الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

ويبقى العنف سيدا للأحكام في دنيا العرب

النظام السياسي في دنيا العرب، سواء ما قبل “الربيع” أو بعده، يفقد صفة الديمومة والاستمرارية طالما أنه متعلق بالرؤية والمصلحة الأحادية لمن غلب.

العرب تركي الحمد [نُشر في 2014/11/23، العدد: 9747، ص(4)]

عندما بدأ تتابع انتفاضات “الربيع العربي” في بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، مطيحة بالحكام من الشام إلى بغداد، ومن مصر إلى اليمن، رافعة ألوية الحقّ والعدل والحرية، كان المأمول أن تسفر هذه الانتفاضات الجماهيرية عن نهاية عهود وبداية عهد؛ نهاية أيام الجور والطغيان، وبداية عهد العدل وحرية الإنسان.

صحيح أن الأمر قد يستوجب سنوات طويلة من إعادة البناء للوصول إلى الأهداف المبتغاة، أو التي ظننا أنها مبتغاة، ولكن ذلك أمر غير مهم طالما بدأت المسيرة، وطريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة كما يُقال، فعهود الظلام كانت طويلة وقاسية، وعلة الإنسان في مجتمعات العرب كانت شديدة الوطأة، ولذلك فليس من المتوقع أن تحل كل تلك الإشكاليات والعلل بين عشية وضحاها.

تفاءل الجميع خيرا بذلك “الربيع”، رغم كل الشكوك التي أُحيط بها، بدءا من حديث المؤامرة وليس انتهاء بحديث المغامرة، ورغم كل الفوضى التي رافقته، ولكن هل هناك تغيير دون ثمن، أو مسيرة دون عثرات؟

المعضلة العربية

ما أن انقشع بعض من الغبار، وغيض شيء من الماء، وأقلعت سحب السماء، حتى تبين أن الثمن الذي يجب أن يُدفع للتغيير قد يكون مرتفعا بشكل قد يفوق قيمة السلعة المبتغاة، إذ تكشف الزلزال عن مزيد من الطغيان، ومزيد من قهر الإنسان، ومزيد من عنف أهوج لا يبرره هدف ولا تفسره غاية.

تبين أن “المعضلة العربية”، إن صح لنا أن نسميها بذلك، أكبر من الحكام وأكبر من مجرد تغيير سياسي، فما الحكام في النهاية إلا نتيجة لعلة وليسوا سببا لها، وإن أصبحوا كذلك بعد ذلك في دائرة لا يتبين أولها من آخرها، وما السياسة والتغير السياسي إلا جزء من تغير أكبر يجب أن يحدث، فإن لم يحدث، فلا قيمة في الخاتمة لأي تغيير.

في الحالة العربية فإن السياسة في الذهن العربي تتحول إلى نوع من علاقة غالب أو مغلوب، قاتل أو مقتول، أنا أو أنت، سلطان غشوم أو فتنة تدوم، مستبد أو عاجز، ولا وسط بين هذه الثنائيات

غابت أسماء كانت قابعة على الأنفاس في بلاد الربيع العربي، وظهرت أسماء مرشحة لأن تكتم الأنفاس إلى ما شاء الله، وكأنك يا أبو زيد ما غزيت. كانت الانتفاضات بداية ثورات ضد الفقر والجور وقهر الإنسان، فإذا الغبار تكشف عن مزيد من الفقر والإفقار، ومزيد من الجور والقهر وقمع حرية الإنسان.

تكشفت كل تلك الانتفاضات وسقوط الأقنعة القديمة عن كل علل وأمراض الإنسان العربي، والمجتمع العربي، والتاريخ العربي، والعقل العربي، إذ يبدو أن كل ما هو عربي مصاب بعلة استحكمت حتى تمكنت، فإذا نحن بالفعل أمام كارثة تهون عندها كل كوارث السياسة التي اشتكينا ونشتكي منها، وتبين أن “الشق أوسع من الرقعة”، كما يُقال في أمثالنا الشعبية، وأصبح لسان حال المواطن العربي، أو لنقل الفرد العربي، فليس هناك عربي يمكن أن تنطبق عليه صفة المواطن، يردد مع المثل الشعبي المغرق في بساطته: “أمسك قريدك لا يجيك أقرد منه”، أو وفق قول ابن أبي طالب: “عجبا للزمان في حالتيه، وبلاء ذهبت منه إليه. ربّ يوم بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه”.

كان المأمول أن تكون تلك الانتفاضات بداية بناء مجتمع عربي جديد بكل أبعاد الجديد: نظام سياسي قائم على حرية اختيار الحاكم، وعدل يضمن كرامة الإنسان، ومساواة في ظل قانون مجرد لا يفرق بين أمير وحقير ووزير وغفير، فالكل أمامه مواطن ضمن مواطنين، فإذا براكين التخلف التاريخي، وأبخرة مستنقعات الثقافة الآسنة ، وتيه بني يعرب في صحراء هذا العالم هي النتيجة، فلا حرية تحققت، ولا عدالة تمخضت، ولا مساواة انبثقت، بل طغيان أشد من طغيان عهود بادت، وجور أكثر ظلاما من ظلمات قبر مهجور، وناعقون بكل قول قبيح، وفاعلون لكل ما هو جرم صريح.

والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا كل ذلك في دنيا العرب؟ لماذا العرب دائما، من كل شعوب الدنيا إلا من كان على شاكلتهم، يسير حالهم وفق المقولة الشعبية الدارجة: “من جرف لدحديرة”، أو كما يمكن أن أقول: من حفرة إلى هوة. لن أجعل من نفسي حكيم زمانه هنا وأقول إنني أعرف الجواب، فالسؤال كبير وإجابته أكبر، ولكن مناقشة طرف من المسألة قد يسهم في حل بعض الإشكال، أو يلقي ببصيص ضوء عليها، وليكن هذا الطرف هو قضية الديمقراطية في دنيا العرب، وهي القضية التي أصبحت شعار من لا شعار له في عالمهم، ولماذا فشلت وما زالت فاشلة في دنيا العرب هذه.

هل العيب في ذات الديمقراطية مثلا، أم هو في تطبيقها، أم أن هنالك أمورا أخرى نتجنب مناقشتها، أو نناقشها على استحياء، لأن في مناقشتها خدشا لأمور جعلوها وجعلناها من المقدسات لدينا، فيما هي خالية من القداسة، خلو الشقاء من السعادة.

الديمقراطية نظام متكامل ومتجانس من النسبية والتعددية والحرية والقانون فهي ليست مجرد انتخابات وصناديق اقتراع دورية أو موسمية بقدر ما هي بناء مترابط الأجزاء

الصيغة الديمقراطية

انبثقت الديمقراطية في أوروبا أولا، بعد تجارب تاريخية طويلة ودموية تبين بعدها أنه لا مناص من الوصول إلى صيغة معينة للتعايش الاجتماعي السلمي، تستوعب كل الاختلافات البشرية، ولا تهدّد أسس المجتمع الذي يجب أن يكون متماسكا رغم الصراعات والخلافات والاختلافات، وإلا فإن البديل هو الفوضى ونهاية المجتمع جملة وتفصيلا. وكلما زاد تطور المجتمعات زاد تعقدها وتعقيدها، وازدادت الاختلافات، واتضحت ضرورة البحث عن قنوات معينة تستوعب هذه ا لاختلافات دون تمزيق المجتمع.

لقد مزقت أوروبا نفسها وشعوبها ومجتمعاتها، وفي النهاية وجدت أنه لا محيص عن الصيغة الديمقراطية للحفاظ على ذات وجودها، بعد أن دفعت سعرا غاليا من أجل الوصول إلى مثل هذه القناعة. وهم اليوم يتصارعون ويختلفون، ويفند بعضهم رأي بعض، ولكنهم في النهاية يرجعون إلى ذلك الصندوق الصغير من أجل حسم خلافاتهم، وترضخ الأقلية، مهما كانت كبيرة، لرأي الأكثرية، مهما كانت قليلة، مع عدم المساس بحقوق الأقلية نتيجة دكتاتورية أكثرية محتملة، ويكون المجتمع بكامله هو الرابح في الختام.

ولأن الديمقراطية المعاصرة، وشقيقتيها الليبرالية والعلمانية، كانت نتاج تجربة ومعاناة تاريخية أوروبية أولا، قبل أن تكون مشروعا أيديولوجيا، فإنها فرضت نفسها في النهاية على أنها الأسلوب الأفضل عمليا لحل المنازعات، وإطفاء نار الخصومات والصراعات، وإن كانت الأمور نسبية، ففي النهاية فإن ما لا يُدرك كله لا يُترك كله. وقد أصبحت الديمقراطية، أو المناداة بها على الأقل، مطلبا عالميا، حيث أن من لا يعمل بها، يحاول أن يبرر ذلك بشتى التبريرات، أو أنه يحاول أن “يُدمقرط” ما هو متاح لديه، حتى وإن كان ما لديه بريء من الديمقراطية. والعالم العربي ليس استثناء من هذه القاعدة، وبدأنا نرى كيف أن كل دولة عربية تحاول أن تقيم نظاما للانتخابات لديها، وحتى قبل فورات “الربيع″، كجزء من إضفاء لون ديمقراطي على السياسة والمجتمع، يخفي كل ما هو غير ديمقراطي داخل ذلك الجسد الملون، فقد أخذ العرب بظاهر الديمقراطية دون باطنها أو جذورها، ومن أجل ضرورات سياسية عابرة، قبل أن يكون ذلك إيمانا فعليا وعميقا بضرورة الديمقراطية والحل الديمقراطي، من أجل صحة السياسة والمجتمع. فالديمقراطية ونظريتها وممارستها، ليست في النهاية مجرد انتخابات وصناديق اقتراع، بقدر ما هي كيان ثقافي قبل كل شيء: نسبية معرفية، وتعددية اجتماعية، وحرية سياسية محمية بمظلة من الحقوق والحريات العامة، المصانة بدستور وقانون فاعل، وكل ذلك مأخوذ في مزيج متجانس واحد، لا وجود لآخره دون توفر أوله. هذه هي ببساطة، وإن كانت مُخلة بعض الشيء، البنية التحتية للديمقراطية، والتي لا يمكن البناء إلا على أسسها، وإلا فإن البناء منهار لا محالة. والنسبية المعرفية تعنى ضمن ما تعني، المساواة بين الآراء، قبل المساواة بين الأفراد. فإذا كان الكل شركاء في الأصل البشري، فإن الكل أيضا شركاء في الحق والحقيقة، ولا يملك أحد أن يدعيها لنفسه فقط، كما لا يملك أحد أن يدعي أنه وحده أزرق الدم والبقية أحمره، وبالتالي فإن الكل للحقيقة مجرد طالب، وإن اختلفت بهم السبل.

بغير وجود مثل هذه القناعة في المجتمع، وسواء كانت نتيجة تجربة تاريخية محددة، أو كانت نتيجة تثقيف وتنشئة اجتماعية معينة، فإن الأخذ ببعض مظاهر الديمقراطية، أو حتى كل مظاهرها دون أسسها، يكون كمن يقيم بيتا من رمال على شاطئ تتلاطم أمواجه.

والتعددية الاجتماعية تعني ضمن ما تعني، الاعتراف بتلك الحقيقة الحياتية البسيطة، ألا وهي الاختلاف بين البشر. حقيقة بسيطة وجلية ولكنها صعبة المنال في واقع الأمر، ولم تصل إلى الاعتراف بها مجتمعات كثيرة إلا بعد بحور من دماء، وأنهار من معاناة. هل هي سذاجة تاريخية بشرية؟ ربما. هل هي كهوف فرانسيس بيكون المعرفية التي تمنع رؤية حتى الحقائق البسيطة؟ ربما. المهم هنا هو التأكيد على أن هذا هو الإنسان، وعلينا التعامل مع الحالة البشرية كما هي، إذا كان المراد هو المساهمة في عمارة هذه الأرض.

نظام متكامل ومتجانس

الحرية السياسية تعني في أبسط معانيها ترجمة النسبية المعرفية والتعددية الاجتماعية إلى واقع سياسي وحقوقي معيش، يستطيع فيه ومن خلاله كل فرد وجماعة، التعبير عن الحقيقة كما يرونها ويعتقدونها، والاختلافات كما يعيشونها. وهذه الحرية لن تكون ذات معنى في النهاية، إن لم تكن محمية بسياج من قانون، وسقف ثابت من دستور، تكون هي المحدد للقنوات التي تمارس من خلالها الخلافات والاختلافات وتحتويها، بمثل ما أن السدود والأقنية الزراعية تستوعب مياه الأمطار والأنهار وتحتويها، وتتحول بالتالي إلى مصدر خير ورخاء، بعد أن كانت قوة غاشمة تقتلع في طريقها البشر وما بنوه من حجر، أو زرعوه من شجر.

الديمقراطية نظام متكامل ومتجانس من النسبية والتعددية والحرية والقانون. فهي ليست مجرد انتخابات وصناديق اقتراع دورية أو موسمية، بقدر ما هي بناء مترابط الأجزاء. وما الانتخابات ونحوها إلا تجسيد ظاهري لها، وليست هي بعينها.

وعلى ذلك يمكن القول إنه حين الحديث عن النسبية، والنسبية المعرفية تحديدا، فيبدو أنها بعيدة عن أن تكون مكونا أساسيا من مكونات الثقافة السياسية العربية. فالخطاب السياسي العربي، وآليات العقل المنتج له، لا زال خطاب مطلقات وحقائق نهائية، إما أن تقبلها كلها، فتكون من أهل الحق والحقيقة، وإما أن ترفضها أو بعضها، فتكون من أهل الباطل والخطيئة. ولا اختلاف في ذلك، أي في بنية الخطاب ذاته، بين من هم في موقع السلطة أو من هم خارجها، أو حتى بين من يرفعون شعار الدين في السياسة، أو كثير ممن يرفعون شعار لا سياسة في الدين، حين الحديث عما هو متداول وممارس في الحياة السياسية العربية. الكل هنا ينتمون إلى جذر ثقافي واحد في هذا المجال، مهما اختلفت المواقع والاتجاهات. كل فريق وكل تيار يسعى لأن يكون هو صانع الحقيقة التي لا حقيقة غيرها، والكل ينظر إلى الآخر ويتعامل معه وفق رؤى وأحكام قطعية مطلقة، مضمونها في التحليل الأخير هو إما أن تكون معي، وتكون مع الحق وأهله بالتالي، وإما أن تكون ضدي، وتكون بالضرورة مع الباطل وأهله، ولا وسط بين النقيضين. صراع النقائض هذا وخطابه، هو الذي في النهاية رسم صورة الحياة السياسية العربية خلال معظم فترات التاريخ العربي. فرغم الحداثة والعصرنة والمعاصرة والأيديولوجيات الجديدة ونحوها، بقي العقل السياسي العربي، المُنتج لثقافة العرب السياسية والاجتماعية، أمينا لتراثه السياسي، أو ما ينتقيه هذا العقل ليكون تراثا سياسيا لا تراث غيره.

وحين الحديث عن التعددية الاجتماعية، فإن الاعتراف بها وتنظيمها بما يكفل احتواء صراعها المحتمل ونتائجه، مسألة غير واردة، أو لنقل إنها من غير المفكر فيه، في الخطاب السياسي العربي وعقله المؤسس، من حيث أن التعددية ذاتها مفهوم غير وارد في الثقافة المُنتجة، وفي ذلك تفسير جزئي لانفجار الطائفية بكل عفنها في دنيا العرب اليوم. فالإيمان بالنسبية المعرفية، هو الأساس الممهد للحديث عن التعددية الاجتماعية والتعامل على أساسها. بانتفاء مفهوم النسبية، فإن الأحادية هي النتيجة في النهاية، ولن يكون للتعددية أي معنى في هذه الحالة، بل قد تعتبر نوعا من الهرطقة والشقاق، قبل أن تكون تقريرا لحالة بشرية أزلية. والحرية السياسية هي ختام التدرج من عالم المجردات إلى عالم المحسوسات. فإذا كانت التعددية الاجتماعية نتيجة منطقية للنسبية المعرفية، فإن الحرية السياسية تصبح بدورها نتيجة منطقية للاعتراف بالتعددية الاجتماعية وواقعها. وطالما أن مفاهيم النسبية والتعددية غائبة عن الثقافة السياسية العربية والخطاب الثقافي المهيمن، فإن الحرية لا معنى لها في هذا الخطاب، وورودها فيه حين يرد، هو لفظ بلا مضمون، أو تنظير وتبرير بلا واقع في التحليل الأخير.

ما أن انقشع بعض من الغبار حتى تبين أن الثمن الذي يجب أن يُدفع للتغيير قد يكون مرتفعا بشكل قد يفوق قيمة السلعة المبتغاة

خطاب عقاب

أما القانون فإنه بدل أن يكون تنظيما لحركة المجتمع، فإنه يتحول في هذا الخطاب ووجوه الممارسة المختلفة، إلى نوع من خطاب ردع، أو لنقل خطاب عقاب مستقل بذاته.

القانون هو عبارة عن أداة لتنظيم المجتمع وحركته، والتعبير عن قيم المجتمع وتغيراتها، ولكنه في الخطاب السياسي العربي يصبح أداة ضمن أدوات أخرى، والسلطة ذاتها مجرد أداة والحالة هذه، تحاول من خلاله الفرق والتيارات المتناقضة، فرض حقيقتها ومعاييرها القطعية، وبذلك يتحول من أداة لتحقيق العدل، إلى وسيلة لشرعنة القهر في دنيا العرب، وفي أماكن أخرى، ولكن بني يعرب هم من يهمنا هنا، فإن السلطة السياسية هي تلك العصا السحرية التي تنتصب فوق المجتمع، والتي تشكل النظام السياسي برمته. وهي في النهاية، وفوق هذا وذاك، الغنيمة أو الثمرة التي من قطفها أو استحوذ عليها، فاز بالدنيا وما حوت، وحتى من احتوت. لذلك فهي لا تتسع للجميع، بل هي في نهاية الأمر حكر يكاد يكون مغلقا على هذه النخبة أو تلك، هذا الفريق أو ذاك. ورغم أن هناك فرقا بين النظام السياسي والسلطة السياسية، سواء على مستوى النظر أو على مستوى العمل في الأنظمة الديمقراطية، إلا أنه في الحالة العربية فإن الحدود تختفي، والمعالم تنتفي بين السلطة والنظام.

من يمسك بالسلطة، يصبح هو في النهاية من يحدد طبيعة النظام وعمله. بل إن من يمتلك السلطة، يصبح هو في النهاية القادر على تحديد أبعاد الحركة الاجتماعية وحدودها، وحتى طبيعة الحقيقة المعرفية والثقافية والدينية واتجاهها، ولعل في اعتزال المأمون وسلفية المتوكل خير مثال تاريخي على ذلك، وإلا فإن الوقائع كثيرة. ولذلك نجد أن مثل هذه المجتمعات هي الأقل استقرارا سياسيا واجتماعيا، حتى وإن استقرت في المدى القصير، أو بدت أنها كذلك، طالما أنها تقوم على أساس من رفض حقيقة الاختلاف في المجتمع والذهن، وتحاول فرض نوع من الائتلاف ليس بالضرورة متماهيا مع الحقيقة الاجتماعية والذهنية كما هي، بقدر ما يجب أن يكون متماهيا مع ما يراه هذا الفريق أو ذاك من تصور معين لما يجب أن يكون متماهيا.

عندما تتحول السلطة إلى نوع من الغنيمة التي لا تحتمل التقسيم، نتيجة المنطق الذي يحكم النظرة إليها والتعامل معها، فإن الفائز بها لا يهمه في النهاية كيفية تحقيق الاستقرار في المدى البعيد، بقدر ما يهمه كيف يكون ذلك آنيا، أي في المدى اللحظي، وفرق كبير في تلك الآليات التي تقف وراء هذين النوعين من الاستقرار. فتحقيق الاستقرار السياسي في المدى الطويل، وهو ليس بطويل في مثل عالم اليوم على أيّ حال، يستلزم نوعا من الاستقرار الاجتماعي، الذي يتطلب بدوره نوعا من التوازن الاجتماعي، الذي لا يتحقق دون الاعتراف بالتعددية الاجتماعية، ومن ثم تهيئة البيئة الاجتماعية والسياسية المناسبة لتعبير هذه التعددية عن ذاتها، وما ينتجه ذلك من ثقافة وأوعية ومؤسسات مناسبة لذلك. فالاستقرار السياسي بعيد المدى يقوم على توازن العلاقة بين القوى الاجتماعية أولا، مما يكون بدوره الأساس المتين للاستقرار السياسي حين يكون هنالك “نظام” سياسي واضح المعالم، واضح الاتجاه، واضح الحركة. أما الاستقرار النسبي، أو الاستقرار الوقتي فهو في النهاية يقوم على نوع من علاقة قهر القوى، لا توازن القوى. يبدأ هذا القهر اجتماعيا، حين لا يتاح للتعددية الفطرية أن تعبر عن ذاتها، وينعكس ذلك لاحقا على السياسة والنظام السياسي، الذي يتحول في النهاية إلى مجرد غنيمة لمن غلب. صورة ربما تجد أفضل تعبير لها في رد ذلك الفقيه على رئيس العسكر المملوكي، الذي كان يحمل رأس السلطان المقطوع، حين سأله: من هو السلطان؟ فرد الفقيه بالقول: السلطان هو من قتل السلطان. وطالما أن القضية أصبحت صراعا على غنيمة، فإن علاقة القاهر والمقهور هي التي تصبح أداة تحقيق الاستقرار، ولكنه في النهاية يبقى استقرارا آنيا مهما طال، طالما أن علاقات التوازن ليست من مكوناته.

بذلك فإن النظام السياسي في دنيا العرب، سواء ما قبل “الربيع” أو بعده، يفقد صفة النظام فيه، ويفقد صفة الديمومة والاستمرارية، طالما أنه متعلق بالرؤية والمصلحة الأحادية لمن غلب. ولذلك نجد في الغالب أن موت هذا الزعيم أو ذاك، هو نهاية نظام وبداية نظام. نهاية لعهد بائد، وبداية لعهد سائد لا يلبث أن يصبح بائدا، وهكذا دواليك. ورغم أن كل ذلك مشكلة بحد ذاته، إلا أنه ليس المشكلة حين الوصول بالتحليل إلى مداه الأخير. المشكلة الحقيقية تكمن في تلك الثقافة السياسية التي يفرزها مثل هذا الوضع، وفي الثقافة العامة المهيمنة التي تشكل الثقافة السياسية أحد فروعها. ففي الحالة العربية فإن السياسة في الذهن العربي تتحول إلى نوع من علاقة غالب أو مغلوب، قاتل أو مقتول، أنا أو أنت، سلطان غشوم أو فتنة تدوم، مستبد أو عاجز، ولا وسط بين هذه الثنائيات.

من يمسك بالسلطة، يصبح هو في النهاية من يحدد طبيعة النظام وعمله. بل إن من يمتلك السلطة، يصبح هو في النهاية القادر على تحديد أبعاد الحركة الاجتماعية وحدودها

ثقافة ثنائيات

تتحول السياسة في مثل هذه الحالة إلى شيء بغيض، لا علاقة له بوزن أو توازن، نظام أو قانون، يصفه مأثور مالكي بالقول: “من اشتدت وطأته، وجبت طاعته”، وينظر له شاعر بالقول: “إنّما العاجز من لا يستبد”، هذا في ذات الوقت الذي نجد فيه أن المدنية والسياسة تمتزجان امتزاج خمرة أبي نواس بقدحها في ثقافات أخرى، حين يصبح الإنسان “حيوان سياسي”، أو “حيوان مدني”، فاللفظتان تعنيان ذات الشيء. بل يمكن القول إن مثل هذه الأوضاع، الاجتماعي منها والسياسي بالتالي، قد حوّلت الثقافة العربية بمجملها إلى ثقافة ثنائيات متعارضة ومتصارعة، وفي كافة المجالات، لا يكون أحدها إلا على حساب الآخر في مثل هذا الوضع، وفي مثل الحالة الثقافية التي يفرزها مثل هذا الوضع وتفرزه في تأثير متبادل، فإن الهم لدى الجميع لا يصبح حول كيفية “تسوية” الاختلاف السياسي ومن قبله الاجتماعي، والمعرفي بين هذا وذاك، في صيغة يتفق عليه الجميع، بقدر ما يصبح الهم هو حول كيفية “حسم” الصراع، والقضاء على الاختلاف بكافة أشكاله، ووفق رؤية معينة دون غيرها. ومنطق الحسم يؤدي إلى ثقافة الاقصاء، بمثل ما أن ثقافة الإقصاء تؤدي إلى منطق الحسم، والتي لا بد أن تكون نتيجتها في النهاية هيمنة طرف على حساب بقية الأطراف، ووفق صيغة مفروضة ليس من الضروري أن يكون الاتفاق هو أحد مكوناتها. وسواء اتخذ المجتمع والدولة شكلا حديثا أو شكلا تقليديا، أو شكلا حديثا بمضمون تقليدي، أو شكلا تقليديا بمضمون حديث، فإن سيادة مثل هذه الثقافة، أي ثقافة الإقصاء تجعل من الحسم أسلوبا لحل المشكلات والاشكالات.

"السلطةـ الغنيمة"

قد تسود بعض مظاهر الديمقراطية في هذا البلد أو ذاك مثلا، ولكن طالما أن الثقافة السياسية السائدة لا زالت تنظر إلى السلطة على أنها غنيمة قبل أن تكون أداة، فإن كل مظاهر الديمقراطية لا تلبث أن تتهاوى عند الممارسة الفعلية للسياسة، بل تصبح الديمقراطية ذاتها مجرد وسيلة من وسائل امتلاك الغنيمة، وليست وسيلة من وسائل المشاركة في ثروة المجتمع واتخاذ قراره. وقد تسود بعض مظاهر الديمقراطية في هذا البلد أو ذاك مثلا، ولكن مع سيادة مثل هذه الثقافة على الأذهان، فإن صاحب السلطة لا يمكن أن يتنازل عنها لمجرد أن صناديق اقتراع “دخيلة” بينت أنه غير مرغوب فيه، ولكن ذلك لا يحدث على أيّ حال.

فالمالك لزمام السلطة من الممكن أن يفعل أي شيء وكل شيء، بل وتفصيل ديمقراطية على مقاس معين ووفق شروط معينة، حيث لا يفلت زمام السلطة من يده، فهو في النهاية نتاج مجتمعه وثقافته. مثل هذا السلوك يعزز في النهاية من ثقافة “السلطةـ الغنيمة” على وجه الخصوص، وثقافة الثنائيات المتناحرة على وجه العموم، وهيمنتها الاجتماعية، حتى وإن توفرت بعض مظاهر الديمقراطية، أو كلها، طالما أن أساسها المعرفي والثقافي مفقود. من مثل هذا التناقض، تنشأ ثقافة العنف في بذورها الأولى إلى حد كبير، وتفرز العنف سلوكا حين تتضافر مع عوامل أخرى، ويصبح العنف وثقافته سيدا للأحكام في دنيا العرب، ويُصبح الشعار الفعلي للجميع، قول الجاهلي عمرو ابن كلثوم: “ونشرب إذا وردنا الماء صفوا، ويشرب غيرنا كدرا وطينا، مع أنه من الممكن أن يشرب الجميع الماء صفوا”.

تركي الحمد

:: مقالات أخرى لـ تركي الحمد

تركي الحمد

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر