على العنف والدم وحز الرؤوس وكأنه طريق الجهاد الوحيد، فلِمَ لا تكون هذه القيم هي مناط الجهاد؟

نشر المحبة بين الناس، حب الوطن، حب الإنسان، حب الآخرين، أمور تحتاج إلى جهد، فربما لا يكون الإنسان بطبعه خيّرا ولا شريرا، وعلى اختلاف مفاهيم الخير والشر، بل هما معا يتصارعان في ذات واحدة، ولكن كبح جماح ما اصطلح على أنه شر يعتمل في أعماق الذات، يحتاج إلى جهد ومثابرة، وهذا نوع من الجهاد. الجهاد مفهوم واسع، فلماذا نجعله أسير الرؤية الواحدة، والتفسير الواحد، والجماعة الواحدة، فتتلوث عقول كثيرة بما لم ينزل الله به من سلطان، فنخسر أنفسنا، ونخسر عالما بأسره من حولنا، بل وربما عالما لا حدود له فيما بعد هذا العالم، ولكن هذه مسألة الله أعلم بها.

أما السلوكيات العبثية في تدمير الحضارة، والأفعال العنيفة التي يقف وراءها عقل متيبس، وثقافة ميتة يُراد نفخ الروح فيها، وأنفس عليلة ومتوترة نتيجة العجز والإحباط وامتلاء الجماجم بكل مفردات الحقد والكره والانتقام، كنوع من الجهاد، فهو في حقيقته المجردة انتحار جماعي، كتعبير عن يأس خفي من القدرة على العمارة والبناء ليس إلا.

ليس المجال هنا حقيقة هو مجال شرح مفهوم الجهاد وتطوره، بقدر ما أن القضية متعلقة بتجديد مفاهيم أصبحت أسوارا شاهقة البنيان تقف بيننا وبين التفاعل مع بقية خلق الله، لتحقيق إرادة الله على هذه الأرض في النهاية، أي البناء والتعمير والارتقاء بظروف الإنسان، وتفجير تلك المعاني والمضامين الحضارية التي يمكن أن تكون كامنة فيه، وحالت دون ظهورها محاولات الاختزال والاستغلال والتبرير والتجميد، التي ليس من الضروري أن تكون هي ذات المعاني التي يتضمنها المفهوم، حين النظر إليه نظرة أشمل وأعمق، فالوقت غير الوقت، والزمان غير الزمان، بل ولم يعد الإنسان هو ذات الإنسان، ولذلك فإنه من الضرورات أن يكون هناك فكر غير الفكر.. هذا ويبقى الأمر لصاحب الأمر.

تركي الحمد

:: مقالات أخرى لـ تركي الحمد

تركي الحمد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر