الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

مروان لدمشقه دوما

لم أعرف مروان عن قرب كما لم أشاهد أعماله التشكيلية الاختراقية في معرض مباشر، تعرفت عليها عبر كاتالوغات الفن المعاصر، لكني صاحبته منذ أمد بعيد عبر كتابات عبدالرحمن منيف وشربل داغر وفواز طرابلسي.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/11/02، العدد: 10443، ص(15)]

غادرنا قبل أيام الرسام مروان قصاب باشي في منفاه هناك ببرلين قرب أكاديمية الفنون الجميلة حيث قضى نصف عمره ناظرا إلى دمشق الساكنة في نسوغ الدم، وإلينا في منفانا الداخلي. لم أعرف مروان عن قرب كما لم أشاهد أعماله التشكيلية الاختراقية في معرض مباشر، تعرفت عليها عبر كاتالوغات الفن المعاصر، لكني صاحبته منذ أمد بعيد عبر كتابات عبدالرحمن منيف وشربل داغر وفواز طرابلسي وغيرهم الكثير، واخترت منذ مدة أن أدرّس مراسلاته مع عبدالرحمن منيف لطلبتي، وأن أدرّس عبرها عالمه النبوئي الصاعق.

لقد لفتت انتباهي دوما قدرة مروان الاستثنائية على تقليب طاقة الوجوه، والسير وراء مضمراتها حتى أبعد حد، ثم إعادة شحذها واستعمالها بجذرية عنيفة أحيانا، كان يختصر العالم في الحد الشخصي المركب لجدل “الهنا” و”الهناك”، المنهك بالمسافات، والذي يستحيل تقنينه في مدارات الكناية الفاصلة، لهذا فاجأ السياق الفني المعاصر، المشدود للّاحسية، بـ”طبيعيته”، وانحيازه للمعالم الفردية المفاجئة للعين؛ بتلك الصيغة أنجز انتماءه إلى الفن العالمي دون أن يحتاج لتكلم لغة بصرية غريبة عن دمشقيته الغائرة في قرار الخيال.

في تقديم فواز طرابلسي لمراسلات مروان ومنيف، تحدث عن وصف ملتبس نعت به أحد نقاد الفن المعاصر الألمان تجربة مروان قصاب باشي، حيث تحدث عن “البدوي المتحضر” الذي تنعكس خبرته في إظهار اللحاء الخارجي للشيء؛ لن أترجم هذه الصفة باستعمال المعجم الصوفي، الذي يستهوي النقاد لتفسير التّضام والتواؤم بين النقائض، أجد أن كلام مروان وحده عن “غسل اللون” يوصل المعنى، لقد هيمنت عليه في النهاية رغبة لاعجة في الحفاظ على الجذور وقشرات الأرض الأصلية في اللوحة، تلك التي تفكك هوية المغترب وتمحو الحدود وتقرب المنابت البعيدة.

لهذا تلقيت بغير قليل من الدهشة تلك الصيغ القرائية التي توطن مروان قصاب باشي في مغتربه الألماني، بالنظر إلى تحوله إلى ظاهرة فنية فارقة ومؤسسة في سياقها الجديد، كان في الأمر تنكّر فاجع لصارع ممتد للتشبث بالوجه القديم، والحال أنه ما انفك دمشقيا حتى في أكثر أعماله تجريدا وتصالحا مع محيطه الأوروبي، حتى وهو يسعى جاهدا لتجفيف اللوحة من الأثر العتيق للألوان والكتل والتقاسيم، فحين نتخلى عن اعتبار تلك الصفات الدالة على الهوية مكبلة لجوهر المعنى والتقنية والأثر، ستستوعب بيسر أن مروان لنا دوما وإلى الأبد، ومن حق جمهور فنه أن يقرأ ظلال وجوهه وما تسكنها من نبوءات واعترافات وحيرة وجودية بمحليته التي لن تجرده يوما من مكانته العالمية.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر