السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

اللعب مع الملائكة

عندما يخرج بعض المتنطعين ممن يدعون الدفاع عن الإسلام على الناس بخرافاتهم التي تطيح بقداسة الدين وتجعل منه أداة للصراع السياسي المبتذل، فلا أحد يدينهم أو يندد بهم أو يحاكمهم.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/11/30، العدد: 10471، ص(24)]

في ساحة عامة بالعاصمة الليبية طرابلس، خرج أحد الدعاة الأسبوع الماضي ليخاطب القوم، ناقلا إليهم رؤيا، قال إن أحد إخوانه الصالحين قد رآها قبل ليلة، مفادها أن الملائكة كانت ترفع جثمان نادر الغرياني، إحدى الشخصيات المعتبرة في مسار الدعم الفقهي لمشروع الإسلام السياسي بالبلاد، وهي تهلل وتكبّر من جهة، وتعبر عن معاداتها لقائد الجيش المشير خليفة حفتر من جهة أخرى.

وقد ذكرتني هذه الرؤيا برؤى سابقة منها رؤية الصراع بين الملائكة حول ما إذا كانت ستحارب في غزة أو في سوريا أولا، ورؤية الملائكة التي كانت تنزل من السماء إلى ميدان رابعة لدعم شرعية المعزول محمد مرسي وفي مقدمتها جبرائيل بذاته وصفاته، والملائكة التي كانت تصلى وراء مرشد الإخوان.

ولا تنسوا الملائكة التي كانت تحارب مع المجاهدين في أفغانستان قبل أن يتقاتلوا في ما بينهم، ولا الملائكة التي ساندت أردوغان في التصدي لمحاولة الانقلاب التي تعرض لها، ما جعله، وهو المحفوف بالملائكة، يرى كل مختلف معه شيطانا رجيما يستحق المطاردة الأمنية والملاحقة القضائية والتوقيف والطرد من الوظيفة.

وبالعودة إلى أخينا الداعية في طرابلس، فإن الغريب في الأمر، أن الملائكة التي يتحدث عنها اتخذت موقفا سياسيا، وربما عسكريا كذلك، ضد المشير حفتر، رغم أن حادثة مقتل العمراني جرت في طرابلس ولا علاقة للجيش بها، ولكن ركوب الأحداث وتسخير الإنس والجان لخدمة المشروع الاخواني يمكن تبريرهما، طالما أن الهدف منهما هو السيطرة على الوضع العام واللعب بعقول العامة.

والأغرب من ذلك، أن القتيل، الذي يقال إن جماعة دينية منافسة كانت وراء تصفيته، لم يتم العثور بعد على جثته، ومع ذلك تم تحديد المتهمين والمتورطين وصدرت الفتاوى بهدر دمائهم، وبعزل العشرات من داعميهم من منابر الإمامة، ثم جاء من يؤكد أنه رأى الملائكة وهي ترفع جثمانه، دون أن يحدد في أي اتجاه، ولكن ما كان قد تأكد منه أن الملائكة مناوئة ومعادية للمشير حفتر وللجيش وربما للحل السياسي كذلك.

لو تجرأ كاتب أو أديب أو روائي أو مسرحي على نقل ما يقوله هؤلاء الدعاة في عمل أدبي أو فني لتم تكفيره مباشرة، وربما صدرت ضده أحكام قضائية، وقد يجد نفسه خاضعا لحراسة أمنية، أو مضطرا للهجرة إلى السويد مثلا، لأنه سيكون متهما باللعب مع الملائكة أو التحقير من الذات الإلهية أو ازدراء الأديان، وقد يصبح عرضة للتكفير والاغتيال والتصفية والتشويه، ولكن عندما يخرج بعض المتنطعين ممن يدعون الدفاع عن الإسلام على الناس بخرافاتهم التي تطيح بقداسة الدين وتجعل منه أداة للصراع السياسي المبتذل، فلا أحد يدينهم أو يندد بهم أو يحاكمهم، لأنهم ببساطة خارج دائرة الحساب والعقاب، فهم الدعاة والقضاة وأصحاب الفتوى، صوابهم من الله وأخطاؤهم اجتهادات لا يلامون عنها، ولو تسببت في سفك الدماء وتدمير الشعوب.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر