الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

مجرد أحجار هائمة في الفضاء: تساؤلات عما يجري وما قد يجري (1)

شرقنا الأوسطي هذا كان دائما جزءا من حكايات ألف ليلة وليلة السحرية حيث كل شيء جائز وممكن، وكل شيء فيه من لمسات الغموض الشيء الكثير.

العرب تركي الحمد [نُشر في 2014/10/12، العدد: 9705، ص(6)]

كان وجه صاحبي، وقد عنّ لي أن أزوره ذات مساء، قد تحول إلى لوحة من علامات الاستفهام والحيرة والتوهان، بل والذعر الخفي أحيانا، وكأنه أرنب مغلوب على أمره وضع في متاهة لا يعلم بدايتها من نهايتها ولا ممراتها المتعرّجة إلا العالم المشرف على التجربة، أما الأرنب المسكين فهو يترنح بين جدران المتاهة باحثا عن مخرج، ومن يعلم، فقد يجده، ويُعاد إلى قفصه في المختبر، والذي أصبح هو مقر أمنه، وقد لا يجده فيبقى في التيه يدور.

قال لي صاحبي وهو زائغ البصر، ذابل العينين: يا صاحبي.. لم أعد أدري ما الذي يجري، وكيف يجري، ولماذا يجري، وإلى أين المصير، في شرقنا الأوسطي هذا. قلت: وما الجديد في الأمر؟ فأحداث شرقنا “السعيد” هذا كانت دائما لغزا يستعصي على الحل ويتحدى الفهم، بل إن شرقنا الأوسطي هذا كان دائما جزءا من حكايات ألف ليلة وليلة السحرية حيث كل شيء جائز وممكن، وكل شيء فيه من لمسات الغموض الشيء الكثير، وإن كنا نعتقد أننا قد تجاوزنا أيام ألف ليلة وليلة، وحكايات شهرزاد، وسطوة شهريار، فنحن واهمون، فما زلنا نعيش في قلب تلك الحكايات وأعاجيبها. ظن صاحبي أنني أسخر منه، فقال محتدا: صحيح.. أحرّ ما عندي، أبرد ما عندك. أنا أحدثك عن أمور نحن شهود عصر عليها هذه الأيام، وأنت تتحدث ببرود عن ألف ليلة وليلة، و”خرابيط” شهرزاد، وأساطير الجن والشطار وعشاق الليالي القرمزية والصباحات الكحلية. ابتسمت بهدوء وقلت: لا يُفسر ما نحن فيه هذه الأيام إلا “خرابيط” شهرزاد كما أسميتها، ولكن هات ما عندك، فليلنا طويل، ويبدو أنه لا خيار غيرك.

ابتسم صاحبي بمرارة وهو يقول: لا تدع عبثك حتى وإن كان الأمر لا يحتمل العبث. ضحكت باقتضاب وأنا أقول بمرارة دفينة: هل هناك عبث أكثر مما نحن فيه يا صاحبي؟ لو أن صمويل بيكيت، رائد مسرح العبث في القرن العشرين، كان حيا، لربما أعاد كتابة “في انتظار غودو”، وتوسع فيها، إذ لا عبث أكثر مما يجري في شرقنا “السعيد”. المهم، هات ما عندك، ولو أنني أدري ما يعتمل في صدرك، فهو يعتمل في صدري أيضا، بل وفي صدور الكثيرين من شهود هذه الفترة من زمان حامضة حركاته، لاذعة سكناته.

ما الذي يجري يا صديقي

أخذ صاحبي نفسا عميقا ثم زفر بقوة وهو يقول: لطالما كنت محللا سياسيا لا بأس به، أحاول أن أربط الخيوط التي أستطيع الإمساك بها، ومن ثم أحاول أن أفهم ما يجري وفق منطق الأمور ومسارها، فلكل شيء منطق ينتظمه، حتى الفوضى تبين أنها ليست فوضى، بل هي نظام له منطقه الخاص، ولكننا حين لا ندرك كنه الأمور ومنطقها، نسميها فوضى وما هي بفوضى.

المهم يا صاحبي، أنا عاجز عن فهم كل هذه الفوضى التي تجري، أو ما يبدو أنه فوضى، فهل لديك تفسير غاب عني، أو رؤية لم أستطع تبينها؟ قلت له: وضح أكثر يا صديقي، فالحيرة تجمعنا، والضبابية تلفنا. نظر إليّ ساهما لبرهة، ثم انفجر بكل ما يعتمل في رأسه من طلاسم عجز عن حلها، وهو يقول: تريد توضيحا أكثر؟ إليك ذلك.

تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أو “داعش”، هذا الذي لم نسمع عنه إلا قبل ما يقل عن السنتين زمنا، ثم فجأة، وفي شهور معدودة إذ به يُصبح ماردا لتوه خارجا من أحد قماقم سليمان الحكيم، التي كان يحبس فيها المردة والعفاريت، وفي غضون زمن قصير، أشهر لا تتجاوز في عددها أصابع اليد الواحدة، إذ به يتحول إلى قوة كاسحة، عشرات الألاف من المقاتلين تحتل المدن والقرى وتحكم البشر، وهو أمر لم تستطع حتى “القاعدة”، ذات العمر الأطول، والتجربة الأعمق أن تحققه، فتعلن أميركا، ويعلن من ورائها كل العالم إلا ما ندر، حالة الاستنفار لمقاومة هذا المارد الشيطاني الذي ابتلع الأخضر واليابس، وتحالفت الدول العظمى والصغرى لمقاومته ووقفه عند حده، ومع ذلك يبدو أنها عاجزة حتى هذه اللحظة، فما زال المارد الداعشي يتمدد، وجوعه يزيد لقضم المزيد والمزيد.

أفضل ما أنتجته التقنية الأميركية المعاصرة من أسلحة مُستخدم في أرض المعركة، ومقاتلو داعش يبادون كما تُباد الحشرات بالجملة، ومع ذلك ما زال يتمدد ويتمدد، ويكسب من الأنصار والأتباع أكثر وأكثر، وهو الفقير إلى التقنية المعاصرة. لست جاهلا يا صديقي، فأنا أعلم أن “داعش” تنظيم يضم خبرات عسكرية متقدمة، وأفرادا لهم من الخبرة العسكرية الشيء الكثير، قدموا من هنا وهناك، من جيوش دمرتها أميركا، ومن تنظيمات تخلى عنها العم سام، ولكن يبقى السؤال: كيف استطاع الجيش الأميركي أن يُدمر جيشا كالجيش العراقي، رابع أقوى جيش في العالم أيام صدام حسين في أيام معدودة، وهو اليوم يقول على لسان مسؤوليه إن الأمر يحتاج إلى سنوات من الزمان، ومليارات من الدولارات للقضاء على تنظيم داعش، ولا أقول فكر داعش الذي هو فعلا يحتاج إلى عقود من الزمان لمحوه، وإعداد أجيال جديدة تفكر بجماليات الحياة بدلا من رومانسيات الموت، هذا إن كان للموت رومانسيات.

فما الذي يجري يا صديقي، وكيف تفسر الأمر؟ وداعش هذا هو رافع لواء السلفية السنية المجاهدة اليوم، وهو يحز الرؤوس ويسفك الدماء بناء على الانتماء الطائفي، والخلاف العقائدي، والصراع السياسي، ومع ذلك لا نرى أنه قد اصطدم مع قوات إيرانية تقبع في الجوار، أو اصطدمت معه قوات إيرانية، وهو الذي يصم كل “الرافضة” في العالم بالكفر والخروج عن المحجة البيضاء، وكذلك تفعل إيران فتصم كل “ناصبي” بذات التهمة، فما القصة يا صاحبي؟ وفي اليمن، يدخل الحوثي إلى العاصمة صنعاء دون مقاومة تُذكر، بل ودون مقاومة على الإطلاق، وتُحتل المؤسسات الحكومية دون رصاصة واحدة، فأين الجيش، وأين قوات الأمن، بل وأين الشعب اليمني الذي يرى عاصمته تُحتل من قبل فئة أقل من قليلة من سكانه، وهم الذين لا يخلو منزل أحدهم من السلاح، حيث أنه وفقا لإحصائيات مؤكدة، فإن هنالك أكثر من ستين مليون قطعة سلاح في أيدي الشعب اليمني، فما الذي يجري يا صاحبي؟ وإذا كانت الطائفية للأسف هي محرك الأحداث في شرقنا الأوسطي التعيس هذه الأيام، فلماذا دخل الغلاة من الشيعة الحوثيين إلى صنعاء دون أن يردهم الأكثرية من السنة في اليمن، أو حتى غلاة السنة، بل إن قادة هؤلاء وزعماء أولئك “يخزنون” القات الطازج سويا، وفق قول كاتب يمني، حين يأتي المساء، ونجوم الليل تظهر، بل وقبل ذلك حين تنتصف شمس النهار، ولا عزاء للأتباع والمريدين من كافة الأطراف.

والقاعدة، أين القاعدة يا صاحبي من كل ذلك، وهي القابعة في جنوب اليمن، وعلى الحدود مع السعودية تتحين الفرص، ولكنها ساكنة سكون ذوات الدم البارد في فصل الشتاء، فكأنما لا احتلال حوثيا لصنعاء، وكأنما لا قاعدة في اليمن، السكون يلف المكان، والهدوء يضم الجميع تحت جناحية، فما الذي يجري يا صديقي؟ وهذا الصمت السعودي الرهيب على ما يجري في اليمن، وعلى ما يجرى في صنعاء تحديدا، ومن بعدها الحديدة ومأرب ومدن يمنية أخرى، كيف نفسره، وقد أصبحت إيران على قاب قوسين أو أدنى من السعودية، وها هم إعلاميوها ومسؤولوها يتبجحون بأن عاصمة عربية رابعة أصبحت تدين لهم بالولاء، بعد بغداد ودمشق وبيروت، وذلك كما تبجح علي رضا زاكاني، ممثل طهران في البرلمان الإيراني، وكذلك الكاتب الإيراني محمد صادق الحسيني، الذي كان منتفخ الأوداج وهو يُعلن من إحدى القنوات الفضائية “بأننا”، أي الإيرانيون، “أصبحنا سلاطين البحر الأبيض والبحر الأحمر”، وبأن عبدالملك الحوثي أصبح ملكا للجزيرة العربية، وبأن الأسرة المالكة السعودية ليست إلا قبيلة تنقرض، ومع ذلك تبارك السعودية ما قيل إنه اتفاق بين الفرقاء في اليمن، ويجتمع وزير خارجيتها مع وزير الخارجية الإيراني، وكأن الأمور سمن على عسل، فما الذي يجري يا صديقي؟ هل ألقت السعودية مراسيها أخيرا، ورفعت الراية البيضاء، معترفة بالنصر الإيراني، ومقدمة فروض الطاعة للملالي في طهران؟ ولكن مثل هذا الأمر إلى المستحيل أقرب، فالمسألة قضية حياة أو موت بالنسبة إلى الدولة السعودية، فاليمن كان دائما نقطة الانطلاق لتدمير هذه الدولة، فكل من أراد تدميرها ينطلق من اليمن، النقطة الأضعف ظاهرا في الجغرافيا السياسية لجزيرة العرب، هكذا فعل عبدالناصر تلك الأيام، وهكذا يُخطط الملالي في طهران هذه الأيام، فهل القيادة السعودية غافلة عن كل ذلك؟ وإن كان هنالك اتفاق لا نعلم عنه شيئا بين السعودية وإيران، وأميركا وإيران على إخراج المسرحية التي نراها تُمثل أمامنا، فهل من الممكن الوثوق بثعالب طهران وضباع واشنطن؟ أنا في حيرة من أمري يا صاحبي، فإيران الملالي لا يوثق بها، حتى وإن حلفت على صدق مواثيقها على القرآن، ودم الحسين والعباس.

وأميركا غير مأمونة الجانب، حتى لو تغنت بأمجاد لينكولن وكلمات جفرسون. لست ساذجا يا صديقي، وأعلم أن للسياسة طرقا ملتوية، وأساليب أفسد من فساد بيض ملقي في حاوية قمامة تحت شمس أغسطس شرق أوسطي، ولكني ما عدت قادرا على الفهم. هل هي مؤامرة لا يعرف تفاصيلها أحد من اللاعبين في الساحة السياسية، الهدف منها استنزاف قدرات دول المنطقة، وخاصة السعودية ودول الخليج العربي، بما في ذلك إيران ذاتها، وضخ المليارات من الدولارات في جسد الاقتصاد الأميركي المنهك، إذ في النهاية فإن كل الأطراف إنما يشترون جل سلاحهم من أميركا وسماسرتها، وبذلك فتش عن الاقتصاد ومنطق الرأسمالية في كل ذلك، والمجد لكارل ماركس، أم أنها تلك ” الفوضى الخلاقة “، التي رسمت خطوطها وزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس أيام بوش الابن والثملون بأساطير العهد القديم، وما زالت هي الاستراتيجية العامة لولايات أميركا المتحدة؟ وإسرائيل، أين موقع إسرائيل من كل ذلك وفي كل ذلك، فليس من المعقول أنها جالسة على كراسي المتفرجين، أو أنها لا تبحث عن مصلحتها في كل ما يجري، أو لا تحاول استغلال ذلك من أجل أمنها ومصير أجيالها؟

حجر سبينوزا

عندما انتهى صاحبي من طرح تساؤلاته، بل نفث قلقه وتقلصات صدره، كنت خلالها قد أنهيت الكوب الثاني من قهوة سوداء كسواد الليل في صحراء بلا بدر، ومرة كمرارة ما يجري في دنيا العرب، وقد بدأت كآبة شنيعة ترخي سدولها على جلستنا، وأنا ما قدمت إليه إلا بحثا عن بعض لحظات الاسترخاء، فإذا التوتر هو سيد الموقف، وكيف لا يكون ذلك ونحن جزء، وإن كان صغيرا، من عالم تحول الجميع فيه إلى حاطب ليل ضجر. استجمعت نفسي، وألقيت في جوفي ما بقي من قطرات قهوة سوداء، في قعر فنجان كان ناصع البياض، وقلت: صدقني يا صاحبي، ما المسؤول بأعلم من السائل، فلست من “حكماء” هذا العالم المجهولين، الذين يُقال إنهم يجتمعون دوريا ليحددوا مسار العالم في القادم من أيام، ولست ممن يسميهم وليم جاي كار “النورانيون”، أو حاخامات اليهود وأباطرة المال في العالم وفق تحديده، الذين يتحكمون بمسار الأمور في العالم منذ القرن الثامن عشر وحتى اليوم، في كتابه الشهير “أحجار على رقعة الشطرنج”، فأنا لست من المؤمنين بنظرية المؤامرة طويلة المدى، والتي يكون محورها جنس معين أو فئة معينة، وإن كنت أرى أن هنالك أمورا تدار في السر وراء الكواليس، كجزء من اللعبة القذرة للسياسة ومنعرجاتها. بل ولست ذا علاقة براسمي السياسة سواء هنا أو هناك أو أي مكان في العالم، كأولئك الذين تحدث عنهم مايلز كوبلاند في كتابه ذائع الصيت “لعبة الأمم”، وبذلك فأنا وأنت إنما نحاول التفكير بصوت مرتفع ليس إلا، بحثا عن خيط هنا، أو إشارة هناك، لعلها تفصح في النهاية عن معنى ما يجري، وربما ما قد يجري، مثل تائه في بيداء بلا أبعاد، يبحث عن شعاع نجم باهت، أو شيء من ضوء كوكب أفل، لعله يخبره بموقعه من الأعراب.

ولكن بداية لا أدري يا صاحبي لِمَ كل هذا الذي يجري في عالم العرب يجعلني أفكر بالفيلسوف الهولندي باروخ (بنديكت) سبينوزا (1632-1677)، وذلك حين ينفي الإرادة الحرة عن العقل، ويرى أن شعور الناس بأنهم ذوو إرادة حرة في السعي نحو رغباتهم، أشبه ما يكون بحجر أُلقي في الفضاء، ولو كان للحجر شعور وعقل، لظن بأنه يعرف إلى أين يسير وأين يستقر، جاهلا تلك القوة الخفية التي قذفته ابتداء. وبغض النظر عن الاتفاق مع أفكار سبينوزا من عدمه، فإن في ما يجري اليوم في الشرق الأوسط شيء من “عقلية” ذلك الحجر لو نطق: يظن نفسه حرا وعارفا بمساره، فيما هو غافل عن السبب الأعمق الذي وضعه في مساره، ويقوده إلى مصيره. المصلحة والحفاظ على الذات هما أساس سلوك الدول، الصغيرة منها والكبيرة، لا شك في ذلك، وكل يسعى لتحقيق مصلحته والحفاظ على ذاته، ولكنّ الوعي بذلك، والعمل وفق هذا الوعي، لا يعني أن المسار المُختار سيوصل حتما إلى تحقيق الهدف أو الغاية، أو الرغبة المُخطط الوصول إليها، وكلما كانت الدولة أقل قوة، كانت إلى حجر سبينوزا أقرب، في ظل هيمنة دول أقوى.

هذا هو واقع الدول والتنظيمات السياسية الفاعلة في عالم العرب اليوم، كل يسعى إلى هدف معلوم، ولكن لا أحد يعلم من يحرك الخيوط، ولا إلى أين المسار، رغم الاعتقاد بغير ذلك. فإيران الثورية الإسلامية مثلا تسعى إلى ذات ما كانت تسعى إليه إيران الشاهنشاهية، مع اختلاف في الشكل الأيديولوجي وثبات المضمون، ألا وهو إعادة الروح إلى إمبراطورية قورش والساسانيين، ففي النهاية، الدولة هي الدولة، قد تختلف الأنظمة، وقد تختلف الأيديولوجيات، ولكن مصالح الدولة التاريخية والجغرافية والاستراتيجية، تبقى ثابتة فيما تتغير الوسائل من حولها. فالدولة الفارسية في عهد الصفويين، وفي عهد البهلوية، وفي عهد الملالي لها ذات الأهداف تقريبا، وإن صُبغت بألوان أيديولوجية مختلفة بين الحين والآخر، أو تغيرت أساليب تحقيق الغاية ووسائلها. تتغير الأيديولوجيات والوسائل والأساليب، وتبقى أهداف الدولة، ككيان تاريخي وجغرافي، واحدة.

الأيديولوجيات تجتذب المتحمسين للتغيير، وهذا مؤكد، ولكن حين التحليل الأخير، ليست الأيديولوجيات هي التي تفعل، ولكنها الدول والتنظيمات التي ترفع راية هذه الأيديولوجيات. الأيديولوجيات توفر الغطاء، ولكن الهدف تحدده الدول، بوعي وحتى دون وعي بتأثير من منطق الدولة الذي هو كالروح بالنسبة إلى الجسد، وكل ما دون ذلك مجرد أحجار على رقعة شطرنج. وفي الشطرنج، المهم ألا يموت الملك أو الشاه، لأن موت الشاه يعني نهاية اللعبة، واللعبة لا بد لها من أن تستمر.ما ينطبق على إيران ينطبق على السعودية وعلى الولايات المتحدة، وعلى أيّ دولة في عالم اليوم والأمس، ولكن منطق الدولة قد يكون مهلكا لذات الدولة أحيانا، حين تحاول هذه الدولة أو تلك، أن تتخطى حدودا معينة، ظنا منها أنها بذلك تحقق مصلحتها وأمنها، فمنطق الدولة رغم أنه روح الدولة، إلا أنه في ذات الوقت يحمل من بذور فناء الدولة الشيء الكثير، بمثل ما أن الرأسمالية تحمل بذور فنائها في داخلها، حين يجبرها منطقها الداخلي على التوسع والسعي إلى مزيد من الأرباح، فتدور العجلة حتى الوصول إلى طريق مسدود. فإيران مثلا، وسعيا للهيمنة والتوسع، اعتقادا منها أنها بذلك تؤمّن نفسها وتحقق مصلحتها وتضمن مستقبلها في غابة يسمونها اصطلاحا المجتمع الدولي، إنما تستهلك نفسها في النهاية، حين تمتد أذرعتها لكل مكان، وهذا الامتداد يحتاج إلى طاقة، والطاقة إلى موارد، والموارد في النهاية محدودة مهما كانت وفيرة، وهذا ما أظن أنه يحدث لإيران اليوم.

دلالة الصمت السعودي

المفارقة في منطق الدولة حين يتجاوز حدوده، هو أن الدولة لا تستطيع انفكاكا منه حين تنغمس فيه، فإيران لا تستطيع إلا أن تواصل مدّ أذرعها إلى كل مكان اليوم، وإن هي أرادت الرجوع عنه، فإن من مدت أذرعها لاحتوائهم سوف ينقلبون عليها حين تفقد هذه الأذرع قوتها وكرمها، وإن واصلت مد الأذرعة رغم القناعة بمخاطرها، فإنها تستهلك ذاتها، فينقلب عليها داخلها، وهذا ما أظنه سيحدث لإيران عاجلا أو أجلا، فلا بد للمنطق أن يأخذ مجراه حتى النهاية، بمثل ما أن السيل العرم لا بد أن يصل إلى مداه، حين تثور الطبيعة وتُرعد السماء. أن تصل إيران إلى اليمن هو بداية النهاية لتوسعها في ظني، فاليمن بكل تعقيداته الاجتماعية، وتضاريسه الجغرافية، وتلاطماته السياسية، كان دائما بداية النهاية لأيّ قوة توسعية، وما التجربة الناصرية إلا خير برهان على ذلك، فقد كان اليمن والانغماس في شؤونه، هو الأسفين الأول في نعش التجربة، وهو الأسفين الأصغر الذي أدى في النهاية إلى الأسفين الأكبر، وهو هزيمة حرب يونيو/ حزيران، ومن ثمة انحسار المد القومي جملة وتفصيلا. ومن هنا ندرك مثلا مغزى عدم دخول الملك عبدالعزيز إلى اليمن، رغم القدرة على ذلك، أيام تأسيس الدولة السعودية المعاصرة، بل وتحذيره من ذلك، وسط استغراب الكثير من مستشاريه، ومنهم حافظ وهبة الذي أعلن ذلك صراحة للملك، الذي شرح له مخاطر التورط في اليمن بكل إشكالاتها، وهو الأمر الذي في ظني كان حائلا دون قبول اليمن عضوا في مجلس التعاون الخليجي، الذي مات يافعا واحسرتاه. من هنا، أفهم هذا الصمت السعودي عما يجري في اليمن، فوفقا لكثير من التحليلات التي أتفق مع الكثير من جوانبها، فإن إيران وقعت في حفرة عميقة من الصعب عليها الخروج منها، وقد تكون هذه الحفرة هي بداية النهاية لإمبراطورية الملالي، ولتأخذ النشوة المحللين الإيرانيين المبتهجين بالسلطنة على بحر القلزم وبحر الروم. هل القيادة السعودية واعية بكل ذلك وهي تنأى بنفسها عن الغرق في المستنقع اليمني كما يتمنى البعض؟ لا أدري بالطبع، ولكني أتمنى ذلك.. أتمنى ذلك. هذا ونكمل بقية الحكاية في المقال القادم إن شاء الرحمن الرحيم، فقد تشعب الحديث، وأدرك شهرزاد الصباح، فكان لا بد لها أن تسكت عن الكلام المباح.. وغير المباح، وكل عام وأنتم بخير.

تركي الحمد

:: مقالات أخرى لـ تركي الحمد

تركي الحمد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر