الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

غضب

وقد وصف العلماء الغضب على أنه تطور طبيعي عن “الخوف من التهديد” الذي صاحب الإنسان القديم وتراكم عبر الحقب التأريخية ليصبح ما وصل إليه اليوم..

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/11/23، العدد: 10464، ص(21)]

هو انفعال لا يمكن لأحد ألا يمرّ به إلا إذا لم يكن إنسانا.. فالغضب، مثله مثل الحزن والفرح والحب والحقد، مشاعر تشترك فيها الكائنات العليا على الرغم من أنها تتباين في طريقة التعبير عنها..

وليس صحيحا ما هو متعارف عليه من أن الغضب شعور خاطئ أو سلبي.. بل على العكس من ذلك تماما.. فقد ذهب علماء النفس إلى وصف الغضب على انه شعور طبيعي.. وإذا ما تم التعامل معه بشكل صحيح يمكن وصفه بأنه شعور صحي.. لأن الخطر الحقيقي يكمن في التعبير عنه.. فكبت الغضب من جهة وإبقاؤه في الداخل وعدم التعبير عنه قد يؤدي بالتدريج إلى الانفجار أو إلى الكآبة المزمنة.. التي وصفها بعض العلماء بأنها تراكم من غضب مكبوت.. ومن جهة أخرى فإن التعبير المباشر عن الغضب بفقدان السيطرة على الحواس والسلوك قد يؤدي في أسوإ حالاته إلى ارتكاب أبشع الجرائم..

وثمة أسباب كثيرة تجعل الإنسان غاضبا بشكل عام.. ناهيك عن الأسباب النفسية الداخلية وتتابع الألم أو النكبات والكوارث.. ومن أهم أسباب الغضب العامة الإرهاق الجسدي والمرض والتغيرات الفسيولوجية والإحباط والفشل بالإضافة إلى المزاج العام وطبيعة الإنسان نفسه..

وقد وصف العلماء الغضب على أنه تطور طبيعي عن “الخوف من التهديد” الذي صاحب الإنسان القديم وتراكم عبر الحقب التأريخية ليصبح ما وصل إليه اليوم.. فمن الإنزيمات التي تفرزها أجسامنا عند الغضب إنزيم الادرينالين وإنزيم الكورتيزول.. وهما إنزيمان تفرزهما أجسامنا لتساعدنا على الهرب من الخطر.. فتتسارع نبضات القلب ويرتفع ضغط الدم وتضطرب الأنفاس ويتعرق الجسم وتعلو نبرة الصوت وقد ترتجف الأطراف.. وكلها أعراض كانت تحدث للإنسان بسبب الخوف من مواجهة الوحوش الكاسرة.. فإما أن ينقض عليها وإما أن يفر هاربا.. وإذ إنحسرت فكرة الوحوش اليوم إلى مواقف نتعرض لها في حياتنا اليومية.. بقي التعبير عنها هو ذاته مع اختلاف القيم العصرية وطبيعة العلاقات التي لم تعد تحكمها شريعة الغاب..

وبرغم اختلاف أنماط الغضب وردود الأفعال الناجمة عنه وتعدد أسبابه.. إلا أن أساليب التعامل معه تكاد تكون ناجعة لكل الحالات.. ومن بين الكثير مما يُنصح به للتعامل مع الغضب وتخفيف حدّته: ممارسة الرياضات البدنية والروحية من أبسطها إلى أعقدها.. مراعاة النوم الجيد العميق.. تخصيص فسحة من الوقت للاسترخاء وإتقان تمارين التنفس الصحيحة.. تجنب الغرق في تفاصيل الماضي والتركيز على فكرة أن “الحلول أهم من المشكلات” وأن “الآن” و”الآتي” أهم مما كان..

التدريب على توقع حدوث المفاجآت دون الاستغراق في التشاؤم.. إتـّباع فلسفة الابتسام والضحك بدل السخرية والتهكم.. تعلم مهارات الحوار البنـّاء بدلا عن النقاشات المتوترة غير المجدية.. محاولة التعبير عن النفس بهدوء وروية.. التقبّل للآخر المختلف وعدم تكريس الأحقاد.. محاولة إدراك أننا في النهاية بشر ولا يمكننا التحكم بمشاعر وتصرفات الآخرين وأن تحضرّنا يحتم علينا أن نتعلم المغفرة للنفس وللآخر.. وأخيرا.. ثمة من ينصح بكتابة رسالة لمن أغضبنا نصُبّ فيها ألمنا ولا نرسلها.. بل نمزقها!

بقي أن نقول إنه من الضروري أن ندرك متى وكيف لنا أن نغضب.. وعوضا عن كبت غضبنا أن نفهمه ونقدر دوافعه فنتصرف بحكمة لنحوله من مشاعر سلبية إلى طاقة إيجابية صحية..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

:: اختيارات المحرر