الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

هؤلاء هم المتلاعبون بالعقول: كيف تدمر بلدا في 30 سنة

الملايين من الأميين، هذا القطيع البشري، يصير كتلة مضمونة، يسهل تعبئتها نفسيا، والسيطرة والاحتيال عليها، والنطق باسمها، وأحيانا يتم التنازع عليها.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/12/04، العدد: 10475، ص(13)]

لوحة: ياسر صافي

أعرف شابا مصريا استهلك في مقاعد الدرس 12 عاما، منها تسع سنوات في المدرستين الابتدائية والإعدادية بقريته، وثلاث سنوات في مدرسة ثانوية بالمدينة. ولكنه يعجز عن القراءة، ويكتب اسمه بصعوبة، يكاد يرسم حروفا يتشكل منها اسمه واسما أبيه وجدّه، ليوقّع الأوراق الرسمية، بعد أن قذفه مركب صغير، منذ سنوات، إلى شاطئ أوروبي، وربما يحصل على جنسية البلد الذي لجأ إليه في هجرة سرية، ثم وفّق أوضاعه واستقرت أحواله، ولا يشعر بالقلق من «أمية» لا يزال أحد ضحاياها، في تمثيل لمفارقة نظام تعليم يخرّج أميين.

لهذا الشاب قريبان يتمتعان بذاكرة خارقة، كانا زميليه في المدرسة الابتدائية، وقد ساعدتهما القدرة على الحفظ واستظهار الدروس على تخطي عقبات المناهج وشراك الامتحانات، ولم يجدا مشقة في الالتحاق بالكليةـ الحلم، للعائلة ولهما، وصار أحدهما طبيبا والآخر مهندسا.

الأول «الأمي» أعفى نفسه من قلق المعرفة؛ فلا يقرأ ولو صفحة الرياضة في صحيفة، وعلاقته بالكتابة أن يوقع اسمه كلما أضاف إلى ممتلكاته بيتا أو أرضا أو استخرج جواز سفر جديدا. والآخران انتهت علاقتهما بالقراءة، حتى في مجال التخصص، كلاهما نموذج للموظف التقليدي المطمئن إلى «تراب الميري»، ويتنافسان في حفظ القرآن، ثم «الأربعون النووية»، وما يليها.

لم يعهد على أيّ من الثلاثة اهتمام بالشأن العام، وبعد ثورة 25 يناير 2011، أصابهم هوس بحازم صلاح أبو إسماعيل مرشح اليمين الديني «المحتمل» لرئاسة الجمهورية. سمعت أبو إسماعيل في سهرات مطولة بميدان التحرير قبيل خلع حسني مبارك، وكان خطابه عاقلا يخلو من شبهة الطائفية. وبعد قضاء الثورة على مبارك أصبح نجما تلفزيونيا، واتسعت دائرة شهرته من الميدان إلى الفضاء العمومي، وصار وجها مألوفا لمن يتابعون الشأن العام، من الأعمار كافة، ومنهم ابنتي. ثم تصادف أن كنا في نقابة الصحافيين، ذات ليلة في شهر رمضان (الجمعة 26 أغسطس 2011)، وحضر حازم أبو إسماعيل ضيف شرف حفل تسليم جوائز حفظ القرآن الكريم على الفائزين. ثم سألتني ابنتي: هل حرّف المسيحيون الإنجيل؟ وهل هم كافرون؟ أدهشني الكلام، وتوقيته ومكانه، وقبل أن أسألها قالت إنها قادمة من قاعة الاحتفال، وأغلب الحضور أطفال مع ذويهم، وسمعت الشيخ حازم يقول هذا الكلام قبل أن يسلم الجوائز. سيكبر الأطفال وفي وجدانهم هذا اليقين، ويترسّخ في نفوسهم أن نقابة الصحافيين تخص المسلمين وحدهم؛ وهي امتداد للمساجد، إذ يتردد فيها كلام يسمع مثله آباؤهم في خطبة الجمعة، وأن غير المسلم كافر، والكافر أقلّ من الذّمي الذي هو بالضرورة لا يستوي في حقوق المواطنة بالمسلم في دار الإسلام.

سيزهو الطبيب والمهندس ـ على صاحبهما «الأمي» الذي ود لو يرسل توكيلا للمرشح الرئاسي من البلد الأوروبي ـ بهجرتهما «في سبيل الله» من قريتهما البعيدة إلى القاهرة، للمشاركة في أغرب تجسيد بشري للموكلين. كان قانون تنظيم الانتخابات ينص على حصول المتقدم للترشح على 30 ألف توكيل من 15 محافظة، على ألا يقل عدد التوكيلات عن ألف في المحافظة الواحدة. وجاء من أقاصي مصر إلى القاهرة الألوف من مريدي أبو إسماعيل، لم يكتفوا بحمل توكيلاتهم بأيمانهم وشمائلهم، وإنما ذهبوا بأنفسهم برهانا على حماستهم لنصرة من يظنونه رمزا للإسلام، وشكلوا بأجسادهم في شوارع القاهرة سلسلة بشرية تصل إلى مقر لجنة الانتخابات، رافعين صور أبو إسماعيل، وهم يهتفون بالنصر «الله أكبر ولله الحمد». ولولا استبعاده أو إبعاده عن السباق لفاز باكتساح، وفقا لديمقراطية الصناديق، وتجاوز منافسيه حتى من اليمين الديني نفسه.

التعليم الذي كان ضحيته الشاب «الأمي» وزميلاه المهندس والطبيب مسؤول عن هوس الملايين بحازم أبو إسماعيل، ورهانهم عليه «لإعادة مصر إلى الإسلام». لو لم يرتكب حسني مبارك جريمة غير تدمير التعليم، وتعميم التجهيل، لكانت كافية لإدانته بتهمة الخيانة العظمى، والتواطؤ على مستقبل البلاد. لا يتعلق الأمر بلجوء خائبي الرجاء إلى أقرب يقين وهو ما يظنونه صحيح الدين، وإنما بفقدان الرهان على الوعي الضامن لتغيير حقيقي، لكي تخرج البلاد من ثنائية اليمينين.. الديني والعسكري. في ذكرى انتصار أكتوبر 1973 سألت قناة فضائية مصرية (في بداية أكتوبر 2016) مجموعة من الشبان أسئلة عبثية، وجاءت الإجابات كارثية في عبثيتها. سئلت «رباب» الطالبة بقسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة القاهرة: هل سميت مدينة 6 أكتوبر لأن الحرب قامت فيها؟ فأجابت: «أكيد، حرب 6 أكتوبر حرب عظيمة»، وقال آخرون إنهم سيصومون يوم 6 أكتوبر، وسيؤدون «صلاة 6 أكتوبر»، وافتخر أحدهم بأنه يواظب على «صلاة 6 أكتوبر» كل سنة «أكيد طبعا».

تخريب التعليم مقصود ليسهل التلاعب بالعقول، واستقطاب الملايين- من العاطلة عقولهم عن التفكير- إلى سلطة عسكرية أو سلطة دينية، تجيد كلتاهما إقناع الأتباع بوجود مؤامرة

أرست مصر بعد ثورة 23 يوليو 1952 ديمقراطية التعليم المجاني. كانت المدرسة مؤسسة صارمة للتربية والتعليم، فيها يحتفظ «المعلّم» بهيبة نابعة من الإخلاص في أداء مهامه، فلا يضطر التلميذ إلى «استئجار» مدرّس يشرح له المنهج في درس خاص. سلوك مهين يجعل المدرس أقرب إلى متسول ينتقل طوال الليل والنهار، من بيت إلى آخر، وتكون يد التلميذ هي العليا. لم يكن التعليم يكلف وليّ الأمر شيئا، وبحلول القرن الحادي والعشرين أصبح التعليم يكلف الأسر المصرية سنويا أكثر من 14 مليار جنيه، في ظل شعار المرحلة «مدارس بلا تعليم، وتعليم بلا مدارس»، وهي مقولة أطلقها الدكتور شكري عياد (1921 ـ 1999)، ولخص بها الفوضى المستمرة في النظام اللاتعليمي بمصر رغم ثورة 25 يناير المغدورة. ما لم يقله شكري عياد هو أن الجامعات نفسها هوت دون مستوى المدارس في ستينات القرن الماضي؛ إذ امتدت إليها عدوى الدروس الخاصة، واقتصرت أدوار أغلب «الدكاترة» على فرض شيء يسمونه مجازا «الكتاب»، وهو مجرد مذكرة رديئة الطباعة متواضعة المضمون، تباع إكراها للطلبة. في كلية الإعلام بجامعة القاهرة في نهاية ثمانينات القرن العشرين، كانت لنا في الدفعة نفسها زميلتان شقيقتان، وأجبر المدرس كلتيهما على شراء نسخة من «الكتاب» نفسه.

كانت المدارس في القرى تفتح ليلا لكبار السن، الفلاحين المقبلين بحماسة على دروس «محو الأمية»، ضمن خطة تستهدف تنمية مهارات من فاتهم التعليم، وتقليص نسبة الأمية، وتمنح الذين تجاوزوا «الإعاقة» امتيازا في الالتحاق بمهن تحتاج إلى من يستطيع القراءة، فيصبح الفلاح أو الأجير عاملا في مصنع أو صاحب حرفة. وفي الوقت نفسه، كان الأمل أن يتم منع تسرّب الأطفال من التعليم، فتحاصر الأمية تدريجيا بتجفيف المنبع، والسماح باجتذاب من هم في المصب إلى دوائر النور، إلا أن سبعينات أنور السادات أفسدت كل شيء، وعمم مبارك هذا الخراب.

تسلم السادات الحكم وعدد المواطنين 30 مليونا تقريبا، وغادر السلطة والدنيا صريعا بعد أن تجاوز العدد 40 مليونا. وعندما خلع مبارك كان عدد المواطنين قد بلغ 81 مليونا. لو حسنت النية لما بلغت نسبة الأمية الكتابية حاليا نحو 30 بالمئة، إضافة إلى الأميين خريجي المدارس ممن تتجاهلهم الإحصاءات، وهي جريمة تستحق وحدها محاكمة ثورية، عقابا على تعمد رئيس جهول أن يجرّف الوعي من بداية السلّم، بإبعاد قطاع كبير من الأطفال عن المدارس لفقر أولياء الأمور، بعد أن صار التعليم استثمارا، ومن يوقعه حظه في التعليم الرسمي فسوف يتخرج أميّا كما ولدته أمه.

الملايين من الأميين، هذا القطيع البشري، يصير كتلة مضمونة، يسهل تعبئتها نفسيا، والسيطرة والاحتيال عليها، والنطق باسمها، وأحيانا يتم التنازع عليها، واستمالة شرائح ممّن فقدوا الأمل في حياة آدمية، إلى الشاطئ حيث ينتظرهم ـ بعد إقامة ما يسمونه الخلافة ـ ما لا عين رأت، في جنة افتقدها المساكين في دنيا ظلت حكرا على اللصوص، لصوص الوعي والأعمار.

سرقة الوعي والأعمار علاوة على استنزاف أموال الأسر المصرية

سرقة الوعي والأعمار علاوة على استنزاف أموال الأسر المصرية تسلب خريج الجامعة 18 عاما، يخرج بعدها إلى الدنيا كائنا هشا، مستلبا فاقد الإرادة، غير واثق بقدرته على التفكير، إذ اعتاد على نموذج جاهز للإجابة عن أسئلة المناهج، وحرم من حقه في الصواب والخطأ، بالاجتهاد والبحث عن طرق مختلفة للوصول إلى معنى غير الذي سلكه المدرّس وأراده واضع الامتحان. تخلو مناهج التعليم من التدريب على المهارات العقلية، وتحوّلت المدارس الخالية من التلاميذ طوال العام الدراسي إلى أماكن لأداء الامتحان. ولم يعد الأذكياء هم الأوائل وإنما ينال الدرجات العلا من يدرّب ذاكرته على الحفظ، مستعينا بخبرة المدرس الخاص في تدريبه على الإجابة النموذجية، وقراءة سيكولوجية مشوهين نفسيا يضعون في امتحانات الثانوية العامة أسئلة من المستحيل أن يتعرض لها إنسان طوال عمره، ومنها سؤال عن جمع كلمة «وحْي» قبل بضع سنوات؛ فلا يملك الطالب إلا الكفر بالوحي والتعليم والبلد، ويفكر في هجرة غير مشروعة، أيا كانت نتيجة المغامرة الأقرب إلى مقامرة.

تخريب التعليم مقصود ليسهل التلاعب بالعقول، واستقطاب الملايين ـ من العاطلة عقولهم عن التفكير ـ إلى سلطة عسكرية أو سلطة دينية، تجيد كلتاهما إقناع الأتباع بوجود مؤامرة تنال من الدين أو الوطن، وتلجآن إلى اتهام المخالف بالتكفير الديني أو التخوين الوطني، ولكل منهما أسلحة إعلامية تستهدف جمهورا مستعدا لتلقي التعليمات والإرشادات.

قسّم السادات ومبارك المصريين إلى جزر صغيرة، تعزلها أسوار عالية، وإن تجاورت فلا تتفاعل. نجحت الخطة بيسر مخادع عن طريق التعليم الذي تحول إلى مجال مضمون لاستثمار مصري وعربي وأجنبي. حتى أوائل سبعينات القرن العشرين كانت القسمة ثنائية بين تعليم رسمي مدني عام وتعليم ديني (الأزهر). أما الآن فربما لا أتمكن من حصر أنواع التعليم ومستوياته. ففي التعليم الحكومي الرسمي توجد مدارس للتعليم العام (عربي)، ومدارس تجريبية (لغات) بمصروفات، ومدارس المعاهد القومية (لغات) بمصروفات. ومدارس خاصة يملكها أفراد (عربي، ولغات)، ومدارس أجنبية ودولية. وفي التعليم الجامعي لجأت الجامعات الحكومية إلى منافسة الخاصة والأجنبية في التجارة والاستثمار، عبر تعليم صوري اسمه «التعليم المفتوح»، إضافة إلى ابتداع فروع للتعليم الرسمي بالإنكليزية والفرنسية بمصروفات عالية للقادرين، وتوجد أيضا الجامعة الأميركية والفرنسية والألمانية والبريطانية والكندية.

في عام 1938 رثى طه حسين (1889 ـ 1973) أحوال التعليم الرسمي مقارنة بالتعليم الأجنبي الذي استظل «بالامتيازات الأجنبية، غير حافل بالدولة، ولا خاضع لسلطانها، ولا ملتفت إلى حاجات الشعب وأغراضه، ولا معني إلا بنشر ثقافة البلاد التي جاء منها، والدعوة لهذه البلاد، وتكوين التلاميذ المصريين على نحو أجنبي خالص، خليق أن يبغّض إليهم بيئتهم المصرية، وأن يهوّن في نفوسهم قدر وطنهم المصري.. وينتج عن ذلك أن الشبان الذين يخرجون من هذه المعاهد الأجنبية مهما يكن حبّهم لمصر، وإيثارهم لها، فإنهم يفكرون على نحو يخالف النحو الذي يفكر عليه الذين يخرجون من المعاهد المصرية».

كان جمال مبارك وفريق «الكشافة» الذي حكم مصر، من الباطن طوال عشر سنوات، ينتمي إلى الصنف الذي حذّر منه طه حسين. وبعد صعود الأمل متجسدا في لحظة 25 يناير، رجعنا إلى نقطة البداية، بالنكوص إلى قوسين ضاغطين.. التعبئة الوطنية والاحتشاد الديني، وبينهما لا يجد المثقف الفرد فرصة للتواصل مع جماهير ربما تلعنه، ولا تعي أنه الأصدق، والأكثر إيمانا بالمستقبل، وربما يصير خريج المدرسة «الأمي» بإلحاحه على الظهور التلفزيوني أكثر تأثيرا، إلى أن يحطم الوعي أضلاع مثلث احتكار الدين والوطنية والإعلام.

روائي من مصر

ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر