الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

سيد قطب.. من التطرف 'الوطني' إلى التكفير

باستثناء إشارات قطب وأنور المعداوي وغيرهما عانى محفوظ التجاهل نحو خمسة عشر عاما، ولكنه آمن بموهبته وراهن عليها، وعلى جيل آخر من النقاد والقراء.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/12/06، العدد: 10477، ص(9)]

تجاهُـل حرف “لو” أبسط دروس التاريخ؛ فما جرى قد جرى وصار تاريخا، ولا يصح افتراض مسار آخر غير ما حفرته الوقائع، مهما تكن أسبابها الهزلية ومصادفاتها العجائبية. لنا أن نسأل: كم مذبحة في القلعة وفي غيرها كان سيرتكبها “الجزار” إبراهيم باشا “لو” امتد به الأجل، وحكم مصر بدلا من محمد علي؟ ما شكل الخارطة الأوروبية وملحقاتها “لو” انتصر نابليون؟ ولنا أن نتوقع ملامح حلف بين محمد علي ونابليون، وآثاره على الدولة العثمانية، “لو” وثق الإمبراطور المنفيّ بمحمد علي ووافق على خطة لتهريبه داخل أنابيب في سفينة تجارية، لكي يتمكن من العودة إلى عرش فرنسا. وأن نتخيل الجحيم الأرضي “لو” حسم أدولف هتلر الحرب لصالحه. وأن نرسم العالم خاليا من شاه إيران ومن آثار الخمينية ونظرية ولاية الفقيه معا “لو” نجحت خطة الدكتور مصدّق. وأن نمد أحلام الجنرال ديغول على استقامتها “لو” تمكن من قمع الثورة الجزائرية غير عابئ بدماء مليون ونصف المليون شهيد. وأن نتابع صراع الأحزاب المصرية على الحكم “لو” تأخر يوسف صدّيق عن التحرك ساعة واحدة ليلة 23 يوليو 1952، ونتدبر مصائر جمال عبدالناصر ورفاقه متهمين بالخيانة العظمى. وأن يخلو العالم الآن من نصف شروره “لو” أقدم عبدالناصر على تعيين سيد قطب وزيرا.

كان سيد قطب عصبيا، لا يعرف الوسطية، يمضي في السبل إلى منتهاها، حماسة أو رفضا، إلحادا أو تكفيرا. يروي سليمان فياض في “كتاب النميمة” أنه سمع سيد قطب يقول في محاضرة في كلية الآداب بجامعة القاهرة إنه ظل “أحد عشر عاما ملحدا”، ثم خرج من حيرة الإلحاد إلى طمأنينة الإيمان، حين شرع في كتابة “العدالة الاجتماعية في الإسلام” الذي دعا فيه إلى “استئناف حياة إسلامية، في مجتمع إسلامي، تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي، كما تحكمه الشريعة الإسلامية… الحياة الإسلامية قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض.. وجود الإسلام ذاته من ثم قد توقف كذلك”. وقد انتبهت الآن وأنا أتأهب لكتابة هذا المقال إلى خطاب ردد مثلَه أسامة بن لادن بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، ففي السطور الأخيرة من “العدالة الاجتماعية في الإسلام” يقول قطب “إن حركات البعث الإسلامي تتناثر اليوم على وجه الأرض كلها، وتقتحم على الصليبية عرينها في قلب أميركا وأوروبا وتنتفض في آسيا وأفريقية”.

في المحاضرة نفسها نالت الجامعة من هجوم سيد قطب طعنة، بقوله إن أساتذتها “جهل يحمل الدكتوراه”، ربما استنادا إلى عمق ثقافته، على الرغم من عدم إجادته لغة أخرى. ولعل حدة مزاجه ترجع إلى إخفاقه في تحقّـق كان يطمح إليه، ويرى نفسه جديرا به، ولائقا بموهبته، قبل أن يصاب بموجات من خيبات الأمل.

خاب أمله في الكبيرين عباس العقاد وطه حسين. كانوا يلقبونه بتلميذ العقاد، وكان التلميذ يحتاج إلى اعتراف. قال قطب بمرارة لسليمان فياض إنه لم يطلب أكثر من كتابة مقدمة “لكتاب لي، يقدمني به للناس”، ورفض العقاد، فهجره التلميذ الذي تعلق أيضا بطه حسين، وتماهى مع سيرته “الأيام” فكتب “طفل من القرية”، وأهداه إلى طه حسين. ثم خاب أمله في ثورة يوليو 1952. كان صديقا للضباط الأحرار، وفي بيته عقدوا اجتماعات في فترة التمهيد للثورة، وبعدها سارع إلى تقديم أسوأ ما يمكن أن يقدمه “مثقف” إلى نظام حكم في التاريخ، دعوة هستيرية للتحريض على الدم، تعليقا على أحداث عنف في شركة مصر للغزل والنسيج بمدينة كفر الدوار يومي 12 و13 أغسطس 1952، فبعد يومين اثنين (15 أغسطس) نشر في صحيفة “الأخبار” مقالا عنوانه “حركات لا تخيفنا”، موظفا خطابا دينيا في الانتقام “لقد أطلع الشيطان قرنيه. فلنضرب. لنضرب بقوة. ولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبر وأن يهيل التراب”. وقضت محكمة عسكرية بإعدام العاملين الشابين مصطفى خميس ومحمد البقري.

توقع قطب سرعة رد الجميل، بأن يتولى وزارة المعارف (التعليم)، وفي أسوأ الأحوال أن يكون مديرا للإذاعة، وهو منصب مرموق أقرب إلى وزارة الإعلام التي لم تكن موجودة. وسارت الأمور في اتجاه آخر، فالتمس التحقق بالانضمام إلى الإخوان، لتصير أفكاره رحما تنبت فيه أجيال من القتلة، اهتداء برائد لم يكذب تلاميذه، وهو يبشرهم بأن “الطريق مفروشة بالأشلاء والجماجم، مزينة بالدماء”، باتساع المعمورة، بدلا من دائرة دماء محدودة “لو” أصبح عرّابا للثورة، وملهما لعبدالناصر. “لو” عيّن سيد قطب وزيرا لاستهدفت سهام العقلانية فاشيته، أما وقد وظف مواهبه في إلباس الأفكار ثوبا دينيا فقد ضمن لها عمرا أطول، ودائرة تتسع كلما ولد مهووس جديد.

تحولات سيد قطب ليست أكثر من إعادة توظيف المهارات، ونقل الأدوات من بيئة إلى أخرى. لم يتوقف مقاله عن “كفاح طيبة”، عام 1944، أمام قيم جمالية لانشغاله بحماسة وطنية سيكفر بها في ما بعد “أحاول أن أتحفظ في الثناء على هذه القصة، فتغلبني حماسة قاهرة لها، وفرح جارف بها!… هي قصة استقلال مصر بعد استعمار الرعاة على يد ‘أحمس” العظيم، قصة الوطنية المصرية في حقيقتها بلا زيادة ولا ادعاء”، وسيكون الوطن في مرحلته الإخوانية حفنة من تراب، يذروها في صفحات “في ظلال القرآن”، ولمن لا تسعفه قراءة المجلدات الستة لخص الأمر في كتابه الأخير “معالم في الطريق”، بالإلحاح على أن “وطن المسلم الذي يحن إليه ويدفع عنه ليس قطعة أرض… إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة… إما كفر وإما إيمان.. إما جاهلية وإما إسلام”.

هل أراد قطب أن يلعب دور العراب لكاتب يؤمن بموهبته؟ فبعد مقاله عن “كفاح طيبة” الذي قال فيه إن الأمر لو كان بيده لوزعها على كل بيت، وأقام “لصاحبها، الذي لا أعرفه، حفلة من حفلات التكريم التي لا عداد لها في مصر”، أشاد في كتابه “النقد الأدبي: أصوله ومناهجه” برواية “خان الخليلي” التي كتبها “نجيب محفوظ الشاب… والقصة وليدة في الأدب العربي. فحسبها أن تبلغ الآن ما بلغته في فن هذا الشاب”.

باستثناء إشارات قطب وأنور المعداوي وغيرهما عانى محفوظ التجاهل نحو خمسة عشر عاما، ولكنه آمن بموهبته وراهن عليها، وعلى جيل آخر من النقاد والقراء، ولم يقفز إلى ساحة أخرى يعيد فيها تدوير مهاراته، وهي أعمق وأشمل من مواهب سيد قطب، بحكم دراسة محفوظ للفلسفة، وإجادته للإنكليزية. “لو” فعلها محفوظ لكان سحره أشد خطرا، ولم يكن كثيرا على سيد قطب الوزير، الذي حرض على إعدام شابين، أن يصادر حياة محفوظ بتهمة الحفاظ على الدولة من عبث المخربين باسم الدين، وربما أصبح مقاله “حركات لا تخيفنا” عنوانا لكتاب يستهدف به الإخوان وجماعات الشيطان.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر