الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

جدل نهضوي

الشيء الأكيد أن رمسيس يونان لم يكن ناقدا كبيرا، ولا باحثا في حقول الفكر والأدب والعقيدة، وإنما اشتغل في مجمل ممارساته الثقافية من حيث هو تشكيلي بالأساس.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/11/30، العدد: 10471، ص(15)]

وأنا أراجع بعض أدبيات حركة السورياليين المصريين “جماعة الفن والحرية”، وكتابات أهم رموزها، مثل: جورج حنين وكامل التلمساني ورمسيس يونان وفؤاد كامل وألبير قصيري، لفتت انتباهي تلك المراجعة الجريئة التي أنجزها الفنان رمسيس يونان لكتاب طه حسين الشهير “مستقبل الثقافة في مصر”، المنشورة في العدد الأول من مجلة “التطور” (يناير 1940)، التي احتضنت كتابات الجماعة ونقاشها الفني والأدبي والأيديولوجي والسياسي في تشعباته الخصيبة.

تحدث المقال عن محدودية مفهوم الثقافة في خطاب طه حسين، ونعى عليه خلطه بين المعرفة والعلم والثقافة، كما نزع أي روح ثورية عن فكر طه حسين، الذي يبقى، من وجهة نظر الفنان السوريالي، رهين محافظة المؤسسة الأكاديمية وانغلاقها. لكن أهم ما ورد في الكتاب تشكيكه في شائعة “إلحاد” طه حسين، التي لا تنسجم مع محافظة طه حسين وعقلانيته وبعده عن أي عقيدة متطرفة، بحسب تعبيره.

والشيء الأكيد أن رمسيس يونان لم يكن ناقدا كبيرا، ولا باحثا في حقول الفكر والأدب والعقيدة، وإنما اشتغل في مجمل ممارساته الثقافية من حيث هو تشكيلي بالأساس، يكتب للخوض في قضايا تشغل مجتمعه وزمنه وتؤرق نخبه الفكرية الإبداعية، ولم تكن كتابته بدائية أو مرتبكة، بل عميقة وناضجة؛ وهي خاصية من خصائص النهضة في ذلك العصر والسياق الثقافي الذي أنجب لنا حركة السورياليين في مصر، الذين أبدعوا بأفق عالمي، تساووا فيه مع نظرائهم في جماعة باريس، حيث كانت قدرة الفنان على الخوض في شؤون الكتابة والنقد، وموهبة الشاعر والروائي والمسرحي في الانخراط في أسئلة الرسم والتشكيل التقنية والجمالية والفكرية، تمكنهم من تبادل الأدوار.

ستتكرر هذه الظاهرة بعد ذلك في عدد كبير من الجماعات الفنية في الوطن العربي، خاصة في العراق مع جماعة “أصدقاء الفن” الرائدة، ثم في سوريا ولبنان والسودان والمغرب مع جماعات طليعية بتسميات متباينة… دون أن تسترسل في الوجود إلى اليوم، وكأنما تلك الطاقة التي كانت تجعل الفن والكتابة والأيديولوجيا والسياسة تؤول إلى سؤال واحد يستثير الحداثة والطليعية والمجتمع العلماني الديمقراطي، انطفأت اليوم، وبات التعبير الفني/ الأدبي دونما قاعدة موحدة، متشظيا في انشغالاته ورهاناته الفكرية والوجودية.

تبادرت إلى ذهني كل هذه الأسئلة وأنا استشعر في كل السياقات الثقافية التي أعبرها من الجامعة إلى المؤسسات الثقافية إلى فضاءات الإعلام والتواصل، تلك القطيعة شبه التامة بين مكونات المجتمع الثقافي، والتي عوضت بنزعات انعزالية موغلة في التطرف، بالموازاة مع تعويم الأسئلة المرجعية الموحدة لحقول الفن والأدب والفكر والعقيدة والسياسة في مستنقعات البدائية الفكرية، وكأنما قدر هذا الوطن العربي المنهار أن يكون مستقبله في ماضيه الذي لم يخلف إلا اللوعات على نيازك انطفأت حين بلغت أوج اشتعالها.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر