السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

الدال وأخواتها

هناك دال التزوير ودال السياسة ودال الأمية ودال الطائفية، التي هي أبشع الأخوات شكلا ومضمونا وهي ماركة اليوم، وما أكثرها شيوعا في أوطان العربان وبالذات الأوطان التي تتناسل فيها الطائفية.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2016/11/08، العدد: 10449، ص(24)]

اكتشفت مؤخرا في فقه الفلسفة وعلوم المصطلحات أن هناك أمية جديدة بدأت تنتشر مثل النمل الأبيض (الأرضة) لتقتل حياتنا وأحلامنا وعلومنا تحت لقب الدال، بعد أن عرفنا سابقا الأمية الأبجدية وفك الحروف والقراءة والكتابة، ثم أمية التكنولوجيا المعلوماتية التي نجد المتعلمين منا وحملة أعلى الدرجات، غير قادرين على ترجمتها وإفادة العباد بها، وهي ظواهر ما عادت تحتاج لتفكيك رموزها وأسرارها. اليوم نحن أمام ظاهرة أخطر، هي أمية الدال وأخواتها، فهناك الدال الطائفية والدال السياسية والدال المزوّرة والدال الافتراضية ودال المباهاة، بل يمكن القول إن الدال أصبحت دون دلالة رمزية، ليس فيها لون ولا رائحة!

بالأمس كانت الدال دالا بحق، برمزيتها ومضمونها، وحلما يراود الكثيرين، لكنه حلم صعب المنال، إلا الذين عملوا لسنين طويلة من المثابرة والجهد لنيل هذا الاستحقاق، بينما اليوم يحصل عليها البعض دون تعب أو عناء، وهم قابعون خلف مكاتبهم أو من على أسرة النوم، تأتيهم عبر سماسرة يقومون بالترويج لها أو من خلال ضغوط السياسة!

نعم… يحزنني أن أرى التكاثر الغريب لشهادات الدكتوراه حتى بات من حقنا أن نخشى على مكانة هذه الدرجة العلمية بسبب كثرة الذين يحملونها بلا جدارة ولا استحقاق! لأن المشكلة أن ثقافتنا الشرقية تحلم بالدال أكثر من حلمها بالخبز والديمقراطية، فهم يتعلقون بأهداب الألقاب ولا يرون لأنفسهم حضورا إلا من خلالها، لأنها مرتبطة بالوجاهة الاجتماعية أكثر من مناحي المعرفة والبناء.

نحن بالفعل أمام ظاهرة خطيرة تستوجب محاربتها وتستوجب أيضا أن نطرح على أنفسنا تساؤلا آخر عن وجود مكتبات معلقة عليها لافته مكتوب عليها “لدينا من يكتب بحوث الماجستير والدكتوراه” وهذه مشكلة كبيرة وخطيرة في نفس الوقت، لأنك اليوم تستطيع أن تشتري ما تريد دون تعب أو عناء.

أخوات الدال كثيرة هذه الأيام، فهناك دال التزوير ودال السياسة ودال الأمية ودال الطائفية، التي هي أبشع الأخوات شكلا ومضمونا وهي ماركة اليوم، وما أكثرها شيوعا في أوطان العربان وبالذات الأوطان التي تتناسل فيها الطائفية.

لا عجب اليوم، أننا نجد في أوطاننا جيوشا من حملة “الدال المزورة” يتقدمون الصفوف، ويحكمون النخبة العلمية الرصينة، ويتكاثرون كالبكتيريا في مجالس النواب والمحافظات وأجهزة الدولة والجامعات ووزراء ومستشارين ومدراء وضباط عسكريين مرموقين.

وأغرب ما نشاهده في أوطان الطائفية اليوم، أن أصحاب الدال هم الأكثر طائفية وتعصبا من عامة الناس، فقد تأسست نخب منهم تؤسس لدولة الطوائف والقبائل وترسّخها في عقول الأجيال الجديدة، بل إن بعضهم صار “دالا” طائفيا بامتياز!

بل لا ندري، بحسب قول أحد الكتاب، هل هذه الدكتوراه التي أخذها صاحبها هي دكتوراه عرفي أم دكتوراه متعة؟ وهل شهادته صادرة من جامعات ومعاهد حقيقية أم بقالة مثل بقالة بلدنا التي يديرها باعة خضروات وسبح وشاورما وكبب موصلية!

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر